في السياسة والإعلام والجامعة

في السياسة والإعلام والجامعة

* د. سامي  أمين عطا
1 – السياسة علم إدارة المصالح:
إن علم السياسة هو علم إدارة المصالح؛ فكلما كان هنالك اتزان وانسجام بين المصالح اتسم المجتمع بالاستقرار، فاستقرار مجتمع ما يتناسب طردياً مع السياسات التي تراعي المصالح المتعارضة.
المحزن والمضحك معاً، أن هناك في الآونة الأخيرة من يريد أن يحول السياسة من علم إلى تهريج وانعدام المسؤولية، حيث يجري توصيف وتشخيص حالة الاحتقان وتبريره إلى حد الإملال كالحراك الجنوبي؛ بأنهم قلة فقدت مصالحها بعد الوحدة. ولا يدرك من يدفع هذه المبررات؛ بأنه يدين نفسه قبل كل شيء، لأنه عجز عن إدارة مصالح المجتمع سياسياً. إن إدارة الشأن العام بالفتوة عوضاً عن السياسة، ومحاولة تجريم كل فعل ينهض للدفاع عن مصالحه، واعتبار ذلك مثلبة ينم عن جهل بالإدارة والسياسة معاً. فإذا لم يكن علم السياسة علم إدارة المصالح لحفظ الاستقرار فماذا يكون إذن؟ بالتأكيد هو علم إدارة المصالح لا علم التهريج.
إن التهم التي توزع جزافاً هنا وهناك لا تحل المشكلة بقدر ما تعقدها. كما أن حل المشكلة لا ينبغي أن تكون القوة وسيلته، ولا التنكيل بالخصوم الذين يدافعون عن مصالحهم المشروعة.
هناك دول عديدة عانت مشكلات ولم تذهب إلى ردود الأفعال في حلولها، بل اتجهت إلى ذوي الاختصاص علماء الاجتماع والنفس والمشرعين من أجل البحث في المشكلة وإيجاد الحلول لها. ولنا في أحداث الشغب والفوضى في ضواحي باريس قبل عامين أو يزيد عبرة لذلك. وهذا المثال لا يعني بأية حال من الأحوال أن هناك تطابقاً بين مشكلة باريس والحراك الجنوبي، لكننا نقصد أن دراسة وتفحص أية مشكلة عندما تقوم على العلم لا على التهريج يمكن إيجاد الحلول لها.
إن التنصل أو إنكار وجود مصالح متعارضة ليس من السياسة في شيء، لذلك ينبغي على السياسي أن يواجه مشكلات المجتمع بعقل مفتوح وصبر وتؤدة. فالعناد والكبر يؤدي إلى التهلكة.
2 – احذروا مكارثية اللوزي!
المكارثية ظاهرة أفرزتها الحرب الباردة وما تخللها من تنافس بين معسكرين جاءا نتاج بعد الحرب العالمية الثانية. والميكارثية اتجاه يناصب الديمقراطية العداء. ولقد مارست دور الرقيب لا على ما ينشر، بل على ما نشر، وعاقبت كتاباً وصحافيين وأدباء (شعراء وروائيين) وأساتذة جامعة، ومارست دور المفتش في النوايا، وجرمت عدداً من الأعمال الفكرية والإبداعية، وأولتها بما يجرمها، وناصبت نخبة المجتمع العداء؛ فالكل متهم حتى تثبت براءته. لقد قدمت لجنة ميكارثي عدداً من الأعمال الإبداعية والفكرية إلى محكمة المساءلة، وحرمت عدداً من أساتذة الجامعة من مزاولة مهنة التدريس، وصادرت العديد من المؤلفات من المكتبات العامة والخاصة، وأحرقتها بحجة حماية المجتمع من الأفكار التي تروج للشيوعية. لقد نصبت الميكارثية نفسها حارسة للقيم الرأسمالية، وانتهت إلى ابتزاز المجتمع برمته، ولم يسلم منها الساسة أنفسهم.
الميكارثية لجنة من الفاشلين ناصبت النجاح العداء. وانتهت الميكارثية في عهد ولاية الرئيس جون كيندي بفضيحة، وتمت مُساءلتها في مجلس الشيوخ بفعل جسارة قلة وقفوا ضدها.
