معركة زواج الصغيرات:

معركة زواج الصغيرات:

 
 “أَكْلُ البيض” 
*  نبيل سبيع
لدى عضو لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في البرلمان، عارف الصبري، طريقته في المحاججة والبرهنة على ما ينافح من أجله. في سياق معركته التي يخوضها منذ عدة أسابيع إلى جانب زمرة من زملائه المتطرفين داخل البرلمان وعلى منابر المساجد ووسائل الاعلام ضد قانون يحرم زواج الطفلات، أصدر كتاباً تضمن جملة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مدعومة بما يراه حججا منطقية قاطعة على جواز الزواج بالطفلات. إحدى أبرز حججه هذه تقول: «قد يجوز للولي أن يمنع شخصاً أو أشخاصاً من أكل البيض مثلاً اذا كان يسبب لهم تحسساً أو يضرهم، ولكن ليس له أن يمنع جميع الناس من ذلك بحجة أن هناك من يتضرر”.
قضية الزواج بالطفلات هي محور جدل مستمر ومتصاعد داخل البرلمان والشارع والاعلام في اليمن منذ نحو شهرين. وهي تدور حول مشروع تعديل في قانون الأحوال الشخصية كانت الحكومة قدمته مطلع العام الماضي للبرلمان متضمنا مادة تحدد سن زواج الفتاة ب17 عاما وتعاقب مخالفه بالسجن 6 أشهر وغرامة مالية. تم التصويت على القانون لكن عددا من أعضاء البرلمان طلبوا إعادة المداولة، وتدخل الشيخ عبد المجيد الزنداني يومها، فجمد القانون. كان الصبري في مقدمة النواب الذين طلبوا إعادة المداولة، كما كان يتصدر جبهة الرفض أيضا. وقد نشر حينها موضوعا في صحيفة الناس الأهلية حاجج فيه قائلا: “قد تجوز للولي أن يمنع شخصاً أو أشخاصاً من أكل الموز مثلاً اذا كان يسبب لهم تحسساً وضرراً، ولكن ليس له أن يمنع جميع الناس من أكل الموز بحجة أن هناك من يتضرر”.
ليس بين المشاكل الصحية الناجمة عن الزواج المبكر أعراض حساسية من قبيل تلك التي تصيب البعض جراء أكل الموز أو أكل البيض. وفقا لتقرير اليونسيف عام 2009، تشيع اليمن يوميا الى المقابر 8 أمهات توفين أثناء الولادة، بعد أن كان عدد الوفيات 7 في 2008. أغلب حالات الوفاة هذه ناجمة عن الحمل المبكر. بحسب دليل توعية بمخاطر الزواج والانجاب المبكر صادر عن منظمة أوكسفام 2006، فإن “الحمل المبكر يعرض الأم لتعسر الولادة وطول فترة المخاض (…) لعدم اكتمال نمو عظام الحوض والأنسجة الأخرى لدى المراهقات قبل سن 18 سنة. في هذه السن يكون رحم الفتاة في طور التكوين لذلك لا يتناسب وحجم الجنين مما يؤدي إلى مضاعفات كثيرة مثل: الولادة المبكرة وتعسر الولادة الطبيعية وتعذرها في معظم الأحيان مما يؤدي للجوء لإجراء عملية جراحية (قيصرية) تعرض حياتها للخطر”. و”يزيد احتمال حدوث النزيف أثناء الولادة” في حالات الحمل المبكر كما قد يؤدي الى تمزق الرحم. هذا ليس سوى مثال على الأضرار الصحية الكبيرة التي تلحق بالآلاف من الطفلات والفتيات اللواتي يرغمن على الزواج في سن مبكرة واللواتي تلحق بهن، فضلا عن ذلك، مشاكل نفسية واجتماعية عديدة. غير أن عارف الصبري لا يضع لهذا كله اعتبارا.
