صحوة ضمير ضد الفساد أم مقدمة لخصخصة المصافي؟

صحوة ضمير ضد الفساد أم مقدمة لخصخصة المصافي؟

إحالة إدارة شركة مصافي عدن لنيابة الأموال العامة
* عدن – فؤاد مسعد
قبل أسبوعين بدأت نيابة الأموال العامة بعدن التحقيق مع فتحي سالم المدير السابق لمصافي عدن، ونائبه محمد قليقل، ومحمد البكري كبير المحاسبين بالمصافي، على خلفية اتهامهم بقضايا فساد أحالتها هيئة مكافحة الفساد للنائب العام، وكانت الاتهامات قد تضمنت استيراد شحنة من البنزين قالت الهيئة إنه ملوث بمادة الاكسجينت السامة، وهو ما أدى بحسب الهيئة ذاتها لإحداث تلوث، إضافة لاتهام إدارة المصافي بأنها كبدت الخزينة العامة للدولة ما يزيد عن ملياري ريال.
محمد المسيبلي رئيس نقابة عمال المصافي، قال لـ”النداء” إن النقابة تقف ضد أية محاولة لاستهداف المصافي كشركة وطنية، وكشف عما أسماها بالهجمات التي قال إنها بدأت بمحاولة أخذ ميناء الزيت من شركة مصافي عدن وتسليمه إلى هيئة موانئ عدن منذ فترة، إلا أن هذا الإجراء تم إيقافه مؤخرا، حسب قوله.
وأكد المسيبلي أن النقابة يهمها مصلحة الموظفين والعمال في المصافي. وبخصوص كمية البنزين المستوردة قال إن القضية منظورة في المحكمة، وأعرب عن ثقته بكفاءة القضاء ونزاهته.
وكانت هيئة مكافحة الفساد اتهمت إدارة شركة مصافي عدن ببيع بنزين ملوث في مايو الماضي، وقالت إنه تسبب في أضرار صحية وبيئية على المياه الجوفية. وأكدت الهيئة في تقريرها الذي أصدرته أواخر العام الفائت، أنها قامت بأخذ عينات من البنزين المستورد وما خلط منه مع الناتج المحلي بغرض فحص تلك العينات، وشكلت فريقا مشتركا من (الهيئة، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وجهاز الأمن القومي! ومصافي مأرب) للتحري وجمع الوثائق المتعلقة بتلوث شحنة البنزين القادمة من مصافي عدن إلى منشأة النفط في الحديدة، بسبب احتوائها على مادة سوداء اللون مخلوطة مع البنزين، ستؤثر على محركات السيارات وخزانات الوقود، تتسبب في تآكل خزانات المنشآت كونها شديدة التفاعل مع الماء، حسب تقرير الهيئة الذي قال إن تحريات الفريق كشفت عن تلقي منشآت شركة النفط اليمنية في الحديدة والمخا بمحافظة تعز ومحافظة عدن ومحافظة ذمار والمكلا، كميات من مادة البنزين الملوث، وإثر ذلك تم رفض الشحنة التي جزمت الهيئة وفريق التحري بتلوثها.
الفريق المذكور واصل عمله بحثا عن أسباب التلوث، وأوصلته التحريات إلى أن سبب التلوث ناجم عن المصفاة (مصافي عدن) رغم إشارته لتبادل الاتهامات بين المصافي وفرع شركة النفط بعدن.
التقرير اعترف بأن البنزين المستورد عالي الجودة، ومادة الاكسيجينيت التي تحتوي عليها الكمية تستخدم في الصناعات النفطية لتحسين ورفع خصائص الوقود، إلا أن مشكلة وجود الماء في خزانات شركة النفط (وليس المصافي) كان هو السبب في التلوث، الذي قال التقرير إنه ناجم عن اختلاط الماء بمادة البنزين التي تحتوي على مادة الأكسجينيت.