للمكارثية صور وأشكال عديدة؛ فهي قد تتجلى بأشخاص كوزير الثقافة والإعلام النازي الهتلري جوبلز صاحب المقولة المشهورة “كلما أسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي”، أو بيريا رئيس المخابرات السوفيتية في عهد ستالين، الذي أمر بإحراق عدد من الأعمال والمؤلفات ونفى أصحابها إلى سيبيريا. أو قد تتجلى بالثورة الثقافية الذي قادها الماويون في الصين.
اليوم هناك من يحاول أن يستنسخ مكارثية جديدة في هذا الزمن المفتوح، وينصب نفسه رقيباً ومفتشاً في السرائر والنوايا. وإذا كانت المكارثية الأصل مبررة تاريخيا، لأنها نتاج حرب باردة دارت رحاها بين قطبين في حالة توجس وخوف من بعضهما بعض، إلاّ أن المكارثية الجديدة بنسختها اللوزية ليست مبررة ولا ينبغي القبول بها؛ لأنها تتعارض مع المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، كما أنها جاءت ضداً على ثورة المعلومات، ولم تحسب الفضاء المفتوح الذي يصعب السيطرة عليه أو توجيهه. كما أن هذه المكارثية المسخ غير مبررة، ولا يمكن القبول بها بعد هذه التجارب الفاشلة لتقييد الحريات، فلنقف جميعاً ضد مكارثية اللوزي قبل أن يقع الفأس في الرأس ولات ساعة ندم.
3 – في ضرورة حفظ شرف الجامعة واستقلالها:
كل أنظمة الاستبداد والطغيان تتشابه، إذ تنبع من أرومة واحدة وفقاً لأبوبكر السقاف. وما من نظام اتسم بتدمير قيم المجتمع النبيلة واستبدلها بقيم التفسخ والرذائل إلاّ ويمكن وسمه بنظام استبدادي.
في عهد النظام الفاشي الإيطالي مثلاً عندما حاول نظام موسوليني السيطرة على الجامعات وتوجيهها وفقاً لقيمه، لم يقف ضد هذه المساعي من بين 1200 أستاذ سوى 12 أستاذاً، يقول المفكر الإيطالي أمبرتو أيكو “صحيح أنهم فقدوا وظائفهم، لكنهم حفظوا شرف الجامعة وقيمها حتى الآن”.
كما وقف الفيلسوف الإسباني ميغال دو أونامونو رئيس جامعة سلمنقة -أعرق الجامعات الإسبانية- ضد السلطة الفاشية بقيادة فرانكو، ففي خطابه الشهير في مدرج جامعة سلمنقة بمناسبة إحياء “عيد العرق” يوم 12 أكتوبر عام 1936، الذي قال فيه: “تتطلعون جميعاً إلى ما سأقوله، وأنتم تعرفونني وتعلمون أنني غير قادر على التزام الصمت. خلال ثلاثة وسبعين عاماً من الحياة لم أتعلم الصمت، واليوم لا أريد تعلمه. الصمت أحياناً يعادل الكذب؛ لأن الصمت في بعض الأحيان علامة رضا. وأنا لا أستطيع البقاء مع وجود تعارض بين قولي وضميري اللذين كانا دائماً في تعايش رائع.
سوف أوجز الكلام، والحقيقة تكون أكثر صدقاً عندما تظهر من دون تجميل وإسهاب مخل. أود التعليق على الخطاب الذي ألقاه الجنرال ميلان أستري -أحد جنرالات الطغمة الفاشية الحاكمة بقيادة فرانكو- الموجود بيننا، وسأتجاهل الإهانات الشخصية عبر هجمة القدح في الباسك والكتالون.
لقد وُلِدتُ في مدينة بيلباو في ظل الحرب الكارلية الثانية، وفي وقت لاحق تعلقت بهذه المدينة سلمنقة، التي أحببتها كثيراً من دون أن أنسى مسقط رأسي. والأسقف -أحب ذلك أم كره- ولد في برشلونة، فهو كتالوني.
