عن تضامن العصبية والعنف والاتهامات ضد نشطاء ومنظمات حقوقية

عن تضامن العصبية والعنف والاتهامات ضد نشطاء ومنظمات حقوقية

هيومن رايتس ومؤسسة حوار
عن تضامن العصبية والعنف والاتهامات ضد نشطاء ومنظمات حقوقية
* ماجد المذحجي
يستثير العمل الحقوقي دائما اصطفافات بأشكال مختلفة، فهو يعمل خارج التحيزات ويلعب أدواره كنقيض لها باعتباره معنياً أساساً بالحقائق والإنصاف، ولذلك فهو عادة عرضة للتعميمات والاتهامات من كافة الأطراف ذات الصلة بالقضايا التي يعمل عليها، والتي تتضرر منه ضمن أي مستوى. يُمكن القياس على ذلك على تقرير هيومن رايتس ووتش الأخير بخصوص جرائم الحرب في صعدة أثناء العمليات العسكرية هناك، والذي اشتمل على مادة اتهام للطرفين المتقاتلين بارتكاب جرائم متعددة في سياق وقائع الصراع بين الطرفين.
ما دفعني لاستعادة هذا الموضوع هو الحدية، وربما اللاأخلاقية، التي استثارها نقاش في الفيسبوك حول وفاة صديق شاب في صعدة أثناء العمليات العسكرية، حسن عنتر، والذي انسحب حول نقاش خياراته الشخصية في الذهاب إلى هناك باعتباره “شهيداً” كنتيجة لهذا الخيار، مع طرح أسئلة حول عبثية الموت المجاني وإضافته كرقم للقتلى فقط دون جدوى مع استدعاء مقاربات حول طبيعة الفارق بين الانتحاريين المحسوبين على القاعدة الذين يذهبون للموت ضمن اعتبارات المظلومية الدينية والرغبة بالشهادة، مع ذات الخيار بالنسبة للشباب الذين يذهبون للقتال في صعدة ضمن مظلومية أخرى توفر أيضاً خيار الشهادة.
هذا المضمون من النقاشات الذي كانت أطرافه حقوقية وسياسيه وغيرها، أدى إلى استقطابات وجملة من الاتهامات والتعريض طال بشكل أساسي الطرف المختلف عن الإجماع، وعن اللون السائد في الجملة والهوية، القائل بكون حسن “شهيداً”، وكان ذلك الطرف/الضحية هو عبدالرشيد الفقيه، المدير التنفيذي لمؤسسة حوار. بغض النظر عن فحوى الاتهامات التي طالت شخصه، وهي خطيرة ولاأخلاقية، ويجب عدم السكوت عنها، فقد استدعى تواتر النقاش فتح موضوع تقرير هيومن رايتس ووتش، الذي كانت مؤسسة حوار هي الشريك الوطني للمنظمة الدولية في إعداده.
 تأسس تناول التقرير أثناء النقاش على الفيسبوك على جملة اتهامية جاهزة وعنيفة، فحواها عدم دقة وصدقية التقرير، على الأقل في ما يخص الاتهامات الواقعة على جماعة الحوثي، ليتصاعد ذلك إلى الاتهام بتزوير شهادات الشهود التي أخذت بها هيومن رايتس ووتش في تقريرها من طرف مؤسسة حوار التي ساعدت على ترتيب اللقاءات بهم، أي الشهود، مع فريق المنظمة الدولية. وبغض النظر عن التخفف الأخلاقي الرديء الذي ميز مضامين الحديث والاتهامات، فهي اتهامات لم تؤسس على أي دليل، وعلاوة على كونها لم تتضمن سوى جمل جاهزة، فهي تكشف عن منطق متشابه، ومتضامن! يجمع كل الأطراف المتضررة من التقرير، أي الحوثيين والسلطة، حيث تميز منطقهم جميعا بالتعميم في مواجهته، والركون إلى نفيه بشكل مجرد، دون نفي وقائع محددة واردة فيه، واللجوء إلى اتهامات بعدم الحياد، واعتماد التقرير على أطراف تتبع الطرف الآخر! وفق منطوق الاعتراضات التي أعلنها كل من الحوثي والسلطة، لتصبح هذه الأطراف التي اتهمها الاثنان غير معلومة أو محسوبة على من في الأخير كونها متهمة من كليهما؟ وفي أية قضية أو محتوى ضمن التقرير هي كذبت أو لفقت الوقائع بالضبط؟! وبالطبع لم يبادر أحد الطرفين لتشكيل لجان للتحقيق من قبله في الوقائع الواردة في التقرير وإعلان نتائجها، مستغرقين فقط في النفي وتوجيه الاتهامات العامة دون أدلة تؤكد فحوى اعتراضاتهم، ليتضامنا بالتالي ضداً على التقرير ومعديه!
لقد أفصحت هذه الجملة الاتهامية ضد التقرير، والتي تجاوزت الأمر بنفيه عموماً، لتشمل هنا اتهامات مباشرة ومحددة ضد مؤسسة حوار وعبدالرشيد الفقيه ورضية المتوكل! ليصبح ذلك مؤشراً خطيراً فعلياً، كون الجهات الصادر عنها هذا الاتهام هي أطرافاً سياسية معارضة ونشطاء حقوقيين، لم يكن من وجه الاتهامات بتزوير شهادات الشهود جماعة الحوثي أو السلطة، وهي للغرابة لم تنسجم مع اتهامات أخرى من ذات الطرف بالعمالة الأمنية للسلطة التي ساءها التقرير بشدة رغم أنه يفترض أن هؤلاء قاموا بالتزوير لصالحها، ويفترض بهؤلاء أن يكونوا حساسين لطبيعة هذه الاتهامات قبل التصريح عنها لكونها تطال منظمة دولية ذات اعتبار ورصيد طويل في العمل على هذه الشاكلة من التقارير، وتتمتع برأسمال من المهنية الذائعة الصيت، ولكونهم كرروا الترحاب والتأكيد على تقاريرها السابقة الخاصة باللاجئين والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بدون أي تشكك، مع أن ذات الشريك الوطني؛ مؤسسة حوار، قامت بالتنسيق للقاءات مع الشهود في المرات السابقة أيضاً، علاوة على أن توجيه اتهامات بالتزوير إلى مؤسسة حقوقية وطنية محترمة وزملاء في الوسط الحقوقي، من دون تقديم أي دليل فقط ضمن موقف غير مفهوم أو مبرر، ويدمر الاعتبار الحقوقي والمهني والأخلاقي للطرف الصادر عنه هذه الاتهامات. وهو ما يستدعي أيضاً وقفة جادة من المجتمع الحقوقي تجاه الاستسهال في توجيه الاتهامات، واعتبار النشطاء الحقوقيين طرفاً ضعيفاً، يطؤه الجميع، من قبل كل من السلطة والسياسيين المعارضين، وللغرابة من بعض الحقوقيين أيضاً حين لا يروقهم أو يتعارض الأمر مع عصبيتهم غير المعلنة.
maged