وأكد التقرير أن شركة مصافي عدن استوردت هذه الشحنة واستخدمتها رغم علمها المسبق بخطورتها وعدم صلاحية استخدامها في اليمن (كانت المشكلة فقط في اختلاط الماء بالبنزين، أما الآن فالكمية بالكامل لا تصلح للاستخدام!). وأضاف التقرير أن المصفاة استوردتها لأول مرة ولم يسبق أن تعاملت معها من قبل، أو سبق أن أجريت حولها دراسات فنية يعتمد عليها كأساس للاستيراد.
الهيئة في تقريرها أشارت إلى أن الوثائق الأولية التي حصلت عليها تؤكد أن شركة النفط التي استلمت من المصافي كمية البنزين تكبدت خسارة تزيد عن 380 مليون ريال، ناهيك عن كثير من الأضرار الصحية والبيئية التي لم يغفلها الفريق المكلف بالبحث والتحري، وأوضح أن جزءا واحدا من المادة يلوث 20 مليار جزء من الماء، ويجعل رائحته منفرة وغير صالحة للشرب.
وفي ما يتعلق بالأضرار الصحية فقد ذكر التقرير أن مادة البنزين الملوثة تسببت في حالات غثيان وتقيؤ وحالات أرق وضيق تنفس وتحسس جلدي وسقوط أحد العمال من أعلى القاطرة أثناء معالجتها، وإصابة عامل آخر يعمل في التعبئة بالتشنج وصعوبة التنفس، كما سجل الفريق حالات نفوق لعدد من الحيوانات، كانت قريبة من المواد الملوثة بعد المعالجة.
حينها وجهت الهيئة رسالة للنائب العام كشفت فيها عن تورط إدارة مصافي عدن بعملية استيراد البنزين الفاسد، وطالبت بتحميل إدارة المصفاة مسؤولية تكبد خزينة الدولة مليارين و600 مليون ريال، ما يعادل 13 مليون دولار. وتضمنت الرسالة اتهام المدير ونائبه ومديري المصفاة والحسابات والإنتاج ونائب مدير الإنتاج.
وبالنظر إلى التحديات التي واجهتها مصافي عدن في السنوات الأخيرة، فلم يكن تقرير هيئة الفساد هو الأول الذي يتهم إدارة المصافي، حيث كان قد سبقته اتهامات مماثلة من تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، خصوصا في الأعوام (2002 – 2006)، وتلاه نزول لجنة النفط والمعادن البرلمانية، التي فتحت النار أواخر العام قبل الماضي على إدارة المصافي، غير أن تشكل ردة فعل مضادة وقفت حائلا دون تحقيق أهداف اللجنة البرلمانية، وتمثلت أبرز ردود الفعل تلك في إثارة المخاوف من أن تكون تلك الحملة التي وصفوها بـ”الحرب على المصافي”، مقدمة لخصخصتها أسوة بعشرات الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي انتهى أمرها إلى البيع والتصفية والخصخصة، وهذا ما أشارت إليه إدارة المصافي تلميحا وتصريحا، سيما حينما كانت الحملة الإعلامية تشتد وطأتها على الإدارة التي وجدت نفسها محاطة بحملة إعلامية بدأت بتقارير جهاز الرقابة ولا يبدو أنها ستنتهي في نيابة الأموال العامة، إذ يرى مراقبون أن مراكز صناعة القرار ضاقت ذرعا بإدارة المصافي وقررت التخلص منها بدءا بإيقاف المدير وإحالته مع كبار معاونيه إلى النيابة.
المدير السابق والمحال للنيابة كشف للرأي العام عن نوايا لخصخصة المصفاة، بينما يرى آخرون أن إدارة المذكور تتحمل المسؤولية لكونها مهدت الطريق للساعين لخصخصة المصافي من خلال قضايا الفساد التي أدانته بها تقارير البرلمان والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وأخيرا هيئة مكافحة الفساد.
وذكرت لـ”النداء” مصادر محلية في عدن أن فساد إدارة المصافي هو المبرر الذي يسعى من خلاله نافذون لتصفية الشركة. وقالت المصادر إن إدارة المصافي كانت تمارس تلك المخالفات برضا مراكز عليا في السلطة، وإن المحاكمة مجرد تمثيلية.