ولا تقتصر مشاكل الحمل والانجاب المبكرين على الأمهات الصغيرات، بل يطال المواليد أيضا. بحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2005 الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فإن معدل وفيات الأطفال حديثي الولادة لأفقر 20% من السكان في اليمن قد بلغ 108.5 حالة وفاة لكل 1000 طفل، فيما بلغ نفس المعدل 60 لكل 1000 طفل وسط أغني 20% من سكان اليمن. ووفقا لتقرير مؤشرات التنمية الألفية في اليمن الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء في 2005، بلغ متوسط معدل وفيات الرضع 74.8 لكل 1000 مولودا وهو معدل عال مقارنة بالدول النامية والمنطقة العربية. وهناك إرتباط وثيق بين معدلات وفيات الأطفال حديثي الولادة والأطفال دون سن الخامسة من جهة والحمل والإنجاب المبكر من جهة اخرى. فبحسب دليل أوكسفام، تشير الإحصائيات إلى ارتفاع وفيات الرضع بنسبة 33% للأمهات المراهقات وترتفع نسبة وفيات الأطفال أثناء عامهم الأول إلى 40%. يقول: “أثبتت الأبحاث العلمية أن الحمل والإنجاب المبكر يؤدي إلي زيادة احتمال الولادة المبكرة (قبل اكتمال فترة الحمل) مما يؤدى إلى نزول الجنين غير مكتمل النمو أو مبتسرا غير قادر على متابعة الحياة”.
لا يكترث الصبري للمشاكل المروعة التي يلحقها الزواج بالطفلات بالمجتمع والبلد ككل لأنه ومن على شاكلته من رجال الدين المتطرفين داخل البرلمان متحالفون مع الفساد وسياسات نهب المال العام واشعال الحروب. منذ محاججته بـ«أكل الموز»، امضى الصبري أكثر من عام صامتاً فيما مرت من تحت عينه المئات من صفقات الفساد والتشريعات القمعية وسياسات الإفقار الشامل وسفك دماء اليمنيين واليمنيات في الشمال والجنوب دون أن يسمع له صوت داخل البرلمان أو خارجه. لقد آثر النائب الاصلاحي الشاب الانكباب على القضية الوحيدة التي تشغله: تحليل الزواج بالطفلات. وها قد وضع بين أيدينا حصيلة عام من الانهماك في التفكير والتمحيص وامعان النظر: كتاب «الزواج المبكر بين حراسة الاسلام وتآمر الاتفاقيات الدولية» الذي أصدره مؤخرا في خضم الجدل الواسع الذي يشهده البرلمان والساحة الحقوقية في صنعاء بشأن هذه القضية، وشبه فيه الزواج بطفلة بـ«أكل البيض”.
   في المستقبل، ربما بعد عقدين أو أكثر، حين ستأتي حفيدة الصبري وتحاول القاء نظرة على القضايا التي كان جدها يتصدى لها في مثل هذه اللحظة العصيبة من تاريخ اليمن، ستجد أنه كان منكباً على أمر واحد: تحليل الزواج بالطفلات. يعتبر الصبري الزواج بطفلة مشروعا دون أن يحدد سنا معينة. الدليل على ذلك كما يزعم موجود في القرآن الكريم، في الآية الرابعة من سورة الطلاق: «واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن». يضع الصبري خطاً تحت «واللائي لم يحضن» باعتبارها دليلاً  قاطعاً على جواز الزواج بالطفلات. وإذن- وفقا لهذه القراءة- فالزواج بطفلة عمرها عامان مشروع لأن ابنة العامين لا تحيض.
   ليس الصبري وحده من يستخدم هذه الآية كسند لرفضه قانون تحديد سن الزواج. في بيان موقع باسم العشرات من علماء اليمن ضمنهم الصبري نفسه، وردت الآية نفسها، ثم حددت «واللائي لم يحضن» بخط أحمر وبنط عريض، وكتب أمامها: «أي الصغيرات». والبيان، الصادر في بوستر (A3) بتاريخ الأول من ربيع الآخر 1431، قال إن مقررات مؤتمر بكين «بيجين» عام 1995 ووثيقة الطفل الصادرة عام من الامم المتحدة عام 2002 تدعوان «إلى الحرية الجنسية للصغار (الزنا والشذوذ الجنسي)». لا يمت هذا الكلام للصدق بصلة، وبوسع أي كان التأكد من ذلك من خلال الاطلاع على مقررات مؤتمر «بيجين» ووثيقة الطفل المتاحة للجميع على شبكة الانترنت.
