اقراء في شاشة النداء:

اقراء في شاشة النداء:

العقبة *
آدم الحسامي
توقفت السيارة أسفل العقبة لتستجمع أنفاسها مستعدةً لصعود آخر عقبة في الطريق إلى قريتنا والأصعب كذلك، وهي تمثل بوابة القرية أو العزلة. والسيارة التي تقلنا هي من النوع المسمى (شاص)، وهذا النوع من السيارات الأكثر في العزلة، تنطلق كل صباح حاملات الركاب إلى المدينة والرجوع بالركاب والبضائع التموينية. سألت الواقف بجانبي عن سبب توقفها؛ أقول الواقف لأني وهو وعشرة من البشر أيضاً واقفون في مؤخرة السيارة، وثلاثة من كبار السن جالسون أمامنا فوق أكياس الدقيق وأنابيب الغاز، واثنان متربعان فوق قمرة السيارة، أما القمرة نفسها ففيها بجانب السائق امرأتان إحداهما التي بجانب النافذة هي أختي الآتية معي إلى القرية.
أجابني: كما رأيت كيف عطلت السيول الطريق، ومع هذا قطعنا أغلب المسافة بفضل هذا السائق المتهور، أما هذه العقبة فهي التي ستعجِّز هذه السيارة الهرمة وهذا السائق المغرور.
نعم فمنذ دخولنا الطريق الترابي الذي يتسع لسيارة واحدة؛ بعد ثلثي المسافة من المدينة ونحن نعاني من الحفر والأحجار التي سببتها أمطار الصيف الكريمة هذه السنة. كنت منشغلاً عن الحفر والأحجار بالتفرج على المناظر الخلابة من حولي والخضرة المكتسحة الجبال والأودية. كسر التأمل الجميل بعض الركاب بالتحدث معي بغية التعرف. لم ألمهم لأنهم لم يعرفوني، فقد مرت عشر سنين منذ آخر مرة زرت قريتنا، ولأني أيضاً لم أعرف أحداً منهم. لكن رجلاً كهلاً عرفني بتشبيهي بوالدي. أعجبت لفراسته، وشعرت بالألفة وزالت غربتي بفضل تخمين رجل هرم يجسد ما تبقى من ماضي قريتنا الجميل ذي الملامح المميزة والأصيلة. كان السائق لا يعبأ بالأحجار المتناثرة ولا بالحواجز التي صنعها المزارعون في الطريق لتحويل الماء إلى حقولهم. كان (يسوق) بحماس ونزق جعل البعض يتذمر، وخصوصاً الكهل الجالس على أنبوبة الغاز، حيث قال وهو يتأرجح من السرعة:
– دقدقتنا الله يدقدقك.
قال آخر مبالغاً:
– الطماط حقي قد هو سحاوق!
وقال كهل آخر:
– أبوه كان يسوق بعقل؛ على من أتى هذا الصبي؟
أما الشابان المتربعان فكانا منتشيين بفعل الرياح التي تمخرهما؛ فالأول يصيح حاثاً السائق لكي يسرع أكثر:
– أريد أن أصل إليها سريعاً!
والآخر يحثه بطريقة مضحكة إذ يقلد من يحث الحمار قائلاً وهو يضرب السيارة بيده:
– حِي حِي.
هذه السرعة كانت تبعث بنسائم باردة ومنعشة حاملة رائحة الحقول التي تحرك الروائح الراكدة في ذاكرتي. كنت أريد الجلوس مع أختي لكي أعلمها أسماء المناطق، فقد كانت صغيرة في آخر زيارة لها، ولا تتذكر إلا لقطات خاطفة، فضلاً عن أنها لن تسأل المرأة التي جوارها.
لم تعترض طريقنا أية سيارة فنادراً ما تنزل سيارة إلى المدينة ما بعد العصر، لكن هذه العقبة هي المعترض الدائم للسيارات في أي وقت.
– هل ننزل لنخفف حمولة السيارة؟ سألته مجدداً والسيارة تبدأ بالصعود.
– لم يطلب منا ذلك. دعه سنرى مهاراته.
تصعد السيارة العقبة بهدوء، الجبل على يسارها، بإمكان الراكب في اليسار لمسه، والهاوية على يمينها منتظرة أي انحراف باتجاهها.
