الزاحفون

الزاحفون

* سلمى أحمد ضيف الله
عندما يذبح “الوطن” أبناءكم ويستحيي نساءكم، فهو ليس بوطن! عندما يتحول “الوطن” الكبير إلى جحر تختبئ بداخله الأفاعي متحينة الفرصة كي تلدغ أبناءها، فهو ليس بوطن! عندما تصبح دية مرآة سيارة مرسيدس حياة سائق باص، فهو ليس بوطن!
هذا ليس “وطناً” حين تصير رقبة سائق باص، أبى القدر إلا أن يكون أحد أبنائه، ملاذاً سهلاً لجنبية رجل “أرعن” منحه هذا “الوطن” سيارة مرسيدس آخر موديل مقابل فتات خبز –إن وجدت- لملايين البشر في هذا الوطن، هذا الوطن الذي يعطي بلا مقابل للمسؤولين وأصحاب النفوذ، ويأخذ بلا مقابل كل شيء من أفواه الجائعين وسائقي الباصات.
هذا الأرعن –إن جاز التعبير– كان يتنزه في شارع الخط الدائري، الخميس الماضي، وكأن الشارع هو شارع “الوالد”، معتقداً أنه يتنزه في الشانزلزيه الذي لا يعرفه إلا هو وأمثاله. هذا المسؤول أو ابن المسؤول أو ابن “الناس” كان يقود سيارته مترنحاً بها شمالاً ويميناً، وكأن المارة من حوله حشرات. ومثلما كان القدر أعمى الخطوات فقد احتك بسيارته الراقصة باص أجرة خط جولة تعز –الجامعة، وكان من الوارد أن يحصل التصادم، ولكن المتسبب الرئيسي كان صاحب المرسيدس، وطبعاً كُسرت المرآة الجانبية لسيارته المدللة. “أوه لا لا!”.
جن جنون ابن “الناس” وتوقف بسيارته وسط الشارع بشكل جنوني، وترجل متوجهاً نحو سائق الباص يسب ويشتم أمام ذهول الناس في الشارع والركاب في الباص، ولم يكتفِ بذلك، بل امتدت يداه إلى السائق وأشبعه ضرباً بل ومنتزعاً شعر رأسه بأصابعه الناعمة، هذا السائق الذي لا يتجاوز عمره ال20 عاما!
نزل الركاب جميعهم من الباص، عداي وامرأة مسنة، محاولين تهدئة هذا “الأرعن” وإقناعه بأن ما حصل لا يستحق استعراض عضلاته بهذا الشكل المهين، وإن كان الخطأ هو خطأ السائق، فليعوضه مادياً. لكن هيهات أن يهدأ هذا الذي وهبه الله قوة في البدن وضعفاً في العقل، عكس السائق الذي لم يجرؤ حتى على الكلام، واكتفى بالنظر إليه بعينين خاويتين مثل معدته، فقد أدرك مسبقاً أنه في وطن لا يحمي أمثاله من الزاحفين على الأرض من أجل لقمة العيش!
قام “الأرعن” باستعراض عجيب قلما نشاهد مثله بين الرجال، حيث قام بمداعبة شعر رأسه قائلاً بغنج عجيب “ماشي.. ماشي. ما عد أتحركش من هانا إلا لوما أوريه هذا ال(…) هو وحقه العشة!”.
حينها طلب بعض المارة من السائق أن يقود الباص بسرعة ويرحل ويتفادى هذا المغنج، فلا فائدة من التفاهم مع رجل تنقصه في الأصل أية رجولة، كما وأنه ليس بحاجة إلى مبلغ التعويض على ما يبدو.
وبمجرد أن شغل السائق المحرك حتى قفز “المغنج ابن المغنج” وأخرج جنبيته وغرزها في رقبة السائق أمام أعيينا، بل وصل به الإجرام أن تعلق بنافذة الباص وهو يسير وأخذ يوجه ضربات متلاحقة من جنبيته إلى السائق الذي اضطر إلى الجلوس في الكرسي المجاور لكرسي السائق وأخذ يقود الباص بيده اليسرى فقط، محاولاً قدر المستطاع أن يتفادى الطعنات، بينما الـ”دِم بوند” يكيل إليه الطعنات مهدداً بقتله حتى ولو حاول الهروب، رافعاً جنبيته في وجهينا أنا والمرأة المسنة صارخاً فينا كالمسعور كي نكمم أفواهنا.
أن تكون في وضعٍ كهذا.. أن يحاصرك الموت.. أن تشعر أن حياتك لا تساوي حياة نملة.. أن تنتظر أن تزهق روحك بجنبية رجل لأنك لا تمتلك واحدة مثلها.. أن يمتلك شخص الحق في إنهاء حياتك لأن هذا الوطن منحه هذا الحق.. أن وأن وأن.. لهو منتهى الاستفزاز والسخرية!
كم ودعت أحبتي وهم على فراش الموت، لكني لم أشهد قط ذبح إنسان وكأنه نعجة، ولم أرَ استخفافاً بآدمية إنسان بهذه الطريقة الفجة مثل ما يحصل في هذا “الوطن”!
بعد ذلك الاستعراض الدامي، وبعد أن وصلنا إلى طاقم النجدة بعد أن سقط الـ”دِم بوند” من على الباص، واستنجدنا بهم مؤكدتين لهم أنا والمرأة الأخرى “أن دم هذا السائق في رقبتكم!”.. ملأتني الأسئلة واستفزتني.. هل من حق أصحاب السيارات الفارهة أن يقودوا بتلك الطريقة الجنونية وسط شارع مزدحم بالمارة؟ هل من حق أبناء الذوات والمسؤولين أن يوسعوا الآخرين ضرباً فقط لأنهم عيال “ناس” أما البقية فهم عيال “…”؟ هل من حقهم أن يذبحوا الناس بالجنبية كالخرفان؟ هل من حقهم أو من كان أن يحملوا السلاح في وطن نصفه لا يفكر إلا حين ينام؟ لا أدري!
قيل لي في الفرزة عندما ذهبت للاستفسار، إنه تقرر أن يذهب سائق الباص وصاحب المرسيدس إلى قسم الشرطة، لكن النجدة لم تفلح في إجبار صاحب المرسيدس على الحضور إلى قسم الشرطة، وبذلك ضاع حق سائق الباص مثلما يضيع كل من يدخل قبو هذا “الوطن”!
Salma.dhaifallah@yahoo.com