“لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد” (ق: 37)

“لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد” (ق: 37)

كفانا ما لقينا من تكرمهم المُقرِف
* ميفع عبدالرحمن
آخر من كنت أتوقع أن يتكرم على الأدباء والكتاب اليمنيين، متلطياً باتحادهم، هو السيد عبد ربه منصور (المعروف بصفة “نائب رئيس الجمهورية”، وهو غير منتخب لهذا المنصب. كما إنه -على حد علمي- لم يصدر ما يضفي الشرعية على صفته الرسمية هذه)، ربما لأنه لا يمت -إلا بروتوكولياً أو باروكياً- بصلة قربى مؤكدة إلى السلطة الانفصالية الوحشية الحاكمة، وهو يشعر في أعماقه بأنه ليس أكثر من عود ريحان (جنوبي) يتشقر به رأس هذه السلطة.. فما إن يذوي العود أو تذهب رائحته الطيبة، سيرمى ويتشقر بغيره من رياحين الجنوب.
* * *
قبل عدة أيام من الأسبوع الفائت، هاتفني زميل عزيز فور سماعه الخبر من فضائية عدن “يمانية” عما عده بعض الصحف الرسمية -نهاية الأسبوع- لقاءً للسيد عبد ربه منصور بالزميلة الأديبة الشاعرة، الأستاذة هدى أبلان. سنعود إليه بعد الوقفة القصيرة -أدناه- في حضرة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الذي يمضي -هذه الأيام- في خطوات حثيثة ومنتظمة نحو عقد مؤتمره العام العاشر (مؤتمر الفقيد الدكتور عبدالرحمن عبدالله إبراهيم)، في عدن، خلال أيام السبت 8 -الثلاثاء 11 مايو القادم. ومعلوم أن هذا اليوم –الثلاثاء 11 مايو 2010 سيصادف الذكرى الأربعين لانطلاق عملية التأسيس المكين للاتحاد.
* * *
في الكتاب (الأزرق)، الصادر أواخر العام 1981، عن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، بعنوان “عشر سنوات من النضالـ”، يرد (تقرير من اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأول للأدباء والكتاب اليمنيين)، ص10 – 12، نقرأ في الفقرة 4 منه : ص11 ما يأتي: “وقد بدأت اللجنة التحضيرية أول اجتماعاتها (انتباه!) يوم 11/5/1970 ووضعت جدول أعماله… الخ”، وكان من 10 نقاط: تبدأ بتسمية وشعار المؤتمر، ففكرة تكوين اتحاد عام للأدباء والكتاب اليمنيين، ثم الأسماء المطلوب حضورها المؤتمر وموعد انعقاده.
جرى ذلك في عدن. وقد قدم للكتاب فقيد الوطن الكبير، الأديب الشاعر والكاتب الناقد والصحافي الألمعي والألمع، المناضل السياسي الفذ، الحادي والقائد اليمني الخالد عمر الجاوي -رحمه الله- قائلاً في تقديمه للكتاب إنه:
“جزء من وثائق اتحادنا هذا الذي ننشره اليوم ونريد بذلك أن نحيي مؤتمر ومهرجان شعر اتحاد الأدباء والكتاب العرب الذي سينعقد في بلادنا 25/11/1981، ولنا أمل أن يُقرأ هذا الجهد.
أما ما نريد أن نقوله لاتحادنا.. هو نفس الكلام الذي قاله محمد محمود الزبيري لشعبنا:
أيها البائسُ الخميصُ متى تنهضُ من كبوة الشقاء المديدِ
قد غزوناك من دماء البهاليل ومن أكبر الملوك الصِّيدِ
فلماذا تراك تضوي كما كنت فهل أنت طامعٌ في المزيدِ؟” (ص5).