في الخمسة عشر متراً الأخيرة المكان الأكثر وعورة، كانت السيارة تتأرجح بين مجموعة صخور نابتة في الأرض، وكان السائق يزيد من غضب السيارة وانفعالها بدوسه المحرك بشكل متقطع. لم تبق إلا صخرة واحدة على طول الطريق جانبها الأيسر أرفع من الأيمن، مما يجعل أية سيارة تميل إلى الهاوية عند صعودها. هدأ أمامها قليلاً ثم داس المحرك بقوة، بنزق واضح. مالت السيارة إلى اليمين لكن ميلانها زاد عن الحد، ارتعبت وأنا أتخيَّل كيف ستهوي السيارة، ارتعب الجميع، تمتم الشيوخ بالشهادة، صحنا جميعاً. تذكرت أختي وصعقت من الخوف. حسمت الجاذبية أمرها وسقطت السيارة باتجاه اليمين، لكن صخرةً في حافة الطريق أبرز من أخواتها المرصوصة بشكل تراكمي، حجزت السيارة، إذ دخلت قمة هذه الصخرة المباركة ما بين قمرة القيادة ومؤخرة السيارة، وعلقت السيارة لحسن حظنا بها، وبقيت معلقة لم تلمس الأرض. تقافز بعض الركاب باتجاه الجبل، ومنهم من سقط مغشياً عليه لاصطدامه بالشبك الحديدي، ومنهم من تدحرجت عليه الحقائب والأكياس وأنابيب الغاز، أما أنا فكنت مرعوباً ألوم نفسي لأني اصطحبت أختي معي…
كان موقفاً سيئاً… لم يصب أحد إصابة بالغة…
أخذ كل واحد حاجياته استعداداً لمواصلة الرحلة مشياً.
– كنا زمان…
… الله يحرم أيام زمان، علق الشيخ الذي عرفني.
لم يكن بيت عمي يبعد كثيراً. واصلنا المشي وظلت السيارة معلقة بين الهاوية والجبل بداخلها أكياس دقيق وأنابيب غاز مبعثرة ورائحة بيض مكسَّر وأشياء أخرى محطمة.
* فازت القصة بجائزة جامعة عدن
******************
 
تلك سيرتنا
أيمن جليل
في خضم الضرورات والضرر الآدمي
المرايا المزودات ضوءاً
يرممن وجه المساء المُسن
والقشور التي في سفوح المحبة
ومن حيث ينسكب الغرباء
تضيء النساء التراب
ويحثو الرجال المسرة.
كان أكثرَ من طاقتي للهطول السحابُ، وكانت بلادٌ هلامية تستحم بذاكرتي وتزول كأن لم تكن عاشقة.
كان وعيي يضيءُ التفاصيل، يفتتح الحزن، يلقي عليّ الشرودَ، يلوح لي من زمان قديم، ويطفئ باسمي جميع اللغات، وينتأ أبراجه الغارقة. كنتُ في جسدي لا أعيش، وكانت على رفرفات الجفون تعيش الحنايا وتكبُر. وتنمو الشواطئ مفتونةً بانحساري على جسدي، فأسيل على جانبيَّ وأجزر. كنتُ.. كنا…، فألقت على ما تسنى السماواتُ قلباً لأعبر.
النهارُ تخفف من ظله
والسماوات من وجهها
فالمزون تهزّ أراجيحها
بينما سكناتُ الحياة
يخضبها العجلُ
المطرُ اجتاز أسبابه
والنهارُ
وآنية اللاوجود
تهيّئ ذاتية الانبعاث
وليس سوى ذوبان الشتاء
مديدٌ
وبردُ القرى.
كان غيري يعدد أحلامه، ويراها تحط على ساعديه، كأن السُّدى لم يكُن. كنتُ في غمرة الهذيان أحاصر مدّ المجازات بالمستحيل المباح، فتجرحني هدأةٌ، فأناكف أجراسها بالرياح، فتجري السواقي بلا وجهة غير وجهي، كأني حدود المدى والسفُن..
الآخرُ
الحيُّ
يملي لها قولها.
أنا أهوي أسىً
في تذكرها.
هي تهمس:
زوّجْتُك…
العالم العيُّ يبرك كالمنتهى فوق أوقاتي الباردة، وأنا لا أواري السراب المعتّق في عابقات النوايا بسُكْري، أعبّ الظلال المليلة بالزّيف علّي ألاطف قهري.
أنا كلُّ هذا الندى حين أذكرُ.. أسبابُه حين أنسى.. ووجهي أفول البراح القديم الذي خان أصداءنا.
 
إن لي المدى
حين أصفو بها
واحدا
كيف تأوي الشواطئ
جفنَ الغياب إلى ضفة لعاشقة؟
قلتُ:
إن لها وجهةً في يديّ
أقلّبها كي أعيشْ.