  الأكاذيب التي تضمنها بيان علماء اليمن ليست مستغربة وليست اقصى ما يتوصل اليه رجل دين في هذا البلد. صاحب التوقيع رقم (3) في البيان، الشيخ عبدالمجيد بن عزيز الزنداني، تجاوز كل الحدود في مقابلة بثتها قناة السعيدة الشهر الماضي عقب صدور بيان علماء اليمن. قال إنه في مدارس البلدان الغربية التي تنادي بتحديد سن الزواج، حين يصل الأطفال إلى سن السادسة والسابعة والتاسعة، يتعرى الطلاب ومعلميهم، فيأتي الطالب ليمارس الجنس مع الطالبة والمعلم ليمارس الجنس مع المعلمة. هذا الكلام مسيء لا أساس له من الصحة ولا يمكنه أن يكون وليد مخيلة سوية على الاطلاق.
  الصبري، الذي هو أحد تلامذة الشيخ الزنداني، هو مثال مكثف على غياب هذه السوية. زواج الطفلات يدخل في عداد الاغتصاب والعبودية الجنسية طالما أنه يتم دون إرادة الطفلة أو الفتاة. وفي حين يقصف الصبري وكل من في تياره الاسلامي المتطرف المجتمعات الغربية ليل نهار بالشتائم وتهم الانحطاط والانحلال الاخلاقي، يقاتل باستماتة من أجل تشريع اغتصاب الطفلات ويستخدم لغة منحرفة ومنحلة لو سمعت في مجتمع غربي لزج بصاحبها في السجن.
  بتشبيهاته المهينة واللاأخلاقية لاغتصاب الطفلات بـ«أكل الموز» تارة وبـ«أكل البيض» تارة أخرى، لا يظهر الشيخ الناشيء أي احترام لملايين الطفلات والصغيرات اليمنيات والمجتمع برمته. إن المجتمعات المنحطة فقط هي التي تسمح لشخص يشبه اغتصاب الطفلات بـ«أكل الموز» و«أكل البيض» بأن يكون أحد مشرعيها.
 
***

استخدام سياسي متصاعد لزواج الصغيرات
عادت قضية الزواج بالصغيرات إلى الواجهة مجدداً بعد مروز أكثر من عام على تصويت البرلمان على مشروع تعديل في قانون الاحوال الشخصية يحدد سن الزواج ب17 عاماً ويعاقب مخالفه بالسجن ستة أشهر وغرامة مالية. القانون الذي أقره البرلمان مطلع العام الماضي، ولم يدخل حيز التنفيذ بعد طلب عدد من النواب المتشددين الرافضين له اعادة المداولة بشأنه، أصبح محل استخدام سياسي متصاعد. يقول رئيس كتلة الاشتراكي د. عيدروس النقيب: «كان المجلس قد حسم هذه القضية. ونرى الآن أنه يجري توظيفها سياسياً لتصوير المعارضة على أنها هي من يعرقل مسار القوانين مستغلين بعض الاعضاء».
الحزب الحاكم، الذي يبدي تلكؤاً واضحاً في اخراج القانون إلى حيز التطبيق، يتهم بالموازاة حزب الاصلاح بالوقوف حجر عثرة امام القانون. لكن هناك ما يضع هذا الاتهام في محل شك كبير.
فالنائب الاصلاحي نجيب غانم، رئيس لجنة الصحة بالبرلمان، أبلغ المجلس أكثر من مرة بمخاطر الزواج المبكر على صحة الصغيرات مستنداً على الابحاث علمية. وكان قد أصدر دراسات حول هذه المسألة وقام بتزويد البرلمان بأكثر من دراسة في هذا الشأن.
كما أن عبدالزراق الهجري، الذي يقود الكتلة الاصلاحية في غياب رئيسها عبدالرحمن بافضل ونائبها زيد الشامي، يعد من اكثر المتحمسين لمشروع قانون تحديد سن الزواج. فيما يتصدى شوقي القاضي لأي اعتراضات أو آراء مضادة للقانون، وقد أصدر الأخير كتيباً حول الجوانب الشرعية التي تثبت عدم مخالفة تحديد سن الزواج للشريعة داحضاً بالأدلة ما يستند عليه الفريق الرافض لتحديد السن.