* * *
في هذا المقام الرفيع، لابد لنا من ذكر أسماء تلك الكوكبة الباهرة من الأدباء والكتاب اليمنيين الذين تشكلت منهم اللجنة التحضيرية الرائدة، وهم: عبدالله البردوني، محمد علي الأكوع، محمد عبدالواسع حميد، محمد عبدالولي، علي بن علي صبرة، أحمد قاسم دماج، علي باذيب، سالم زين، أحمد سعيد باخبيرة، محمد سعيد جرادة، محمد ناصر محمد، وعبدالله عبدالكريم الملاحي.
* * *
يُقال: “رب ضارة نافعة”.
أما “الضارة” هنا، وفي سياق وقفتنا القصيرة هذه في حضرة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، فهي مخالفة الأمانة العامة والمجلس التنفيذي للنظام الأساس للاتحاد، والقاضي بأن: “ينعقد المؤتمر العام مرة كل ثلاث سنوات (انتباه!) لانتخاب المجلس التنفيذي ومناقشة تقرير المجلس حول أعمال الاتحاد” (البند 3: المادة العاشرة المؤتمر العام: الباب الرابع /الهيكل التنظيمي: النظام الأساس).
وبموجبه، كان لزاماً انعقاد المؤتمر العام العاشر -تجاوزاً- قبل عامين بالضبط، أي في مايو 2008، لأن المؤتمر العام السابق انعقد خلال 28 – 31 مايو 2005، لكن للأسف الشديد ها هما عامان آخران يضيعان من حياة الاتحاد، إذ نأخذ في الحسبان أن المؤتمرات العامة الثلاثة الأخيرة: السابع – 1997، الثامن – 2001 والتاسع – 2005، قد أضاعت 3 أعوام سلفت، والسبب ضعف احترام النظام الأساس للاتحاد، الذي في ضوء هيبته كان يجب عقد تلك المؤتمرات العامة الثلاثة وما بعدها، على هذا النحو الزمني: السابع – 1996، الثامن – 1999، التاسع – 2002، العاشر – 2005، الحادي عشر – 2008، والثاني عشر – 2011 القادم، ما يعني أن هيئات الاتحاد منذ العام 1996، وبسبب ضعف احترامها للنظام الأساس ولنفسها أيضاً، أهدرت 5 أعوام ومؤتمرين عامين من تاريخ الاتحاد.
* * *
غير أن الجزء الأكبر -للأمانة والتاريخ- من مسؤولية ذلك الإهدار -وخزيه على وجه الخصوص- إنما يتحمله نظام الفساد السائد وسلطته الوحشية الحاكمة التي لا يكتشف مسؤولوها عن الشؤون (الاجتماعية) –الحكومية- ما عندهم من مخزون الحمية القانونية والحرص على شرعية منظمات المجتمع المدني، إلا حين تقع أصابع الرفض أو الاحتجاج أو حتى النقد، لاسيما إذا كان موضوعياً وجاداً، على جرح ناكئ من جروح السلطة المتقيحة، وفي ما عدا ذلك، فإن حميتهم وحرصهم يظلان مطمورين تحت ركام المصالح الذاتية، يغطان في سبات عميق.
وإلا أين كانت تلك الشؤون (الاجتماعية) طيلة الأعوام الثلاثة عشر الفارطة: 1996 – 2009، من واقع الشرعية المنقوصة في هيئات الاتحاد كافة: سكرتاريات الفروع، الأمانة العامة، المجلس التنفيذي والمؤتمرات العامة، منذ انتهاء الفترة النظامية لشرعية الهيئات التي ترتبت على انعقاد المؤتمر العام السادس (صنعاء: 27 – 30 نوفمبر 1993)؟!