فاستطال
وجوم
الصدى..
كاد يجرؤ أن يفسد العمرَ
فِكرتُها بالتجاوز
يؤلمني الليلُ والحبُّ
والأقربون، كذلك
حين أجاؤوا الصدى مددا:
الحبيباتُ تسقطُ عن كلمات الرجال، فقط..
كان ظلي هنا ضيقُ وقتي. وعاءُ التفجّر زاويتي، والحقيقةُ زادي إلى حسراتي، وزادي إلى سكناتي شتاتي. كنتُ أكثر من وحدتي فتشظّت على جسدي قهقهاتي..
هي
بعد مكاشفةٍ
في محاقٍ من القيل
تسمَعُها جارةُ العمر:
“قَنبَلتُهُ”
فانزوى.
رمتُ أشياءَها واجدا
كنتُ أضحك
في لافؤادٍ لأحزنَ:
كيف تغيب البلاد/الحبيبة..؟
كيف أغادرها؟
وَيْ حبيبةُ،
لمّا تلفّ المسافاتُ والروح
أوراقها من مداي
ولن تُجديَ العثراتُ
فهلاّ قرأتِ الخطى الخاويات
من الأمنيات القديمات
حين يعودكِ طقسُ البكاء،
لأبعثَ من مقلتيك عيونا
سأبدو أمامكِ
لا بيت لي
غيرُ هذا القميص
ولا وجه لي
غير قلبي
أمدّ يدي بحياة من الشِّعر
والوجد ذي الذكرياتِ
أهذّب جفنيَّ
كي لا يُرى خلف عينيّ
نهرٌ خجولٌ من التمتماتِ
على حينها
كل وجهٍ سيقطر
في راحتيكِ
سفينا.
هي تسرج أنّاتِها
وتهزّ
أصابعها
العالقاتِ.
*************
ضرورة الفن
عبدالجبار الجنيد
في ليلتي هذه مرهقا كالعادة كنت قد فرغت من احتساء الشاي، وبنفس العادة قبلها كنت قد أجهزت على “القطلـ” خلال ست ساعات ارتحلت من يوم السبت الموافق 29/10/2010. وبعد جولة إخبارية مطولة في التليفزيون كادت (تفطر القلب والمرارة) قلقا على مختلف الأصعدة، وعن غير قصد اأفتح قناة روتانا زمان فإذا بها أغنية “فكروني”.
بدأت الكتابة واصفا الإحساس المدهش وكأني لمحت مستمعا لاغتسال النغمة والكلمة في أمسية شتوية قارسة.
غير أن دفء الصوت له وقعه الرائع فيخلق اللحظة الأجمل في ليلة رائعة مقمرة ينسل منها إحساس فريد ممتد حتى الأعماق مفعم بالدفء والحب.
يا سلام يا ست أنا ومعي حضور تلك الاحتفالية نهيم طربا رغم مرور أربعين عاما على وجه التقريب، وهذه الأغنية الرائعة متجددة، وكما أسلفت في وصف ذلك الشعور الممتد حتى الأعماق لبرهة، فتجده مرتحلا، تاركا موجة من الأحاسيس منبعثة من القلب حتى حدقات العيون، فيعكس البريق الممزوج لمعاناً حتى الامتلاء.
نعم –هي كوكب الشرق- القيمة الفنية المفعمة بعدا إنسانيا كبيرا، قامة سامقة متجذرة في بيئة الفن، وكان ذلك هو سر تسميتها على ذلك النحو.
إحساس بديع يكتنفه الطرب الباعث للشجن حتى الثمالة، فتراك محلقا في عالم الخيال، حينها ليس بوسعك إلا أن تبدو مترنحا مجبرا وبكل حب مع كل لوحة فنية ومطلع جديد متحدا مع النغمة وغير مكترث لما حولك سوى جر النهدة تلو الأخرى من الأخمص حتى القمة، لاسيما إن كنت تتمتع بذوق رفيع وحساسا أو عشت تجربة حلوة في مقتبل العمر أو أحد منعطفاته السابقة.
الأمر الأكثر إدهاشاً في هذه الاحتفالية الغنائية، هو الناس المتواجدون. إنه التفرد في كل شيء حتى في ملابسهم، في طريقة جلستهم على مقاعدهم. حقيقة ناس من العيار الثقيل، وكأنك تحضر افتتاحية لعقد مؤتمر سياسي كبير. وبعد كل وصلة غنائية وأخرى تراهم يصفقون بابتسامة والتزام وكأنك في ريب من أنك تشاهد حفلة غنائية فقط، رغم التواضع في كل شيء؛ في التقنية والتسجيل بالأبيض والأسود، وخشبة المسرح. وعند الاستماع تراك مشدوداً تعتريك مشاعر متداخلة، لكن على الأغلب هي جميلة، ويكون الالتزام سيد الموقف، مجبرا على مجاراة ما ترى وما تسمع.
