أن تكون عدن بلا “جنبية”!

أن تكون عدن بلا “جنبية”!

* منصور هائل
تلاشى وتبدد طغيان حضور الخنجر اليماني من أرجاء عدن بعد أن كان قد شاع وتفشى كأية جائحة من جوائح حرب 1994، وكاد يتكرس كعلامة على اكتساح حراك القبائل المسلحة والهضاب الشمالية العليا لسهول تبن وسواحل عدن، ويتعمم كرمز لهوية “وطنية” بعد أن كان يؤشر إلى هوية قبلية وإلى اقتصاد مكانة ووجاهة ما رفع الحجاب عن سعي مفضوح لتعويم منطق السلطة الهرمية التراتبية التي أريد لها أن تنطح عدن بقرون الوعول والخراتيت التي يصنع منها مقبض الخنجر إياه.
وليس ثمة خنجر آخر نقصد غير “الجنبية”، فهي خنجر ذو نصل معقوف، وقد جرى تسويقها “مركزياً” بما هي رمز للفحولة والشرف والنزاهة والتحدي، ومعقد للرهان والتحكيم العرفي، وما إلى ذلك من المفردات المتعالقة مع أفق التعبير عن النظام القبلي وشاراته الرمزية المميزة وفي مقدمتها “الجنبية”.
وما كان لـ”الجنبية” أن تخطر على البال لولا غيابها عن مجال نظري خلال فترة تزيد على 10 أيام قضيتها في عدن مؤخراً، ورصدت خلالها حركة السابلة في الشوارع والمتنزهات والسواحل، ولم تكتحل العين بمنظر خنجر، ولم أصادف أي كائن بري طارئ على المدينة وهو يرفل بـ”العسيبـ” ويختال بزهوه وتحديه واعتداده وتكشيرته في ما حوله على غرار ما كان يفعل بعضهم عقب غزوة 7/7 وفي الأعوام القليلة التالية لحرب 1994.
تعجبت من عدن وهي توشك أن تكون بلا “جنبية” في فترة وجيزة لا تقاس بزمن مسافة سحابة صيف. واستحضرت الكثير من المشاهد والمناخات التي عشتها عقب تلك الحرب التي أسفرت عن تحويل الجنوب بكامله إلى مدن للغنيمة، وكانت عدن هي المستهدف الأول في عمليات السلب والنهب وطمس المعالم وتجريف العلامات ومسح الذاكرة والذاكرات، وتنويم ومسخ وتشبيح الكائنات تضمن منزع إلغائي إرادوي جامح تقصد جرجرة هذه المدينة بأذيال الحرب، وشدها بتلابيب القبائل المسلحة، وتعليقها على شفرة نصل خنجر معقوف.
وساورني هاجس تأثيرات ومفاعيل الحراك الجنوبي الذي اندلع بقوة منذ أكثر من 3 أعوام، وما يمكن أن يلعبه دوره وتأثيره في المنحى الذي جعل من “الجنبية” أداة لصيقة الارتباط بالقوى التي اجتاحت عدن عقب حرب 1994، وصارت ترمز إلى شمال اليمن برمته وعمومه، بمقتضى أجواء الاحتدام ومناخات الاحتراب والتقاتل والتآكل التي تفترس معظم اليمن، وهي مناخات تستحضر أسوأ التصنيفات والتعميمات العنيفة والمدمرة، ومعها أقبح الرموز والاستعارات والضغائن.
وهجست بشيء آخر وأبعد يرجع إلى عدن التي تمكنت من صهر “الجنبية” وتبخيرها بقدرة سحرية عجيبة، مدهشة، صار معها السؤال عن سر تواري هذا السلاح يدعو إلى الدهشة، فهي اختفت وكفى.. أما كيف ومتى، فليس ثمة من سر غير قوة هذه المدينة، ومن الأفضل التوجه بهذه الأسئلة إلى البحر، وإلى طاقة الاستيعاب والصهر العجائبية التي تتميز بها عدن دون سواها، وتمكنها من إعادة صياغة الكائنات الطارئة والمتطيرة والمتعدية، ومن تقليم مخالب المتوحشين وتهدئة خواطر الطرائد المذعورة. وتلك هي..: عدن.
ولكم أن تقولوا إن ذلك هو بعض عدن!