لا يبدو الاصلاح حجر عثرة امام اقرار القانون، بل الاستخدام السياسي له من قبل المؤتمر. في منتصف فبراير الماضي، هاجم رئيس كتلة المؤتمر في البرلمان الشيخ سلطان البركاني اعضاء كتلة الاصلاح قائلاً انه اذا أرادت كتلة الاصلاح الا تحدد سن الزواج فيمكنها أن تضع لها قانوناً خاصاً بحزبها. تابع: «نحن هنا نشرع للشعب، ولا نشرع لكتلة معينة».
رد أعضاء كتلة الاصلاح بالبدء والاستمرار في الضرب بأيديهم على الطاولات محتجين على ما اعتبروه توظيفاً سياسياً من رئيس كتلة المؤتمر ضدهم. تولى عبدالرزاق الهجري الرد قائلاً: «بلاش توظيف سياسي هذه آراء شخصية ولا تعبر عن رأي كتلة الاصلاح».
كان الهجري يشير إلى النواب الإصلاحيين المتشددين الذين يرفضون تحديد سن الزواج. الهجري هو المتحدث الرسمي باسم الكتلة وموقفه مضاد تماماً لموقف الاصلاحيين المناهضين لتحديد سن الزواج، كما سبقت الاشارة. فضلاً عن ذلك، ففريق مناهضة تحديد سن الزواج لا يتألف من الاصلاحيين فقط بل من المؤتمريين أيضاً.
تمثل لجنة تقنين احكام الشريعة الاسلامية. نواة الرفض الرئيسية والصلبة لقانون تحديد سن الزواج. وهي تتألف من 7 أعضاء، 4 منهم ينتمون إلى كتلة المؤتمر التي يرأسها الشيخ البركاني، كما أن رئيس هذه اللجنة مؤتمري.
ولا يقتصر التوجه المؤتمري المناهض لتحديد سن الزواج على اعضاء الحزب الحاكم في لجنة تقنين احكام الشريعة. ففي قوام الفريق المناهض لهذا القانون خارج اللجنة، يشكل المؤتمريون اغلبية ايضاً. وفي كافة الأحوال، فإن الحزب الحاكم يتمتع بالاغلبية الكاسحة التي تمكنه -اذا أراد- من اقرار القانون دون الإلتفات إلى أحد. وهذا ما يجعل من اتهامات المؤتمر للإصلاح بالوقوف حجر عثرة أمام القانون ترتد على نفسه.
 
 
***
 
 
في حين يترقب الجميع ما ستسفر عنه المعركة الجارية في البرلمان وعلى منابر المساجد ووسائل الإعلام حول قضية زواج الصغيرات، يبدو أن نتيجة هذه المعركة معلقة على سلسلة من اللقاءات الودية التي تجريها منذ نصف شهر لجنة برلمانية غير معلنة. ليس أمام المناصرين لقانون تحديد سن الزواج أن يفرطوا في التفاؤل. قد يحصلون على القانون، ولكن دون اية فاعلية.
في 23 مارس المنصرم، تفتقت قريحة رئيس مجلس النواب العميد يحيى الراعي عن تشكيل لجنة برلمانية للتوسط بين تياري مناهضة وتأييد قانون تحديد سن الزواج اللجنة، التي تشكلت من رئيس لجنة المستقلين الشيخ علي عبدربه القاضي والنائب الناصري عبدالله المقطري بعد لقاء الراعي بممثلات عن منظمات المجتمع المدني، كلفت بإقناع التيار المناهض لقانون تحديد سن الزواج بسحب طلبه اعادة المداولة في المادة (15) من قانون الاحوال الشخصية التي تحدد سن الزواج بـ«17عاماً» وكان البرلمان أقرها مطلع العام الماضي.
لم تلتق اللجنة بالنواب المراد اقناعهم في اجتماع خاص بل تقوم بالتشاور معهم ومناقشة الأمور في لقاءات ودية في اطار مساع للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف بما لا يتجاوز الجانب الشرعي، بحسبب عضو اللجنة عبدالله المقطري. وقد قامت بالتقاء بالنائبين الاصلاحيين محمد الحزمي وعارف الصبري وغيرهم من اعضاء التيار المناهض لتحديد سن الزواج واستمعت إلى آرائهم وأدلتهم ومطالبهم. كما التقت بالنائب الاصلاحي شوقي القاضي وآخرين من اعضاء التيار المؤيد للقانون.
