كرمان بيك “المخلوع” كأنه.. !

كرمان بيك “المخلوع” كأنه..!

* منصور هائل
وكأنه أراد أن يكون المرآة المناسبة في الوقت المناسب لزملائه من الرؤساء الذين صاروا بحاجة ماسة إلى التمرئي فيه ليتوفروا على الجواب الشافي على سؤال انخلاع “السيد الرئيس” عن الكرسي الرئاسي في زمن قياسي وبأقل الأضرار وأخف المآسي، وليهتدوا إلى الأسباب التي تعجل بغروب شمس السلطان، وزوال العرش، وتطمس الفاصل بين القصر والقبر، وقلما انفسحت على برهة تتسع لنفاذ رأس الرئيس، وتسمح بهربه من سراديب القصر وأنفاقه بمهارة ثعلب، وخفة جرذ وذعر أرنب!
وكأنه تقصد أن يختزل ليكون بمثابة دليل إرشادي لزملائه الرؤساء الذين صار بمقدورهم أن يطالعوا فيه أسباب التردي والتعاسة، وكسوف السياسة والانحدار والحطام والخواء.
كأنه تقصد القول بأن الهرم يدهمك أيها (الرئيس)، ينحصر همك في توريث الكرسي لنجلك الأكبر، وفي تعظيم أرصدتك عبر مداعبة واشنطن وملاعبة موسكو، وتضخيم ثروات أشقائك وأولادهم، وتمكينهم من المناصب الهامة والحساسة، الأمنية والعسكرية والإيرادية، واستخدام قوات الأمن لقمع المعارضين ومصادرة الحريات وتزوير الانتخابات وحماية “النظام” المؤلف من كل تآلف ومن الفساد والمفسدين الأعضاء في عائلتك وحاشيتك وزمرتك التي تستعر كامل مفاصلها وأوصالها بحمى الجشع والهلع كلما ابتلعت المزيد، وكلما كبر جوفها وانتفخت جيوبها إلى أن تصل إلى نقطة فقدان الوزن والاتزان والإحساس، وتصل معها البلاد إلى درجة الإفلاس التام، وينفلت عقالها أكثر فأكثر، وتهرول، من غير حساب، نحو استثارة غرائز الجوع، وهياج الجموع، وإلا ما الذي يدهيها على رفع الأسعار، مثلاً، والبلاد على حافة انفجار.
ولك أيها (الرئيس) أن تسأل كيف غابت عن حسبانك ردود الفعل التي يمكن أن تصدر عن شعب فقير وجائع وصلت البطالة فيه إلى أكثر من 40 ?، وهو شعب قادر على أن يسقط الحكومة، ويجتاح دار الرئاسة بعاصفة غضب؟
وكيف لم تتحسب لردود الفعل المتوقعة تجاه أنجالك وأقاربك الذين صاروا في عين العاصفة، وأصبحت أجهزة النيابة والقضاء تعمم أسماءهم في أرجاء العالم، وتشدد على ضرورة مثولهم أمام المحكمة؟ كيف لم تتحسب لردود الفعل تجاه أقاربك الذين قاموا يوم 7 أبريل بنهب أموال مركز التأمين التقاعدي، وحولوها إلى حساباتهم في بنوك خارجية؟ ولك أن تسأل نفسك وكيف انسقت مع من دهاك برفع أسعار الوقود وأنت تعلم أن عوامل الانفجار كلها قد تضافرت وانضفرت في فتيلة واحدة صارت مهيأة للاشتعال بفعل أي احتكاك، وذلك ما صار يا كرمان بيك؟
… كرمان بيك باكييف أصبح “الرئيس المخلوع” اعتباراً من يوم الأربعاء الماضي، وقد اتهمته الحكومة المؤقتة التي شكلتها المعارضة، بـ”سرقة” خزينة الدولة، ووجهت سلطات الادعاء في قرغيزيا اتهامات جنائية رسمياً لاثنين من أبنائه، بالإضافة إلى شقيقه الذي كان يتولى مسؤولية الجهاز الأمني، وفقاً لتأكيد القائم بأعمال المدعي العام في بيشكيك بتيمر يازيف.
ويكاد كرمان أن يكون عربياً أو حتى من “هنا” لو لم يكن اسمه كرمان بيك باكييف، ولو لم يتردد اسمه ويُذع في الأرجاء وهو مقرون ببلاد إسلامية اسمها قرغيزيا.
وكأي رئيس عربي أو من “عندنا”، لا زال كرمان بيك يتمسك بـ”شرعية” مزعومة، وكأن الدماء التي سُفكت لا تساوي عنده شيئاً.
وكرمان بيك أو “الرئيس المخلوع” اجترح منجزاً لم يخطر على باله عندما طالعنا بلائحة الأسباب والمقدمات التي تخسف بشمس الرئاسة، وتعجل بزوال السلطان، وتمحو الفاصل بين القصر والقبر.