يذكر أن لجنة النفط بمجلس النواب كانت قد خلصت في تقرير أصدرته في يوليو 2008، إلى وجود سوء إدارة وتشغيل للمصافي، ودعت لإزالة الاختلالات التي قالت التقارير إنها موجودة في عملية استيراد وتصدير المشتقات النفطية، ووجود مخالفات في عملية نقلها سواء المستوردة منها أو المنقولة بحراً من مصافي عدن إلى منشآت شركة النفط اليمنية.
التقرير تحدث عن تساهل كبير في تطبيق القوانين الضريبية من قبل شركة مصافي عدن والجهات المعنية الأخرى لتحصيل أموال الدولة، وأشار إلى وجود مخالفات وصفها بالجسيمة في الأنشطة المختلفة للشركة والمتعاملين معها، كما تضمن الإشارة لتجاوزات ومخالفات مالية كبيرة في حسابات المصافي، أوردتها تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة التي استندت إليها اللجنة البرلمانية.
التقرير البرلماني أشار إلى أن المصافي قامت في 2006 ببيع نفط خام لشركات أجنبية بالسعر المخفض وبدون الاستفادة من هامش التخفيض الذي بلغ 16.5 مليون دولار استفادت منه الشركات الأجنبية، إضافة إلى أن مصافي عدن -بحسب التقرير- تتسلم كميات الديزل المستوردة في ميناء عدن ثم تقوم بشحنها مرة أخرى على حسابها إلى ميناء الحديدة بحراً، مما يضيف تكاليف نقل إضافية بدلاً من استيراد الديزل مباشرة إلى ميناءي الحديدة والمكلا. إضافة لوجود احتكار لعمليات نقل النفط الخام والمشتقات من قبل متعهد واحد فقط، حيث بلغت أجور النقل وحدها 36.5 مليون دولار خلال عامي 2005 و2006 فقط.
التقرير الذي قوبل بانتقاد من بعض النواب طالب بالشروع في إجراءات صيانة وتحديث المصفاة لتواكب التكنولوجيا الحديثة ولزيادة الإنتاج وتقليل نسب الفاقد غير العادية، ولتمكين المصفاة من تكرير جميع أنواع النفط، وهذه التوصية لم تجد طريقها للتنفيذ، حيث قالت لـ”النداء” مصادر في المصافي إن الحكومة أقرت خفض الإنتاج وعدم تحديث المصافي. وأشارت المصادر إلى أن مجلس الوزراء رفض العروض المقدمة من شركة صينية كانت ستتولى القيام بتحديث المصفاة بقروض ميسرة وبدون فوائد، وقبلت الحكومة -حسب المصادر ذاتها- بعروض أخرى لتحديث مصفاة صافر رغم قروضها التي قالت المصادر إنها مجحفة.
أما التوصية الثانية للجنة البرلمانية فتمثلت في المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق تكلف بدراسة المخالفات والتجاوزات المالية.
فيما يبدو أن النائب إنصاف مايو كان أكثر الأعضاء تفاعلا مع التقرير، حيث شكك أثناء عرض التقرير على المجلس في المعلومات والأرقام الواردة في التقرير الذي عاب عليه نقل كثير من فقرات تقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وعدم التدقيق في تلك الأرقام، وحينها انضم إلى جانب إنصاف عدد من النواب في التحذير من خصخصة المصافي، ويومها نفى وزير النفط والثروات المعدنية أمير العيدروس أن تكون هناك نية لوجود توجه نحو خصخصة أو بيع مصافي عدن، وطمأن النواب قائلا: إن الحفاظ على المصافي وتطويرها ضمن أجندة الوزارة كونها منشأة إستراتيجية وحيوية وهامة.
إنصاف مايو الذي تنبه لوجود فوارق بين الأنظمة المحاسبية التي تتعامل بها إدارة المصافي من جهة، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة من جهة أخرى، كان قد طالب بتشكيل لجنة مشتركة من لجنتي المالية والنفط لإعادة فحص التقرير وتقديم رأي محاسبي متخصص ووضع توصيات دقيقة وشفافة من شأنها وضع حد للإختلالات الموجودة في المصافي وتطويرها.