وبحسب المقطري فقد ركز الفريق الأول في تناوله للقضية في الجانب الشرعي، في حين ركز الفريق الثاني في تناوله للقضية من الجانب العلمي والصحي والاجتماعي وقدم أدلة شرعية ودراسات علمية وطبية وفحوص واستدل بحالات ومعاناة اجتماعية بسبب الزواج المبكر. وفيما اعتبر جميع هذه الأبعاد هامة وينبغي أن تراعى، أكد أن اللجنة لا تستطيع أن تتجاوز أياً من هذه الابعاد.
 قد يكون ابرز الصعوبات التي تواجهها اللجنة هو التوفيق بين رأيي الفريقين. لكن هدف اللجنة يتمحور حول هذه الصعوبة بالذات. يقول المقطري: تسعى اللجنة إلى أن تخرج بحل مقنع للجميع بحيث تراعى فيه كافة الأبعاد وتهدف إلى تقريب وجهات النظر بما لا يتعدى الجانب الشرعي.
الطرف الرئيسي الذي تستهدف اللجنة اقناعه هو التيار المناهض للقانون. وبحسب المقطري فقد خرجت اللجنة بإقناع هذا التيار بتنازله عن طلبه اعادة المداولة في المادة (15) على أن يوافق البرلمان على 12 شرطاً وضعها هذا التيار على البرلمان.
أحد هذه الشروط أن يتم عرض الفتاة قبل 17 عاماً أمام القاضي ليحدد ما اذا كانت جاهزة للزواج أم لا. لم تعلم «النداء» بتفاصيل الشروط الـ«11» المتبقية ولكنها علمت بأنها تتعلق بتخفيف العقوبة التي تضمنها القانون المقدم من الحكومة.
لم يظهر رئيس مجلس النواب يحيى الراعي أي موانع للشروط التي طرحتها الجماعة المناهضة لتحديد الزواج اذا قبلت فقط بتحديد سن الزواج بـ«17 عاماً». وطبقاً للمقطري، فقد ابدى الراعي تفهمه لشروطهم وأشار الى أنه بإمكان المجلس «تقبل شروط النواب الرافضين لتحديد سن الزواج بإضافة أو تعديل فقرات، بما فيها تخفيف العقوبة المطروحة في القانون».
تواجه اللجنة تعقيدات عدة لاسيما بعد أن خرجت القضية من قاعة المجلس وتحولت إلى قضية سياسية وفقاً للمقطري.
وكما تبدو لقاءات اللجنة والشروط المطروحة من قبل التيار المناهض لتحديد سن الزواج غامضة، فقد جمدت اللجنة تحركاتها حالياً بعد أن فشلت في التوفيق بين رأيي التيارين اللذين تمسكا بمواقفهما وشروطهما، طبقاً للمقطري.
لكنها تنوي معاودة مهامها في الأيام القادمة. فإلى أي مدى قد تطول هذه المعركة وإلى أين ستصل؟ يرى عبدالله المقطري أن المادة لن تنزل للقاعة للتصويت عليها إلا بعد «أن تتوصل اللجنة إلى اتفاق الطرفين». وشكك بأن تنتهي المعركة بحسم خارج هذا الاتفاق من قبيل اصدار تعميم على نواب المؤتمر، كما كانت معلومات غير مؤكدة تم تداولها السبت.
غير أن الاتفاق الذي يتحدث عنه المقطري يبدو متعذراً في ضوء تصلب الطرف المناهض للقانون. في الثانية عشرة من ظهيرة السبت الماضي، بينما كان الحزمي يعبر ساحة البرلمان باتجاه البوابة مغادراً، توقف لدقائق للإجابة على سؤال وجهته له «النداء» بخصوص لجنة الوساطة وحول ما إذا قررت كتلة المؤتمر دعم التيار المؤيد لقانون تحديد السن. قال الحزمي: «مافيش لجنة.. ولن يستطيع المجلس إقرار المادة».