* * *
الحقيقة أن هذا الوضع الذي لا يليق باتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين -اتحاد عبدالله البردوني، عبدالله فاضل فارع، عمر الجاوي، محمد علي الربادي، يوسف الشحاري، الدكتور عبدالرحمن عبدالله إبراهيم، القرشي عبدالرحيم سلام، محمد حسين هيثم، وعبدالرحمن الأهدل، وغيرهم كثير من الأدباء والكتاب اليمنيين الراحلين الخالدين والأحياء العظماء- لا يعدو هذا الوضع أن يكون سوى قبضة من رماد الحرب المفتوحة على الوطن اليمني كله، عبر الحرب التي تشنها السلطة الانفصالية الوحشية -منذ صيف 1994- على الجنوب بالذات، بكل ثرواته: أهله، أرضه، مائه، هوائه، ثقافته، تاريخه، آثاره، معالمه الحضارية -القديمة والحديثة- ورموز مقاومته /انتفاضاته وثوراته ضد أي احتلال واستبداد وطغيان.
فبهذه الحرب المفتوحة، لم تنقضّ السلطة الحاكمة على الوحدة اليمنية -بين جنوب اليمن وشمالها- فحسب، بل كذلك على الوحدة الوطنية -بين أهل الوطن الواحد- وعلى أمنهم وأمانهم واستقرارهم. لأنه لا شغل لهذه السلطة الوحشية -في الأصل- إلا التمزيق والتدمير، أو إعادة تمزيق وتدمير ما قد مزقت ودمرت.. لكن إلى أجل محتوم -يقيناً- وقريب بإذن الله.. فغضب الجماهير على أبواب هذه السلطة، يدقها. إما يفتحها، وإما يدكها.
* * *
ونعود الآن إلى ما كان نافعاً في ضرر التأخير غير المشروع للمؤتمر العام العاشر مدة عامين تامين. أقصد بذلك النافع: تزامن انعقاد هذا المؤتمر العام مع حلول الذكرى الأربعين ليوم 11 مايو 1970 التأسيسي والتاريخي في حياة الاتحاد.
ومن بوابة هذا اليوم، نخرج هنيهة عائدين إلى خبر لقاء السيد عبد ربه منصور بالأستاذة هدى أبلان -الأمينة العامة للاتحاد (مع اللفظين المذكّرين: أمين وعام، يصح دخول تاء التأنيث -أو تاء الجندر- عليهما).
ولهذا اللقاء /الخبر أكثر من مؤشر، ويحمل أكثر من رسالة.
أول مؤشراته يقول -وقوله غير صحيح- بأن “نائب رئيس الجمهورية” -حفظه الله وحماه- كان في نهار الأربعاء الماضي يجلس إلى مكتبه (مقنبراً)، في انتظار وصول الأمينة العامة للاتحاد!
ويقول المؤشران الثاني والثالث -وقولهما غير صحيح أيضاً- بأن “نائب رئيس الجمهورية” يهتم بالأدباء والكتاب اليمنيين ويعتني باتحادهم. واهتمامه وعنايته نابعان من صميم فؤاده ومن تلقاء نفسه.. فلا فضل ولا شأن لأحد فيهما عنده!
برهان انتفاء الصحة عن المؤشرات الثلاثة، أن “نائب رئيس الجمهورية” يريد -أو يُراد له، لا فرق- أن يمارس على الأدباء والكتاب اليمنيين عادة مقيتة، دأبت السلطة الحاكمة على ممارستها عند كل استحقاق انتخابي ذي وزن من العيار الثقيل. تلك هي عادة رشّ رِشا (ج. رشوة) الوعود. لكن غير الضرورية، لأنها تتعلق بحقوق الناس الغائبة وواجبات الدولة الغائبة -كما في حالتنا اليمنية للأسف الشديد! فلو حضرت الدولة وواجباتها، حضرت حقوق الناس، وغابت الوعود.
على أن ذلك الوزن من العيار الثقيل لا تعطيه السلطة الحاكمة -في العادة أيضاً- إلا لاستحقاق انتخابي عام، كالرئاسي أو النيابي أو البلدي من البلديات /المجالس المحلية، كي تتمكن من تزوير إرادة الناخبين، وهي تضع رِجلاً على رِجل!