وها أنا أجد نفسي أخلص إلى حقيقة فحواها أنه زمن القيمة لكل الأشياء بما فيها الفن باعتباره المؤشر الأقرب الذي يعكس حضارة البشر. نعم إنه الزمن الجميل، زمن العمالقة، زمن العندليب الأسمر وفريد الأطرش، وكروان الشرق وأسمهان وغيرهم… الخ.
إنهم كثر على الصعيد المصري فقط.. وزمن وديع الصافي ونصري شمس الدين والشحرورة ومدرسة الرحابنة والسيدة فيروز بصوتها الملائكي.. وقس على ذلك في مختلف الأقطار العربية الأخرى
رى هل سيأتي زمن فني يطرب مسامعنا بعد، ولا يفطر مرارتنا، كما هو عليه الحال؟
وهل من المتوقع أن يصل الحال بالفن لدينا إلى مستوى بيني وبينك خطوة ونص أو أغنية بحبك يا حمار..؟ عجبي.
****************
الحقيقة..والنار
محمد الشجاع
إنها المفارقة، النار التي لعبت دورا كبيرا في استمرار البشرية، تعد من أكبر اكتشافات الحياة، هي التي أظلمت القرون الوسطى بيد الكنيسة وأحرقت الفلاسفة والعلماء ومؤلفاتهم، طمسا للحقيقة، وهي نفسها النار التي أحرقت “البوعزيزي”، لتضيء محيط آدم وأبنائه.
ما أجمله من تناقض، النار تُحرق.. لا لتميت الحقيقة، وإنما لتنبتها من الجذور، لم ينتظر محمد بوعزيزي أحدا يأتي ليحرقه، أو يحرق الحقيقة داخله، محمد فعلها بنفسه، وكسر حاجز الفتاوى الخجولة، والرؤى الميتة، والسياسات المتلونة كالحرباء، كسرها بعربة، وشعلة، وحياة.
فيما كنت أتابع والشكر موصول لقناة الجزيرة، السقوط المتسارع لرأس النظام، والتنازلات التي تتابعت وبكل وهن، والمظاهرات تتصاعد، كنت أتخيل الأماكن الشبيهة، ميدان التحرير، شارع القصر، الزبيري، الستين الجنوبي بأشجاره الخضراء، باب اليمن وشارع تعز، الدائري الجامعة، وشارع القيادة، وكنت أتخيل المتظاهرين يمرون جوار الأشجار دون تكسير، وهم يصافحون قوات مواجهة الشغب، والأمن المركزي، والشرطة العسكرية، وكنت أتخيل المتظاهرين كلهم من الطبقة المسحوقة، من طلاب الموازي في جامعة صنعاء، والفقراء الذين يعملون نهارا في تجميع القوارير، وعمال الجولات، وعمال النظافة، والموظفين المتعاقدين، والمثبتين الذين لا يكفي راتبهم لعشرة أيام من الشهر، وآخرين لم تلطخ سمعتهم بالسير مع الفوضى الخلاقة، والسياسات المتبعة للقمع اليومي غير المباشر والمباشر.
ما لم أكن أتخيله، هو أن أكون رئيس جمهورية لأكثر من عقدين، وبعدها أطير بالطيارة، ولا أجد بين عشية وضحاها بقعة أهبط عليها، إلا بعد استحضار الحالة الإنسانية “ارحموا عزيز قوم ذلـ”، ولأني جبان لم أتخيل نفسي، أصب مادة قابلة للاشتعال على جسدي، ولا حتى قارورة ماء.
تستطيع السلطات في كل الدنيا، أن تحجب الحقيقة أو تحرقها، وتجمل صورتها عبر تلفزيون تملكه، وتستطيع أن تتوه الفرد بين البحث عن لقمة عيش، والنوم وتخزين القات، والفوز بنتائج عالية في الانتخابات، والاستيلاء على النقابات، وإصابة التعليم بمقتل، وإهمال الصحة، والسيطرة على استقلالية القضاء، لكنها في لحظة ما، لا يمكن لها إيقاف صرخة مظلوم، أو هبة جائع، أو لعنة مجنون.