 

****

اهتمامات مناهضي قانون تحديد سن الزواج مقابل اهتمامات المؤيدين
* هلال الجمرة
يقف هزاع المسوري وعارف الصبري ومحمد الحزمي على رأس مجموعة من نواب البرلمان الرافضين لمشروع قانون مقدم للبرلمان يحدد سن الزواج ب17 سنة. في المقابل، يقف صخر الوجيه، وشوقي القاضي، وعبدالرزاق الهجري، وعبدالعزيز جباري على رأس المجموعة المؤيدة للقانون. لكن مشروع القانون ليس وحده ما يجعل المجموعتين على طرفي نقيض. فإلى جانب ذلك، هناك هوّة كبيرة بينهما في التعاطي مع قضايا الفساد وقضايا أخرى ماسة تهم البلد تُطرح أمام البرلمان.
لنلقِ نظرة على تفاعل وأنشطة النواب تجاه جملة قضايا طرحت أمام البرلمان خلال الفترة الماضية. جدول الأعمال للدورتين السابقة والحالية يتيح لنا التعرف على أبرز القضايا التي طرحت: قضايا أمنية، فساد، التعليم، حقوق وحريات، سيادة البلد، انتهاكات خارج القانون، تنموية، اجتماعية، بيئة، انهيار صرف العملة، اقتصادية، والسلطة المحلية.
ما الذي يهم هزاع المسوري من بين هذه القضايا؟
لا شيء.
يقتصر حضور هزّاع المسوري، وزميله عارف الصبري، إلى المجلس للتوقيع على حافضة الدوام، والجلوس في نهاية القاعة يمين المنصة، وتصفح صحيفة “السياسية”، علاوة على تبادل الحديث الجانبي، حتى وقت أذان الظهر، فينسحبان رفقة عبدالله العديني، غير مكترثين لصفقات الفساد أو التقارير الرقابية التي تناقش أمامهم.
ويحضر صوت هؤلاء، فقط، عند الحديث عن الفساد الأخلاقي. مثلاً، في 12 يوليو 2009، تصدّرت أسماؤهم قائمة البرلمانيين الموقعين على طلب قدموه إلى رئيس مجلس النواب لاستدعاء الحكومة وتخصيص جلسة الثلاثاء، 14 يوليو، جلسة مغلقة لمناقشة “الفساد الأخلاقي الذي عمّ بلاؤه وطغت نجاسته في بلاد الإيمان والحكمة”. في حين، تقدّم عبدالزاق الهجري، في منتصف فبراير الماضي، بطلب لاستدعاء هيئة مكافحة الفساد لمعرفة ما أنجزته خلال عامين من إنشائها. وفي 20 فبراير الماضي، طالب صخر الوجيه وعيدروس النقيب وعبدالرزاق الهجري ونبيل باشا رئاسة المجلس بطلب الحكومة لمناقشة الأوضاع الأمنية في محافظة لحج وحقائق الضربة الجوية التي استهدفت منطقة المعجلة بمحافظة أبين.
ومن جدول أعمال الدورتين السابقة والحالية، يتضح الخمول واللامبالاة لدى المسوري والصبري إزاء ما يجري في البلد، مقابل التنبه والشعور لدى الوجيه والهجري والنقيب ومحمد صالح قباطي. تضمن جدول الأعمال سؤالاً لصخر عن قضايا فساد كامنة تبدو في القرار الجمهوري بإنشاء المؤسسة العامة القابضة للتنمية العقارية والاستثمار (شبام القابضة)، وما الغرض من إنشائها والمجالات التي ستعمل فيها؟ وما المشاريع التي شرعت في تنفيذها؟ وكيف سيتم مراقبة المؤسسة في أسهمها عند الدخول في شراكة مع القطاع الخاص؟ في المقابل، تضمن الجدول 6 أسئلة للحزمي أبرزها يستفسر فيه رئيس الوزراء عن الإجراءات التي تم اتخاذها لمكافحة الفساد الأخلاقي. هل يمكن أن نساوي السؤالين، بما يمثلانه من أهمية لدى المواطن.
ووجّه صخر الوجيه، الذي يقف على رأس التيار المؤيد لتحديد سن الزواج، سؤالاً لوزير الاتصالات حول العقد بين شركة تيليمن وشريك أمريكي، والصفقة التي حكمت فيها محكمة فلوريدا الأمريكية بتغريم شركة أمريكية مليون دولار، بسبب تسليمها رشاوى لمسؤولين يمنيين، وعن آلية إرساء العقد، ومن المسؤولون اليمنيون، والإجراءات التي اتخذتها الوزارة لمحاسبة هؤلاء. وتقدّم عيدروس النقيب، رئيس كتلة الحزب الاشتراكي، بسؤالين يتعلقان بالاعتقالات التعسفية وغير القانونية، والإجراءات التي اتخذتها قوات الأمن ضد صحيفة الأيام واقتحام الصحيفة، وعن المبرر القانوني لمنع صدور صحيفة الأيام وصحيفتي النداء والوطني، وعن تعذيب المعتقلين السياسيين في الأمن السياسي.