هكذا، إذن، هو حال السلطة بالنسبة إلينا.. “وكشفت عن ساقيها” (النمل:44)، على الرغم من أن اتحادنا ليس النبي /الملك سليمان -عليه السلام- ولا الحاكمة هي ملكة سبأ، بل لا تشبهها بتاتاً، بل هي على العكس تماماً.
لكن هذه السلطة -شاءت أم لم تشأ من حيث تدري أو لا تدري- اعترفت علناً بأن الاستحقاق الانتخابي لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ذو وزن من العيار الثقيل، وإن جاء الاعتراف ضمنياً -في لقاء “نائب رئيس الجمهورية” بالأمينة العامة للاتحاد- وعلى مضض بإزاحة عبء الاعتراف من على كاهل رئيس الجمهورية إلى كاهل “نائب رئيس الجمهورية” (بين مزدوجين).
وهنا، يتضح البعد الوحيد للقاء -والخبر عنه- في كون انتخاباتنا المقبلة تقلق السلطة الانفصالية الوحشية الحاكمة، تؤرقها وتقض مضجعها!
أو ما سر هذا التذكر الطارئ والذي لا يخلو من لون وطعم ورائحة “الرئاسة”، على مسافة 3 أسابيع فقط من أبواب المؤتمر العام العاشر؟!
أما الرسائل التي يحملها اللقاء وخبره، فكلها مردود عليه، وكلها كذوبٌ ومثقلٌ بالابتزاز، ولا ينم إلا عن إحساس جارف بالعجز والخيبة لدى المرسل.
أولى تلك الرسائل موجهة إلى المؤتمر العام العاشر، فحواها أن عيني السلطة الحاكمة على المؤتمر، وأن الأمينة العامة للاتحاد محل ثقة -ورضا- على أعلى مستويات السلطة. والرسالة الثانية موجهة -استراتيجياً- إلى قيادة الاتحاد، وفحواها أن السلطة بإمكانها إعمال الدس والوقيعة بين هذه القيادة -مستقبلاً- وأعضاء الاتحاد في الفروع، لاسيما في فرع صنعاء. ثالثة تلك الرسائل موجهة -تكتيكياً- إلى قيادة الاتحاد كذلك، وفحواها فحوى الرسالة الثانية في إعمال الدس والوقيعة. لكن هذه المرة داخل القيادة في ما بينها، عشية المؤتمر العام العاشر. آخر تلك الرسائل موجهة -بصورة شخصية- إلى الزميلة العزيزة الأستاذة هدى أبلان، وفحواها المنُّ -مقدماً- على الزميلة هدى، فيما لو تم تجديد الثقة بها في الأمانة العامة للاتحاد، لفترة ثانية.. فما لم تكن منصاعة، فإن السلطة لن ترأف بها وستجعل منها (نصعاً) تطلق نيرانها من خلاله -على الاتحاد كله، وهي -هدى- في المقدمة. لماذا؟
طبعاً، وبكل بساطة، لأن السيد عبد ربه منصور -في أفضل الاحتمالات- طبق عليها قول الشاعر:
“ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له
إياكَ إياكَ أن تبتل بالماءِ”
فالتوجيه بتسليم مبنى دار الخير التاريخي للاتحاد، توجيه غير ذي قيمة ولا معنى. إذ سبقه توجيه من فخامة الرئيس بذاته.. فهل يعقل أن يتم تنفيذ توجيه (الفرع) بعد تجاهل توجيه (الأصل)؟! والتوجيه الآخر -الدعائي- إلى وزارة الخدمة المدنية والتأمينات -في المريخ على ما أظن!- بتوظيف الأدباء -الشباب طبعاً- العاطلين عن العمل، لن يكون ذلك التوجيه سوى مغطس في حمام تركي، لا يقوى على سخونته وبخاره أي مصاب بضيق التنفس.. فكيف إذا كان المصاب امرأة، وعليها مسؤولية أسرة؟!