عن اللقاء الذي لم يعد مشتركاً

عن اللقاء الذي لم يعد مشتركاً

* بشرى المقطري
التحالف السياسي لا يدوم إلى الأبد، حتى لو ظن بعض السياسيين الطيبين أن بلادنا استثناء وحيد عن بلدان العالم، وإذا اعتبرنا أن واقعنا هو من الشذوذ بحيث ليس هناك من تجربة تنطبق عليه، وأن هذا التحالف -المظلة- يمكن أن يقينا من التغيرات المناخية السياسية العاصفة، وأن أحزابنا هي من الهشاشة إذ لا يكاد يسمع صوتها إن ناطحت السلطة متفرقة. ولكن ماذا لو لم يحقق هذا التحالف انجاز ما لا على الصعيد السياسي ولا الاجتماعي. وهنا أتساءل: لماذا لم تتحالف الأحزاب اليسارية المصرية مع الإخوان المسلمين، علماً أنهم رقم كبير وضاغط على الساحة المصرية، ويسيطرون على معظم الفئات الشعبية الفقيرة؟ أليست الأحزاب المصرية أحكم من أحزابنا لأنهم يدركون حجم اختلاف المشروعين الديني والعلماني على الصعيد السياسي والفكري والاجتماعي؟ لكن أحزابنا السياسية ربما لا تدرك حجم البون الشاسع بينها، فانخرطت في المظلة المشتركية منذ زهاء 8 سنوات، دون تقييم تجربتها، ودون أن تقدم لرعاياها مبرراً منطقياً لاستمرار هذا العرض السياسي الذي يثير الشفقة، والقرف في قلب المواطن اليمني الذي فقد إيمانه بالسلطة والدولة، وربما الوطن، منذ 30 عاماً، ولم تعد هذه المسميات على رومانتيكيتها تثير في نفسه سوى حساسية ضد الكذب، وهو الآن يفقد إيمانه بهذا المزيج الغريب من الكراتين السياسية المقولبة في كيان فضفاض دون ملامح وليس لديه مشروع حياة للمواطن العادي، وآلية محددة للتعاطي مع هذا المشروع.
التحالفات السياسية بنت المرحلة تفرزها المصالح السياسية وفق معطيات محددة، بحيث لا يكون هناك صوت نشاز استغلالي ينفذ أجندته السياسية الخاصة بعيداً عن المصلحة العليا لهذه التحالفات. وإذا عدنا إلى الوراء، سنجد أن الواقع التاريخي والسياسي الذي تشكل وفقه اللقاء المشترك، لم يعد منسجماً كما كان سابقاً، ولم يعد هناك مبرر سياسي أو أخلاقي لاستمرار هذا التحالف بين قوى يسارية كالحزب الاشتراكي مثلاً، وبين قوى تقليدية يمثلها حزب الإصلاح اليمني. وإذا أردنا أن نغفر لهذا الحزب انضواءه تحت رداء السلطة وكونه جناحها الديني اليميني المتطرف والمنفذ لممارساتها، سواء أثناء حرب 94 أو بعدها، ونكون مغفلين قليلاً ونتناسى الذاكرة الجمعية لما فيه المصلحة الآنية، فإن حزب الإصلاح وبانضمامه للمشترك ظل هو المعطل الحقيقي لجموح الأحزاب اليسارية وتفاعلها مع الواقع اليومي والمعاشي للمواطن اليمني، مما أدى إلى تقوقع هذه الأحزاب على نفسها، وفقدانها مصداقيتها.
ومن هذا التعطيل الذي يمارسه الإصلاح تحت المظلة المشتركية، وتنفيذاً لأجندته السياسية، هناك قضيتان تستحقان الوقوف عليهما؛ الأولى هي مستنقع الحوار الوطني الذي سقطنا فيه من شدة اليأس، واللجان التي تعمل منذ سنتين دون أن تستطيع فرض شروطها البسيطة على السلطة، لأن هناك تحليلاً صادماً، وهو للأسف صادر من بعض القيادات الحزبية، فالسبب في هذه الميوعة الوطنية للحوار، وتباطئها على هذا النحو المريب، هو أن هناك خرقاً للجنة الحوار من قبل السلطة، لعناصر إصلاحية في المشترك لها أجندتها السياسية الخاصة، مستفيدة من السلطة لمنافع اقتصادية، فمازالت هذا العناصر تعمل على عرقلة الحوار لمصلحة السلطة، حتى يضيع الوقت، وتأتي الفترة الانتخابية الجديدة، ومن هنا تضغط السلطة على هذا التكتل السياسي اليائس، وتمرر صفقة سياسية رخيصة: تمديد رئاسي جديد لدورتين انتخابيتين مقابل تمرير بعض الإصلاحات الجزئية.