يبدو هزاع المسوري غير مكترث لا هو ولا زميله الصبري لما يجري من اختلالات أمنية، وقضايا فساد. على عكس النائب محمد صالح علي قباطي، الذي يبدي اهتماماً بالغاً، في نقاشه داخل المجلس ولدى تقديمه أسئلة رقابية، بحقوق الإنسان، والحق بالنضال السلمي، والخشية من تداعيات الأوضاع الأمنية في المحافظات الجنوبية، وقمع المواطنين العزل بالسلاح، وقتل وجرح وإخفاء قسري واعتقال عدد منهم، وعلى رأسهم أساتذة في الجامعة.
ويتميز الحزمي على زميليه بتفاعله في قضايا رقابية أخرى برغم شعوره القلق بالتآمر على الإسلام ووسواس اتفاقية السيداو. وتقدم خلال الفترة الماضية بأسئلة حول الغش في مواصفات المازوت الذي يزود به مصنع أسمنت البرح، وخلط المتعهد للمازوت بمادة الديزل ما يؤثر على مكائن المصنع، وقدم سؤالاً إلى وزير الصحة، مكوّناً من عدة فقرات، عن الفساد المالي في المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة، ومخالفته لقانون المناقصات والمزايدات، والتوزيع المزاجي للميزانية، وعدم التقيد باللوائح والقرارات والقوانين المالية، إضافة إلى الفساد في الشؤون الفنية مثل صرف محاليل منتهية الصلاحية أو على وشك الانتهاء، وتوقف بنك الدم بعدن بسبب عدم وجود المحاليل الطبية.
ففي حين قدّم النائب عبدالباري دغيش، وهو ضمن مجموعة النواب المطالبين بتحديد سن الزواج، وعضو لجنة الصحة في مجلس النواب، أسئلة عن ضخ البنك المركزي لكميات كبيرة من النقود المخزنة، وطباعة فئات جديدة من العملة اليمنية، وما هي الآثار المترتبة على حياة الناس ووقع الحركة الاقتصادية اليمنية في ظل تراجع احتياطي اليمن من النقد الأجنبي وتراجع الصادرات، وسؤالاً حول إستراتيجية اليمن في ما يتعلق بمشكلة النزوح المستمر للاجئين الأفارقة إلى اليمن، تساءل النائب الإصلاحي مفضل إسماعيل الأبارة، أحد النواب المؤيدين لتحديد سن الزواج، حول الإجراءات التي اتخذتها وزارة الزراعة لمواجهة وباء انتشار الدودة الحلزونية في المناطق الشرقية، وفي مديرية المزهر بمحافظة ريمة.
وفي الفساد المالي تقدم الحزمي بسؤال لوزير الإدارة المحلية بشأن المستند القانوني لبيع مبنى الإدارة العامة للواجبات الحكومية بأكثر من 232 مليون ريال، من قبل المجلس المحلي بأمانة العاصمة.
ولا يجوز معادلة سؤال الحزمي عن تقليص حصص القرآن الكريم واستبدال ما تبقى بحصص التربية الفنية في المدارس، بآخر للنائب المؤتمري سالم حيدرة بشأن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة في توصيات المجلس الأعلى لتخطيط التعليم وتقويم الإدارة المدرسية التي تقوم بصرف واستلام مستحقات المنقطعين، مع تحديد عدد المنقطعين وإجمالي مستحقاتهم التي استلمتها الإدارات المدرسية، وأسباب عدم دفع طبيعة العمل المعتمدة للمعلمين.
وتختلف أهمية وضرورة تقديم الأسئلة، فهناك أسئلة قدمها الحزمي، نال بها إعجاب القاعة وتركيزهم، كالسؤال الذي قدمه في الفترة البرلمانية السابقة لوزير النفط، وكشف فيه عن وجود خلل كبير وفساد مخيف، وضع خلاله الوزير في موقف محرج، إذ عقّب على رد الوزير السطحي بمعلومات وبيانات أكثر تفصيلاً. وأخرى، لا يرضي بها إلا ذاته، كسؤاله حول مكافحة الفساد الأخلاقي.. وأخرى عديدة.
