السطو على أموال البنك العربي.. واقعٌ أمْ مسرحية؟!

السطو على أموال البنك العربي.. واقعٌ أمْ مسرحية؟!

شاهدُ الإثباتِ الرئيس، قال لـ”النداء”: أرغمونا أعترف على صلاح، وكنت أقول لهم: يا جماعة ما أقدرش أظلم الوُليد..
* يحيى هائل سلام
غير الاسم، بين صلاح الصوفي، وصلاح البوسطي، ثمة مشترك آخر: قفصُ اتهامْ..
فكلاهما، وإلى جانبهما، فارون ثلاثة من وجه العدالة، بحسب قرار الاتهام، في القضية رقم 4 لعام 2009 ج.ج، أخذوا بالقوة أموالاً مملوكة للبنك العربي فرع عدن: باص سوزوكي رقم 47543/3، 100 مليون ريال، وسلاح آلي عطفة.
على أنه، إذا كان صلاح البوسطي، وهو العاطل عن العمل، بشهادة الليسانس في اللغة الفرنسية، والسجين السابق، على خلفية محاولة اغتيال السفير الأمريكي، إلى أن أُفرج عنه بعد 5 سنوات، بعفو رئاسي، يقف أعزل، في مواجهة قرار الاتهام، بلا محامٍ، كل ما في وسعه الإنكار، ومع الإنكار، مطالبته قاضي المحكمة بالحكم عليه بالإعدام!
إذا كان كذلك، ففي المقابل، وبمقدار ما تتلو أُمُّهُ من آيات ودعاء، وما يحتقن في عينيها من أسى، وتتساقط من دموع، فقد تيسر لصلاح الآخر، أو الصوفي محامٍ، كان في جلسة الاثنين الماضي 5/4/2010، وأمام المحكمة الابتدائية الجزائية المتخصصة، اعترض على توجيه الاتهام لموكله، جاء اعتراضه في دفع من شقين، أحدهما أصلي، وفيه مثار الدهشة: في الأساس، ليس هناك واقعة، إنما هي مسرحية هزلية قام بها البنك!
بالنسبة للبنك العربي فرع عدن، ووفقاً لما تضمنته دعواه أمام المحكمة بالحق المدني، فإن حافلته الخاصة، وأثناء قيامها بنقل 100 مليون ريال، إلى المصرف المركزي الكائن في مديرية صيرة (كريتر)، وفي الساعة التاسعة و45 دقيقة على وجه التقريب، من صباح الاثنين 17/8/2009، تعرضت للتقطع، من قبل 5 أشخاص مسلحين، يلبسون ملابس ذات هيئة عسكرية، استولوا على الحافلة، والشحنة النقدية، ولاذوا بالفرار، باتجاه مدينة كريتر، بعد أن تركوا وراءهم السيارة المستخدمة، في ملاحقة حافلة البنك، ولاحقاً، في حدود الرابعة عصراً، من ذات التاريخ، تم العثور على حافلة البنك، في مديرية خورمكسر، بحي السعادة، وهي خالية من شحنة النقد، ومن السلاح المملوك للبنك.
في الواقع، ليس ثمة ما يحمل على الاعتقاد المطلق بأيٍّ من طرفي الثنائية: الواقع /المسرح. لاسيما وأن محاكاة تتراءى ممكنة، في استقراء التفاصيل، وتأثيرات اعوجاجها، على مسار الحدث:
في 8:40 تقريباً، من صباح ذات الاثنين 17/8/2009، تم جلب مبلغ 35,000,000 ريال، من البنك العربي فرع الشيخ عثمان، إلى البنك العربي فرع عدن (المعلا)، ومن المفترض أن هذا المبلغ قد تم ضمه في فرع عدن إلى مبالغ أُخرى، لتصبح في مجموعها 100,000,000 ريال، تم شحنها على الباص التابع للبنك، لنقلها إلى البنك المركزي بعدن، وبحسب كاميرا المراقبة التابعة للبنك العربي، فقد غادر الباص محملاً بالشحنة النقدية (100,000,000 ريال)، في تمام الساعة 9:53، غير أنه وفي اتجاه مغاير، ثمة وثيقة إيداع نقدي صادرة عن البنك العربي فرع عدن (المعلا)، تشير إلى إيداع مبلغ 35,000,000 ريال، باسم المودع (دفعة من الشيخ) بتاريخ 17/8/2009، الساعة 11:00، وهو توقيت لاحقٌ بأكثر من ساعة، لانطلاق الباص في اتجاه البنك المركزي، وبالتالي، فلا مفر من السؤال: كيف تم شحن ذلك المبلغ، ونقله على الباص، فالسطو عليه في عقبة كريتر، ثم في وقت لاحق لكل ذلك، يتم إيداع المبلغ ذاته، في البنك العربي فرع عدن، باسم المودع (دفعة من الشيخ)، وبرقم حساب 3204-777770-009؟!
على الهامش ملاحظة: قبل الاثنين 17/8/2009، بيوم واحد، كان حساب البنك العربي فرع عدن، لدى البنك المركزي، على شفا حفرة من الصفر.
وملاحظة أخرى: الكثير من الوقت انقضى، وبالنسبة لكثيرين، بينهم مسؤول قيادي في البنك ذاته، فإن مصير واقعة اختلاس 100,000$، من فرع البنك، لا يزال غامضاً!
لنتابع المسار المفترض للباص، وتحديداً، إلى أمام شاليهات “سبأ”، في عقبة كريتر، هنا يعترضنا التساؤل: إذا ما أحد يقود مركبة محملة بالنقود (100,000,000 ريال، أو قرابة 500,000$)، وتفاجأ باحتكاك سيارة بمؤخرة مركبته، فماذا يفعل؟ كل الإجابات محتملة، غير أن إيقاف المركبة، والترجل من عليها، لمعرفة ما حدث، ليس من بين تلك الاحتمالات.