ورد كلام عن حرب عالمية دفاعاً عن الحضارة المسيحية. لقد استخدمتُ قبل ذلك مثل هذه اللغة. لكن حربنا اليوم غير حضارية. الانتصار لا يعني الإقناع مع أن الأمر يتمثل فيه أولاً، كما أن الكراهية التي لا تترك مجالاً للرحمة تعجز عن تحقيقه.
كما ورد حديث أيضاً عن الباسك والكتالون ووُصفوا بالمعادين لإسبانيا، ويمكنهم لعدة أسباب أن يقولوا الشيء نفسه عنا نحن. وأمامنا مولانا الأسقف، الكتالوني الأصل، الذي يعلمكم العقيدة المسيحية التي تُصرُّون على تجاهلها. وأنا من أصل باسك، وقضيت عمري أعلمكم اللغة الإسبانية التي تجهلونها”.
مقاطعة أولى: نداءات في القاعة من طرف أنصار الجنرال ميلان أستري: يحيا الموت.
يواصل أونومانو الخطاب قائلاً:
“سمعت الآن صرخة أكِلة الجيف: “يحيا الموت”، التي ترنّ في أذنيّ كالقول: “الموت للحياة”. وأنا الذي قضى حياته في نحت المفارقات التي تغضب كل الذين لا يفهمونها، سأقول لكم بكل ما أمثِّله من مرجعية في هذا الشأن: إنني أجد هذه المفارقة سخيفة. وبما أنها موجّهه إلى آخر الخطباء لتكريمه فسأعدّ أن هذه المفارقة فعلاً موجهة إليه (أي: الجنرال ميلان أستري). صحيح أن ذلك يتم بطريقة ملتوية وغير مباشرة؛ مما يشهد أنه هو في حد ذاته رمز للموت.
ثمة أمر آخر، هو أن الجنرال ميلان أستري مُعاق، ولا داعي لقول ذلك بصوت منخفض. إنه مُعاق حرب، وكانت هذه حال سيرفانتس أيضا، إلاّ أن الشواذ لا يشكلون القاعدة. يوجد اليوم كثير من المُعاقين، وللأسف سيتكاثرون إن لم يرحمنا الله. وإنني أتألم لأن الجنرال ميلان أستري قد يضع قواعد سيكولوجية الجماهير؛ فمُعاق دون العظمة الروحية لسيرفانتس الذي كان رجلاً -وليس سوبر رجل- فحلاً، وكاملاً على الرغم من عاهته. لكن المُعاق الذي لا يتمتع بالتفوق الفكري لسيرفانتس قد يبحث عن سعادته في تزايد عدد المُعاقين من حوله. لا يعد الجنرال ميلان أستري من بين العقول المستنيرة مع عدم شعبيته، أو بالأحرى بسبب عدم شعبيته. ويريد الجنرال ميلان أستري جعل إسبانيا الجديدة على شاكلته؛ لذلك يريدها معاقة، وهذا ما يشير إليه من دون وعي”.
مقاطعة ثانية: نداءات في القاعة من طرف أتباع الجنرال ميلان أستري: يسقط المثقفون، الموت للخونة.
ويواصل أنامونو خطابه قائلاً:
“هذه الجامعة هي هيكل الثقافة، أنا كاهنه الأكبر. إنكم أنتم الذين تُدنِّسون هذا الحَرَم المُقدس. وعلى الرغم مما يقوله المثل “أنا نبيّ بلدي”، أقول: ستنتصرون، لكنكم لا تُقنعون. ستنتصرون لأنكم تملكون كتلةً هائلةً من القوّة الغاشمة، لكن لن تتمكّنوا من الإقناع؛ لأنه يعني امتلاك القدرة على تحقيقه، وهذا بدوره يتطلب منكم ما لا تمتلكون: الحجة والحق بالنسبة إلى معركتكم. ويبدو لي أنه من العبث حثّكم على التفكير في إسبانيا. قلت ما سمعتم”.
وبعد هذا الخطاب أُقيل أونامونو من منصبه ومات بعد أشهر من ذلك الحدث، لكن موقفه ظل محفوراً في الذاكرة الجمعية لإسبانيا.
a_samiatta@yahoo.com