بمناسبة “المؤتمر” الماضي

بمناسبة “المؤتمر” الماضي

* منصور هائل
اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين فعل ماضٍ ناقص، ولو كان سيعقد مؤتمره العام في الشهر القادم، فذلك لا يعني، بالضرورة، أنه سيكف عن الإفراط في النقصان!
وبمناسبة المؤتمر القادم سوف يرتد أعضاء الاتحاد إلى المؤتمر الذي كان، وإلى سوابق شتى محفزة لغرائز الثأر والعدوان والانتقام.
وكما في كل مرة..
تستعاد السجالات والمشاحنات القديمة والعقيمة، ويتبادلون الضربات العنيفة الصاعقة والمكتومة بأعنف وأحط مما كان عليه الأمر في المؤتمر السابق.
وإلى أن يصلوا إلى التوافق على قائمة بموجب منطق السردية القيامية المتبعة، يتلازم الاعتصام بالشلة مع تذرر وتشرذم الأعضاء إلى جماعات متناثرة متناحرة يبرز فيها من يحسن التكتيل والكولسة والمناورة، ومن يحسن ترسيم الحدود بين التكتيك والاستراتيجية ويطمسها إن اقتضى الأمر، ومن يجيد حبك المؤامرة، ومن يتحين اللحظة المواتية للقفز إلى الناحية الأخرى، ومن يبرع في تنويم القائمين على القوائم.
ويتحرك عضو الاتحاد هذا في مسرح ضمني يكون فيه كل شيء دون أن يخطر على باله أنه لعبة.
***
وما كان لنا أن نتجرأ على البوح بهذه الهواجس إلا بدافع من الرغبة في مناوشة المعطيات والوقائع العنيدة الشاهدة على أن اتحاد الأدباء والكتاب ينشغل حتى اللحظة بسؤال إعادة تعريف ذاته بقصد الخروج من دائرة التخبط في العتبة المشرعة على الهاوية المرعبة.
ولأني لا أنتمي إلى فصيلة الطيور الأسطورية التي تدفن أسرارها في قلب البراكين، فقد وجدتني أتلظى في النقطة الفاصلة بين جيلين -إن جاز القول- يتلابسان الغبش ويتشابكان بلا قواعد، فقد استجبت لتداعي تيار الذكريات الذي شدني لإجالة النظر في معنى تهاوي الأحلام، والتحديق في صور الأسلاف (المؤسسين) المأخوذين بالنهايات والأقاصي، الحالمين بغد أكثر إنسانية وأقل ويلاً، وحياة أخف ة
وأمعنت في معنى أن تصبح الأفكار العظيمة يتيمة، وفي ويلات التاريخ ومكائده ومكره، وفي غير ذلك من الخواطر المتصلة بمؤتمر الاتحاد الذي ينعقد والبلاد تتوغل في الانحطاط، والمشهد يتناثر إلى مزق وشظايا وغبار مرعب وتفاهة حاضرة بإلحاح ذباب الصيف، وصناعة خراب تزدهر، ودم مراق في الكثير من الأنحاء والزوايا، وخذلان وانهيار وخسارة وارتباك في خرائط الوعي، وتسليم تراجيدي بالاندماج في جماعة، وقرف من تحول الشأن العام إلى “غنيمة”.
وليس في الوقت متسع للتباهي بمعاصرة بعض الأفذاذ المعصومين والأتقياء والمستقيمين الأطهار، فقد ولى ذلك الزمن، وليس بمقدورنا معاودة حسن الظن بالآمال الكبيرة، لأن بؤس الأحوال يدعونا إلى أن نمني النفس بالمتع الصغيرة، ونحلم بـ”مؤتمر” لاتحاد أدباء وكتاب يعيد الاعتبار للكتابة وأسئلتها، ويحتفي بكتابة الاختلاف والانشقاق، وبالكتابة على اعتبار أنها مجرد لعب، وأنها محاولة لإسناد وجودنا الهش وإنقاذنا، ولتهجي الكون وفضح الأصنام وتدجين الموت وممارسة فعل الوجود.
وفي السياق، يمكن لـ”الجيل الجديد” أن يأتي من هذا الباب الذي يمكن أن ينفتح أمامه ليمكنه من بلورة استراتيجيات انتقادية لاستراتيجيات الهيمنة التي تستخدمها الأجيال السابقة، وتمكنه من النظر إلى ما يجب أن يكون، ومن التحدث بلغة أكثر تقنية وانشقاقية وحالمة ومنتفضة على هيمنة الشخصية النموذج، و”الكاريزما”، وعلى الهالة القدسية للرموز والأشخاص والمؤسسات، وعلى القيادات والمشروعيات التاريخية والنرجسيات الجماعية (الوطنية) الصاهرة للأفراد، وعلى كل ما يحول دون انفجار طاقة الإبداع الفعالة في مواجهة العدم، ودون الترحال في فجوات الأمكنة والأزمنة والتفاعل مع الكلمات المأهولة باللهب بصلاحية يستفيد منها عابر سبيل مؤهل لخروج ناعم عن شرنقة التجييل.