أما وهو حارس المال، المزود بالسلاح، فهل من الطبيعي، والخطر يحوم حول المركبة، أنْ يظل سلاحه محشوراً تحت المقعد، فلا يلامسه بمجرد محاولة، ولو يائسة للدفاع؟!
من الممكن القبول بما تيسر من الأجوبة، غير أن الحديث عن كون السلاح غير مرخص، أو أن الترخيص مقصور على الحيازة دون التجوال، وأكثر من هذا وذاك، أن يكون المدير والنائب، قد أوصيا بعدم استخدام السلاح، وتركه على حاله تحت المقعد، فذلك ممكنٌ أيضاً، لكن، إلى حينْ!
وفي تتابع المسار المفترض، المسلحون يغادرون بباص البنك، وما عليه من شوالات خمس معبأة بالنقود، وآلي عطفة، هو سلاح الحارس، كما أنهم لم يأبهوا، بتنظيف المكان من آثارهم، وهي أكثر من مجرد بعرة، قد تدل على البعير، لقد كانت سيارة، من إنتاج شركة تويوتا، موديلها 85، ونوعها “كُرون”، تحمل لوحة معدنية رقم 1569/29 الكويت.
وغير ذلك، في السيارة، عثرت المباحث الجنائية، على أكثر من مؤشر هوية: 3 كروت تعبئة “إم تي إن”، كرت تعبئة “سبأفون”، قصاصة ورق، بملابس مطوية من إحدى المغاسل، عليها اسم رباعي.
كل تلك المؤشرات، لم تعنِ شيئاً للمباحث الجنائية، أو النيابة الجزائية المتخصصة، فإلى هذا التاريخ، بعد أكثر من 7 أشهر، على الواقعة المفترضة، لا تزال اللوحة المعدنية مجهولة النسب، على الرغم من أن في وسع بضع مكالمات هاتفية، أنْ تأتي، من منافذ الجمهورية البرية، بخبرها اليقين.
وفي مجلد القضية، بمئات أوراقه، ما من إشارة، ولو طفيفة، إلى سعي، ولو على استحياء، لبلوغ مصير أو مصدر كروت التعبئة، كما ما من مقاربة، لا من قريب ولا من بعيد، للاسم الرباعي، على مطوية الملابس الورقية، وهو ما كان يتوجب الذهاب إليه، إن لم يكن بوصفه مشتبهاً به، فباعتباره المالك الشرعي المفترض، للفوطة، والشميز، والجرَمْ، والأَوْلى، أن تُعاد أشياؤه إليه!
ربما كانت للمباحث الجنائية أشغال أخرى، كاحتجاز حريةٍ، في عزلة تامة عن العالم الخارجي، لأكثر من شهر، بالمخالفة لأحكام القانون، أو انتزاع اعترافات ما، في ظل احتجاز غير قانوني، ثم اصطناع أدلة:
خالد علي عثمان، شابٌّ في ال24 من العمر، عمل كسائق تاكسي، على السيارة المملوكة لصلاح الصوفي، وهو اليوم، شاهد الإثبات الرئيس، على ضلوع صلاح في واقعة السطو على أموال البنك العربي.
ووفقاً لمحاضر جمع الاستدلال، أخبر خالد، محققي المباحث الجنائية، أن صلاح، وقبل حوالي شهر من تاريخ الواقعة، أسرَّ إليه، بنيته سرقة البنك العربي، وروى للمحققين، كيف أنه، في يوم الواقعة، رافق صلاح، في مراقبة باص البنك، وتتبعِ أثره، إلى لحظة السطو عليه، من قبل الجهاديين، أصحاب صلاح.
ولأن في تلك الأقوال، ما قد يتبدى معه الشاهد، في مركز الشريك، فإن استثناءات، طرأت عليها أمام النيابة الجزائية المتخصصة، وفي مجملها، كانت استثناءات في اتجاه استبعاد مركز الشريك، مع الاحتفاظ لصلاح بمركز المخطط، والعقل المدَبر.
الشاهد الرئيس ذاته، خالد، وعقب التحقيق معه في المباحث الجنائية، كان أخبر “النداء”، عن تعرضه لما أسماها، بالضغوط القوية، بما في ذلك الضرب، للاعتراف على صلاح، بأنه المدبر، والمخطط، يقول: “جابوا لي ورقة مسجل أنه صلاح هو المدبر للمأمورية، وإنه اللي تابع الباص، وإنه… وإنه…، وقالوا وقع، وأرغمونا إننا أوقع”.
توسل إليهم: يا جماعة ما أقدرش أظلم الوُليد، وأظلم نفسي. وكانوا يقابلون التوسلات بالعنف. يقول خالد: “هبولي كفْ”.. “لطمني خالد داود، ونائب المدير”.
وفي توغلٍ، غير حذر في التفاصيل، يضيف: “كانت معي دبة ماء، طرحتها فوق الميز، وهم معاهم دباب ماء طرحوها جنبي، وأنا أشرب من حقي الدبة، اتغالطت بالدباب، استوتْ زي المغالطة، فأشوف الوضع مش طبيعي، حسيت نفسي إن بالي هدأ، وخلونا زي التايهْ، مُشْ داري بنفسي”!
وإلى اليوم، لعله لا يزال تائهاً، لكنه، ليس الوحيد، فكثيرون غيره جديرين بالتيه،: القارئ، (يسرى -إسلام -ربيع) أولاد صلاح الصوفي، وربما، البنك العربي!