وانتقد النائب عيدروس النقيب الربط بين المؤسسة وبين فساد الإدارة، مؤكدا وقوفه إلى جانب محاسبة إدارة المؤسسة على أي تقصير أو تسيب. وقال: إن ما تعانيه الشركة هو بسبب سوء الإدارة وفسادها الذي هو جزء من الفساد العام الموجود في البلاد. وأضاف: الأفضل هو (الحديث عن) فشل الإدارة وليس الشركة.
ومطلع مارس الماضي صدر قرار جمهوري بتعيين نجيب منصور العوج مديرا عاما تنفيذيا لشركة مصافي عدن، خلفا لفتحي سالم الذي حملته التقارير مسؤولية الاختلالات الموجودة في المصافي. وفي حين أحالت هيئة الفساد القضية إلى النائب العام فإن وسائل إعلام رسمية تناقلت قبل شهر تقريبا خبرا مفاده صدور توجيهات من رئيس مجلس الوزراء تقضي بإغلاق الملف المرفوع ضد مصافي عدن بعد الاطلاع على تقرير شركة انترتك الفاحصة، التي كلفتها الحكومة بفحص الشحنة (كمية البنزين التي تحاكم بسببها إدارة المصافي)، والتي أكدت سلامتها.
وخلص التقرير الذي أشارت إليه الحكومة إلى أن الوقود المستورد مطابق للمواصفات العالمية القياسية المتعارف عليها للنفط الذي يستخدم وقوداً.
ومعلوم أن وسائل إعلام محلية كانت العام الماضي باشرت نقدا لاذعا لإدارة المصافي، بالاستناد إلى تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة التي احتفت بها لجنة النفط البرلمانية في العام قبل الماضي، وهو ما أدى لأن تتصدر شركة مصافي عدن الجهات الأكثر اتهاما بالفساد بالنظر إلى الأرقام الهائلة التي سجلتها التقارير الرسمية كمخالفات مالية كبيرة حسب التقرير السنوي الذي أصدرته مطلع العام لجنة صحفيون لمواجهة الفساد، والذي سارع المكتب الإعلامي للشركة لإصدار بيان لتكذيبه، جاء فيه: “4 مليارات دولار مبلغ خيالي وليس معقولا أن يكون حجم الفساد في المصفاة أكبر من ميزانية الدولة، مع العلم أن ميزانية المصفاة للأعوام الماضية لم تصل إلى الحدود الدنيا لهذه المبالغ التي ذكرت في التقرير، وكذلك ميزانية الدولة للعام السابق مع الاعتمادات الإضافية كانت في حدود 5 مليارات دولار”. وتساءل البيان: فمن أين جاء هذا المبلغ؟”.
وكانت نقابة عمال المصافي دانت ما وصفتها بحملات الاستهداف، وقالت في بيانها: “نراقب عن كثب الهجمات المتكررة على الصرح الوطني شركة مصافي عدن التي تحاول تجزئتها ومن ثم خصخصة ما تبقى منها”. مضيفاً: “إننا كنقابة لن نقف مكتوفي الأيدي، ونطالب الحكومة بإلغاء قرار تسليم الميناء والحفاظ على كوادر المصفاة ودعم المصفاة وتطويرها وتحديثها لما تمثله من أهمية إستراتيجية وسيادية للوطن”.
وأضاف البيان مخاطبا العمال: “إننا نعدكم بأننا لن نسمح بالمساس بالمصفاة أو أي جزء منها مهما كان، حيث إن أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عامل وأسرهم معلق مصيرهم بهذا الصرح الوطني، والذي يقوم برفد الدولة بعائدات مالية كبيرة، وسوف نتخذ الإجراءات التي كفلها لنا الدستور والقانون للدفاع عن حقوقنا وحقوق أسرنا وعن هذا الصرح الوطني، وفي حالة المساس بالمصفاة فإننا نحمل الحكومة مسؤولية ما قد يترتب على ذلك من إجراءات نقابية تكفل حقوقنا”.