القضية الأخرى، والتي تؤكد دور الإصلاح في كبح جموح الأحزاب اليسارية الأخرى، هي موقف المشترك ككل من قضية الجنوب، فما بين الصمت والبلبلة وعدم تحديد موقف واحد وثابت استمر لسنوات طويلة، مما أدى إلى فراغ سياسي حقيقي وتصاعد الحقوق الجنوبية المطلبية على نحو دراماتيكي، الأمر الذي أثر على صورة الحزب الاشتراكي لدى قطاع هائل من الناس هناك، فهذا الحزب العريق لم يحدد موقفه من الحراك الجنوبي إلا بعد صيغة توافقية لأحزاب المشترك، وبعد أن ارتفع سقف الحراك إلى المطالبة بالانفصال، فاليد الإصلاحية الطولى عطلت الآلية التي كان لابد أن يتحرك وفقها اللقاء المشترك، مما زاد نقمة الجنوبيين ليس تجاه المشترك تحديداً، وإنما تجاه الحزب الاشتراكي الأب القديم، الذي ترك أبناءه.
ثم هناك فكرة النزول إلى الشارع، وهنا وكما كل مرة، يخرج حزب الإصلاح عن الخط، وعن فكرة اللقاء المشترك في تعاطيه مع الشارع الذي يرزح تحت الفقر، وعسكرة الحياة، وتهبش الضباط والمشائخ، ونهب الأراضي والمياه والحياة، فالإصلاح لا يرى في هذا الشارع، سوى قوى ناخبة، وضاغطة للتمثيل البرلماني، وخلايا نائمة يمكن أن يهدد بها من يشاء، لأنه لا يريد قطع شعرة معاوية مع السلطة من جهة، ومن جهة أخرى يستخدم مفهومه لفكرة الشارع لكي يحبس أي اندفاع عاطفي لدى الأحزاب الأخرى في تعاطيها مع قضايا الشارع، فالإصلاح يدرك حجم شارعه الفعلي قياساً بالأحزاب الأخرى، فيستطيع تحريك الشارع من سدة المآذن، والجوامع والبرلمان، وإخراج آلاف طالبات جامعة الإيمان لتنفيذ إرادته وقناعاته الفكرية، ضارباً عرض الحائط بالأحزاب اليسارية الأخرى المنضوية تحت مظلة اللقاء الذي لم يعد مشتركاً في رأيي، ومن جهة ثالثة، وكما حدث في مظاهرة تعز الحزينة، لم يحرك الإصلاح لا نساءه ولا كل ملتحيه للتعبير عن مطالب الشارع التعزي البائس. ومن هنا تبقى فكرة الإصلاح عن اللجوء إلى الشارع، فكرة انتهازية، نفعية، ترتكز على الفهم الضيق لمصالحه وأجندته السياسية.
حاول هذا الحزب الديني تجميل وجهه، ربما حتى يتماشى مع الأحزاب اليسارية في المشترك، ووفقاً للعولمة الدينية الجديدة، ولمواكبة الواقع المتغير، قام بفرز قيادات سياسية من الجيل الثالث تدعي قليلاً من الانفتاح، ويلبس قادتها البناطيل الجينز، والكرفتات، ويتحدثون في كل المواضيع الحقوقية والمطلبية وفق خطابهم النفعي الديني الذي يحاول بكل قوة الاستفادة من المعطيات الجديدة. وستجد ذلك في صحفهم، وقناتهم “سهيلـ” التي تثير الرعب في قالبها الفكري الجامد، وتباهيها بالدين الإصلاحي الجديد المنقذ للبلاد من خرابها، سيناصرون حقوق المرأة -وهذه ازدواجية غريبة كونها لا تنسجم مع مواقفهم الحقيقية- وفي حقها في الترشح والانتخاب -وهذه مزايدة أخرى باعتبار أن هذا الحزب كان وراء عرقلة القوانين التي تهدف لضمان حق المرأة السياسي- وطبعاً ربما ستفزع مثلي إن رأيت جهودهم الحثيثة في تجميل حلتهم الجديدة، فالقيادات النسوية الإصلاحيات الشابات لم يعدن مجلببات كما كنا نظن، بل ستشاهد مثلي بعض أخواتنا في الله كاشفات الوجه، ويدخلن الشات، والفيس بوك، ويسافرن من دولة إلى أخرى بدون محرم (تصوروا!) داعيات إسلاميات للدين الإصلاحي الجديد كما قالت إحداهن. والتغيير للأسف فقط في الصورة الإصلاحية الجديدة. أما الفكر الذي تنبع منه هذه الصورة، فما زال هو الحزب الديني التقليدي الرجعي الذي يقف ضد كل محاولات تطوير وتنمية المجتمع اليمني.