وتستطيع أن تظهر عبر وسائل الإعلام، المرئية والمقروءة، وهي تحلل وتنقل خبر السقوط الأخير على استحياء، أو من باب مجاراة الواقع ليس إلا، فيما كان الواقع بعيدا جدا عنها، عدا تلك الوسائل الممنهجة والدقيقة.
كانت تلك تخيلاتي حتى يوم السقوط الأخير في تونس، أما بعد ذلك، فلا توجد علاقة لتخيلاتي بما سيحدث على الإطلاق لأي نظام آخر.
“الجزيرة” مرة أخرى وأخرى، تثبت هذه القناة في كل مرة، أنها وسيلة فضائية لم تولد لتنقل نشرات أخبار الجو والأرض فقط، وإنما تشارك في الصنع والفعل، وربما ذلك التميز الذي التصق بها منذ الوهلة الأولى، وإن كانت الآن تشكل قوة غير عادية.
هو توجه يحمل من القوة ما يجعل الدولة الداعمة، ترقى إلى التفرد على المستوى العربي والعالمي، تلك القوة التي تحدث وكتب عنها فريدريك نيتشه، والتي أثرت في كثير ممن قرأ لهذا الرجل، شعراء وزعامات وشخصيات مختلفة.
هكذا قدم الإعلامي المتألق علي الظفيري برنامجه الأسبوعي “في العمق”، متحدثا عن “البوعزيزي”: ابشر بطيب مقام يا محمد.. أولم يقل ربك في محكم التنزيل “ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا”، كيف وقد نفختَ الروح في قلب أمة هامدة.. وأيقظت الكرامات الكامنة في الأعماق.. أيقظت الشوارع، والمدارس، والمطاعم، والبرلمانات.. وفي كل بيت عربي يسأل الناس من بعدك عن الطين التي خلقت منه عربتك المباركة.. عن النار المقدسة التي أحرقت الأرض من تحت الطغاة الهاربين.. يسألون كيف استطاع البوعزيزي بين ليلة وضحاها أن يعيد إنتاج الألوان لتزدان تونس بالأخضر الزاهي كما كان يجب أن تكون دائما؟ ويكتب لها من دمائه الزاهية أمر جديد؟ يا محمد.. لقد أزهرت شعلتك في الوطن العربي، أدان زعيم عربي بهستيريا بالغة ما رأى من فعل قومك.. وارتعدت فرائص الآخرين، قيل إن لهيبك لامس أرض شنقيط، والجزائر، القاهرة، والأردن، واليمن.. وهناك من يسجل اسمه على قائمة الانتظار.. كافر من يدين موتك ويصمت عن الموت الذي غرسته الأنظمة في أرضنا منذ عقود.. أوليس في الموت حياة!
**************
الجدران
محيي الدين جرمة
الجدران التي تحتشد فيها صوره ملت المسامير.
قد تخرج غداً في تظاهرة حاشدة بعد أن صارت تزدري عزلتها الصدئة في ظله ووحدتها.
ما يمنعها من الخروج سوى ثباتها في الخارج.
المصابة بحمى السكوت تكاد حُمَّاها تصل نخاعها الشوكي
ظلال الوهم والخوف اللص تبصق على حوافها
لكنها حواف لا يتسخ الضوء عند ملامستها.
قد تستيقظ لتحرر ياقاتها من ضجيج النفاية المسكوبة عند أخمص العدم.
بلا طريق وهي من يرصد الخطوة والهرولة.
من يحتضن الأنات النظيفة إذ ينام حزنها هناك بلا جهات.
يحفها أذى العابرين. وتثقلها حياة البصاق وأعيرة المعنى في المقهى الفارغ سوى من الضجيج.
تتلقى طعنات الزبائن من بنادق صيد آدمي
تعلم الرماية بهدف الجرح فحسب وهدف العيش وتنفي عن نفسها قتل الفراغ.
تعرف جيدا من عبروا حذاءها ولا يأبهون
تعي نعاس ظلال لعابرين يمشون على حجر يمطر.
تأنس بنظراتهم كلما أشاحوا باتجاه الجهاز التناسلي للصور المعلقة على خشب البلاد.
لم تلعب دورا قط في بطولة فيلم سينمائي من إخراج صمتها الشهير.
وجهها المعرض لمخاط العابرين وأتربة الوقت وغبار النجوم.
كيف تصمت ولا تنهر ظل الوقت في الصور الجارحة لهدأتها.
لو تتحرر مما علق بها من تاريخ البول المتراكم
الجاثم على حوافها الوسخة خجل التلفت في اتجاه عبور الخلق
فراسة المعنى وفريسة المنسي في سجل نهيق الرافعات المرورية