أيوب.. صانع الحب والفرح

أيوب.. صانع الحب والفرح

* فائز عبده
كطائرٍ كامل الحرية في التحليق عبر فضاء الأماني، وفي نياط القلوب، يغرِّد أنَّى شاء ومتى أراد. يختار من سِفر الهوى نغماته، وينشر في أرجاء الأمكنة ألحان حبٍّ أصيل، ويرسل شجوه العذب إلى كل القلوب. يرسم للوجود حياةً أخرى، ويبث من أنفاسه العبقة بأريج الود، روحاً، بها يسمو ليبلغ أعالي الوجد، وعلى عرش الجمال يستريح.
إليه تهفو أفئدةٌ تروم الفرح، فتلقى لديه سبيلاً إلى السلا والمسرَّة. وإليه يلجأ ذو شجنٍ مغبونٌ، فيلفى الترويح والتسرية. ومنه يرتجي حزينٌ عزاءً ومواساة. يعطي من ألوان العشق وآيات الوجد وصنوف الأشواق لكل عاشقٍ ولهان، أو محبٍّ هيمان، أو مفارقٍ يشكو البين والهجران، أو مسافرٍ بعيداً عن الأهل والأوطان.
ذلك هو أيوب طارش عبسي: الفنان الكبير، صاحب الرصيد الأعلى في الإنجاز الإبداعي والانتشار الجماهيري، والحائز على إجماع محبيه ومعجبيه على تمثيله بصدقٍ قلوبهم ومشاعرهم، واعتباره رسول الفرح ونبي المحبة، والناطق بلسان كل الأحبة.
لا تكاد تخلو مناسبةٌ فرائحيةٌ من حضور أيوب طارش: يحضر الفنان القدير بصوته الشجي، معبراً عن فرحة لمِّ شملٍ هنا، ولهفةِ لقاءٍ بعد غيابٍ هناك، مستعيداً لحظةَ سعادةٍ حيناً، ولوعةَ عشقٍ حيناً آخر، موقظاً جذوةَ شوقٍ تارةً، وباثاً أملاً بقادمٍ جميلٍ تارةً أخرى.
يحضر فنان الشعب في كل عيدٍ للوطن الذي غنى له وتغنى به بقدر حبه إياه. فما من مناسبةٍ وطنيةٍ تمرُّ دون أن يكون هو عنوانها، وهو السبيل إلى تخليدها والتذكير بها. بل إنه لا يمر يومٌ من غير أن نسمع بصمة أيوب طارش في طابور الصباح، في تحية العلم، وفي النشيد الوطني حين يصدح في بقاع الدنيا، ويتردَّد في حنايا كل مجبولٍ على حب اليمن.
للأرض نصيبٌ في أغنيات أيوب، كما لإنسانها الفلاح والعامل، المغترب والمواطن، المدعوين كلهم، من قِبله، لخدمة وطنهم الحبيب، الذي غنى لوحدته قبل أن تتحقق، وحذَّر في ذات الوقت من أن يحدث من بعدها الانقسام والتمزق.
آمن أيوب طارش بقضية الوطن الغالي، وجنَّد نفسه وفنه للنهوض بها؛ داعياً ومسانداً، مبشراً ومحذراً، دون انتظار مقابلٍ لما يفعل، أو شكرٍ على ما يسعى إليه من أجل بلادٍ لا يحظى، في ظل دولتها، ذو إبداعٍ بتقديرٍ، ولا يجد خادمها امتناناً وتكريماً.
الطبيعة نالت حظها من نتاج أيوب طارش؛ صاحب الأحاسيس الرقيقة والراقية، فرحل عبر تكويناتها المتنوعة؛ مأخوذاً بسحرها وجمالها، مستمتعاً بمناظرها الفاتنة ونسيمها العليل، ناقلاً إلى مستمعيه صورةً فردوسيةً تسلب الألباب وتذهب بالعقول.
إنه أسطورة الأغنية اليمنية، وفارسها بلا منازعٍ. اجترح أداء كافة ألوان الغناء اليمني، فأجاد وأبدع. خاض في تأليف الموسيقى وابتداع الألحان، فكان نعم الصانع المتقن. ولم يدع نوعاً من الأغاني إلا وغاص في فصولها: الوطنية والعاطفية والإنسانية والدينية. ومثلما إن نغمة عوده تدل عليه، ويُعرف بها، فإن صوته –كما قال صديقٌ- هو الأصدق تعبيراً عن اليمن؛ خَلقاً وانتماءً.
على أنه لا يجري استذكار أيوب طارش، في أية حالٍ، دون أن يأتي اسم توأمه الفني ورفيقه في رحلة عطاءٍ كوَّنا خلالها ثنائياً رائعاً يكمل أحدهما الآخر؛ هو الشاعر والمناضل الكبير الأستاذ عبدالله عبدالوهاب نعمان “الفضولـ”. وكان الثنائي الفذ الذي أنتج مجموعةً ضخمةً من الأغنيات الوجدانية والعاطفية والوطنية.
سيظل أيوب طارش عبسي، بالنسبة للأغنية الشعبية في اليمن، سلطانها المتوج بأكاليل الحب: حب الوطن، حب الإنسان، حب الأرض، حب الطبيعة، وحب الحبيبة أولاً وآخراً. لا ينازعه في ذلك إلا من امتلك كل هذا الحب، وأعطى كل ما فيه من حياةٍ وعاطفةٍ، دون أن ينال نزراً من جنس ما بذل. أجزم أننا لن نشهد منافسةً من هذا النوع. ذلك أنه –بكل بساطةٍ- ليس أحدٌ مؤهلاً لارتقاء صرحٍ بلغه، عن جدارةٍ، أيوب طارش.