وفي رأيي فإن كل العمليات التجميلية التي أجراها حزب الإصلاح على كوادره، وخطاباته على مدى السنوات الأخيرة، لم تستطع إخفاء التشوهات العميقة في الوجه والذاكرة، والروح لهذا الحزب الذي لا يختلف في قضاياه، وعقائده، وأفكاره، وآلياته، عن الإخوان المسلمين في مصر أو في الأردن، أو لدى الإخوة في حماس.
الصورة الإصلاحية الجديدة، وإن مططناها قليلاً لتتوافق مع منطقنا البسيط، لنحاول أن نقبل هؤلاء الإسلاميين المتأنقين الجدد، فإن هذه الصورة ستسقط، لأن فكر هؤلاء يظل كما هو الفكر الإصلاحي الجامد، ومع كل قضية اجتماعية مصيرية أو سياسية طارئة، يظهر الوجه المتخفي، التكفيري، القبلي المتماهي مع السلطة، الديني، القمعي، الإقصائي، الذي لا يعترف بحرية الآخر في الفكر، أو في الكتابة، بل يعود بنا أمثال هؤلاء إلى عصور الظلام ومحاكم التفتيش، القتل والخوزقة، وتفعيل السنة بالزواج من الأمهات الصغيرات، وهناك مؤشرات دقيقة تؤكد هذا الطرح، الأمر الذي يثير الإرباك لدى أي محلل محايد، فلماذا لا يعود أمثال هؤلاء الملتحين الجدد إلى جبهتهم الحقيقية، صورتهم التي ألفناها عنهم؟ هل هذا من أجل الوصول إلى سدة الحكم، أو لإقناعنا بأنهم معارضة قوية ويمتلكون الشارع اليمني، الذي يكفيه إشارة من أحقر لحية فيهم لتخرج نساؤهم ورجالهم للمطالبة برفض تحديد سن تزويج الصغيرات؟
لم تكتفِ سياسة الإصلاح من إدهاشي، ولأعترف من إرباكي لوقت طويل، فما بين الصورة التي يسعى جاهداً لتلميعها في صحفهم ووسائلهم الإعلامية، وما بين سياستهم العقائدية المتحذلقة، التي تبنت في مراحل تاريخية مختلفة، ومازالت، مواقف محرضة تجاه حرية الفكر والتعبير، وهنا ومن سدة البرلمان يتزعم هذا الحزب من خلال قيادته حملة تكفيرية شرسة وفتاوى جديدة ضد الزميل معاذ الأشهبي، وأدت هذه الحملة الإصلاحية إلى سجنه. ومرة أخرى.. شنت القوة الإصلاحية، ومن سدة البرلمان، حملة على صحيفة الثقافية، وعلى الكاتب حميد عقبي، وهنا تبرز الصورة الحقيقية لهذا الحزب الديني المتخلف القامع الذي يسعى لإعادتنا إلى الحقب المظلمة، بل والمؤسف أنه تحول في غضون هذه السنوات إلى دور رقابي على الأخلاق والقيم والأفكار، متجاهلاً الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة والداخلة ضمن هذه المظلة البالية التي لا تستقيم هذه الأطروحات مع أفكارها.
هناك أخطاء إستراتيجية قاتلة، لا يمكن أن تُغتفر، لأنها تضر بمصلحة المواطن البسيط، وفي حقه في العيش الكريم، والتعبير عن رأيه بحرية، وحقه أيضاً في مواطنة متحررة من العقد الدينية، والأفكار القروسطية المتحجرة، ومن هذه الأخطاء في رأيي استمرار تحالف الحزب الاشتراكي، وغيره من الأحزاب اليسارية الأخرى مع حزب كالإصلاح له أجندته السياسية ومعتقداته الفكرية والاجتماعية الخاصة التي ترتكز على تحالف الدين والقبيلة.
ما طرحته سابقاً أمثلة بسيطة لهشاشة تحالف المشترك، لكنه أبداً ليس مدخلاً لسوء الفهم، وأعتقد أنه يستحق من الأحزاب المنضوية تحت هذه المظلة، بعد سنوات طويلة من الزواج القسري، أن يجيب على هذا التساؤل البسيط: هل حقق المشترك انتصاراً سياسياً يستحق الصبر على ممارسات حزب الإصلاح المنافية للقيم المدنية؟ وماذا عن تعطيله لمفهوم الفكرة التي نشأ من أجلها المشترك؟ وحتى لا تفقد هذه الأحزاب ما تبقى من ماء وجهها، عليها مكاشفة نفسها أولاً وتقييم تجربتها السياسية، لأننا كشارع مقهور لا ناقة له ولا جمل بهذا الوطن، وكجمهور متفرج وصامت، لم نعد نرغب بالفرجة أو التصفيق لهذا الرقص السياسي “الشرقي” الرديء جداً.