دفاعاً عن “النداء” (نداء الحقيقة)

دفاعاً عن “النداء” (نداء الحقيقة)

تضامناً مع صحيفة “النداء” وكتابها
* د. سامي أمين
برزت صحيفة “النداء” كحالة استثنائية في زمن تميّز بانعدام الذمة الأخلاقية والفكرية، لأنها قدمت رسالتها الصحفية بمسؤولية حازت احترام وتقدير القارئ، ومكانة ريادية في شارع الصحافة الذي ينضح بالغث والسمين، ولم تصل إلى ما وصلت إليه لولا أنها وضعت قضايا الحقوق والحريات في صدارة اهتماماتها.
ويعزو أغبياء السلطة ضآلتهم وضعفهم إلى الصحافة عندما تقوم بأداء رسالتها بمسؤولية وتسليط الضوء على المشكلات، إنهم لا يريدون صحافة حرة ومسؤولة، بل يريدون صحافة تلوي عنق الحقيقة، وتسبح بحمد السلطان وتمتدح رذائله؛ فتصورها فضائل محمودة. هذه الصحافة التي يريدونها. إنهم لا يريدون صحافياً يشكّل وعي الناس ويدلهم إلى حقوقهم وواجباتهم بوصفهم مواطنين لا رعايا، ويمارس دوراً تنويرياً، بل يريدون صحافياً يُرقّص الحروف ويرقصُ معها.
إن من استمرأ الرذيلة واستوطن الفساد سلوكه؛ يفتقر إلى إدراك دور الكلمة في إعادة بناء السلوك على أساس من الفضيلة، لأنهم يجهلون ذلك. ألم يقل سقراط إن الفضيلة علم والرذيلة جهل؟ هؤلاء وأمثالهم لا يعيشون إلاّ من أجل ملذاتهم وأهوائهم، فلا يعيرون للمعرفة اهتماماً، كما لا يريدوننا أن نشكو آلامنا وأحزاننا وحسراتنا، ويستكثرون علينا دفاعكم عنا.
طوبى لكم، فلقد فقأتم أعين الظلم والجور بحروفكم الناصعة، وأدركنا حين نشرت صحيفتكم ميثاقها “ميثاق الشرف” الذي التزمتم به، أنكم لستم سلعة للشراء، وأدركنا حينها أنكم ستتعرضون لمتاعب شتى. لقد أثبتم أنكم منا ونحن منكم. سلمت أيديكم التي تنسج الحروف. فلقد جسّدت صحيفتكم أنبل وأشرف معاني الشرف الصحفي عندما تبنت قضايانا من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان، مجسدين التزام بلادنا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لا تدرك هذه السلطة أن التوقيع على هذه الاتفاقية من قبل الدولة يعد توقيعاً بالإنابة عنا، وهي ملزمة لكل أفرادها. فلا يجوز لإنسان أن يرى فرداً ينتهك حقوق إنسان آخر ويقف صامتاً. إنه التزام أخلاقي. ونصرة المظلوم تضمنته كل الشرائع والنواميس الإلهية والطبيعية على حدٍّ سواء. لذا حق أن تكافأ أفعالكم لا أن تجرم وتقدموا للمحاكمة، فلا يستحق المحاكمة إلاّ أولئك الذين ينتهكون الحقوق.
لقد كان جهدكم في تسليط الضوء على العديد من المشكلات، التي يرزح بكلكلها المجتمع جهداً مائزاً، ينبغي أن تشكركم عليه هذه السلطة الباغية، لأنكم أرشدتموها إلى موطن الخلل ومكامن دائها وضعفها، علها تجد العلاج الشافي. ألم يكن إطلاق سراح المساجين -المعسرين منهم خصوصاً- الذين تجاوزت محكوميتهم المدة المحددة قانوناً؛ يصب في مصلحتها؟ ألم يكن الأجدر بها أن تحل مشكلة المهجرين (الجعاشن) حتى تكسب رضا الناس بدلاً عن عداوتهم؟ ألم يكن جديراً بها أن تقف في وجه كل ظالم ومغتصب للحقوق والبراءة حتى تكسب رضا مواطنيها، لا أن تتستر على اغتصابِ طفلةٍ بريئةٍ (طفلة عمران) من قبل شيخٍ نافذٍ؟ ألم يكن جديراً بهذه السلطة أن تسن قانوناً يحرم زواج الصغيرات، وتحمي الطفولة من دنس ورجس خراب شهوة شيوخ الفساد؟
إن تأسيس مجتمع الفضيلة يتطلب رجالاً من جنسها؛ أي رجالاً يتمتعون بالفضيلة.
ولأن السلطة القائمة تقف على جبل جليد من الرذائل، تأبى إلاّ أن تبقيها كما هي، لأن ذوبان الجليد هذا يصيبها بمقتل. فلما كانت السلطة تدرك أن النقد ملح التغيير وعنوانه، فإنها ترفض أي نقدٍ، وتكابر دائماً، وتقمع أية محاولة للنقد أو تسليط الضوء على مثالبها وأخطائها. فلا تريد إلاّ صحافةً وشعباً على غرار أزلامها يرددون “كله تمام يا أفندم”.
إن صحيفة النداء “صحيفة الشرف” و”نداء الحقيقة” لا تشبهها أية صحيفة، تعمل بمهنية عالية، يكفيها فخراً أنها رفعت سقف الحرية إلى أعلى مستوياتها. وإذا حق لنا أن نمنحها وساماً؛ فإنها تستحق وسام الشرف والأمانة، لأنها ظلت دائماً تحترم عقول قرائها. لكم جميعاً في أسرة تحرير هذه الصحيفة وكتابها محبتنا واحترامنا.
لا يسعنا، وفي ظل ما تتعرض له من هجمة شرسة ومحاكمة عددٍ من أبرز كتابها، إلاّ أن ندعو كل من تعز عليهم حرية التعبير كأنبل قيمة إنسانية، أن يرفعوا أصواتهم عالياً، تضامناً معها.
أعزائي (سامي، عبدالعزيز، شفيع، فؤاد، وميفع) إذا كان هنالك بعض من سدنة السلطة يستخدمون القانون اعتسافاً، يلوون عنق القانون كيفما شاؤوا، بغية إذلالنا وقيادتنا إلى حظيرة عبوديتهم خدمةً لسادتهم، فإن هؤلاء واهمون، فلا يدركون أننا نأبى إلاّ أن نكون أحراراً أبدا. فلكم الفضل كله ومن خلال صحيفة النداء (سبرتاكوس هذا الزمن) حيث ألهمتمونا معنى أن نكون أحراراً. ولا يساورنا شك بأن صوت الحق أعلى وأقوى؛ فلابد أن ينتصر في نهاية المطاف على الطغيان والاستبداد.
أخيراً، لا يسعنا أعزائي إلاّ أن نشدّ على أياديكم ونحني هاماتنا إجلالاً؛ فشكراً لكم! لأنكم كنتم مع زملاء آخرين صوتاً لنا. ونثق أن الحق وإن طال انتظاره، لابد أن يقف إلى جانب المقهورين. ودمتم.
a_samiattaMail