حملة استباقية لحشد مؤيدين
ويحضر إلى جانب هؤلاء ثمة متعاطفون يؤيدونهم، مثل النواب: عبدالله العديني، صادق البعداني، فيصل الحبيشي، علي العنسي -وهذا يتعاطف فقط لكونهم شيوخ دين بنظره، وقد كشف عن ذلك حين رفض وزير العدل الحضور إلى لجنة تقنين أحكام الشريعة، وهو ما اعتبره إهانة بحق المشائخ وتجريحاً- صالح السنباني، علي الورافي، أحمد يحيى الحاج، عباس النهاري، ومحمد الحاج الصالحي. هؤلاء يحضرون في التوقيعات وخلال التصويت، وإذا لزم الأمر، فيتحدث منهم عبدالله العديني وعلي العنسي وصادق البعداني وصالح السنباني.
وفي 20 مارس المنصرم، دخل الحزمي بحزمة الـ”فتاوى وأشرطة خطابات التي تحرم تحديد سن الزواج”، وبدأ بتوزيعها على الحاضرين وحيداً، بينما انحصرت مساعدة مؤيديه النائبين هزاع المسوري وعارف الصبري، على التوجيه بالنواب المستهدفين. ولأسباب غير واضحة تعمّد الحزمي إعطاء بعض النواب فتاوى فقط، فيما زاد آخرين بأشرطة خطابات لهم تحرم تحديد الزواج.
مثلاً منح الشيخ ياسر العواضي نسخة من بيان العلماء أو فتواهم بعدم الزواج مع شريط خطابي، فيما اكتفوا بمنح عبدالعزيز جباري ونبيل باشا وآخرين كثر نسخاً من البيان فقط.
وفي اليوم التالي، أتى زميله عارف الصبري حاملاً عدداً من الكتب بعنوان الزواج المبكر، تتضمن أحاديث وأدلة تحرم تحديد الزواج المبكر، وقام بتوزيعها على النواب، ويكتب عليها إهداءات، ويحثهم على الاستفادة منها، وجلسوا 10 دقائق قبل افتتاح الجلسة يقنعون جباري بالتصويت لصالحهم. فيما قام الحزمي بمساعدته أيضاً.
هذا بعد أن طلب عدد من النواب إعادة المداولة فيها قبل عام ونيف، بتوقيعات جمعها الحزمي، وكانت الحكومة قد ارتضت حلاً وسطاً بشأنها، وهو أن تحدد السن ب17 عاماً بدلاً عن 18 عاماً كما قدمت في مشروعها.
وفي 27 مارس، طالب النائب صخر الوجيه بإنزال تقرير لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، التي طلبت إعادة المداولة، تم في 27 فبراير الماضي، إعطاؤها مهلة لمدة أسبوع لكي تنجز التقرير، وطلبت من وزير العدل الحضور إلى اجتماع اللجنة لمناقشة المادة، وطرح عدد من الاستفسارات عليه. لكنه رفض وقال إنه لا يملك أي جديد لكي يرد عليهم، وإن الوزارة قد أجابت على كل استفسارات اللجنة في وقت سابق، وليس لديه ما يضيفه.
واستغرب الوجيه تأخر اللجنة في إنزال التقرير، وقال إن “الموضوع لا يحتاج إلى مفتين، وإنه يتعلق بمشاكل صحية ودراسات علمية تؤكد وجود مخاطر على الطفلة في حال الزواج المبكر”. وشدّد على أن المجلس “ليس مكاناً للإفتاء، لكنه مكان للتشريع، ومن يريد أن يفتي فليخرج خارج القاعة”. وزاد موضحاً: “نحن هنا لنشرع للناس. ولو كانت الأمور يراد لها أن تنتظر للفتوى لما لزم عليهم أن يضعوها أمام المجلس لإنزالها كقانون”.
وبحسب أحد النواب فقد اشتاط عبدالله العديني غضباً، وقال لصخر: “أنت علماني تتبع اليهود وتؤمن باتفاقية السيداو”.