وحدة لوحدي

وحدة لوحدي

* أحمد سيف حاشد
– كانت الوحدة مشروعا كبيرا، غير أن النهابين الذين أرادوها فودا وغنيمة، عمدوها بالموت وبرك الدم.. وأشبعوا حلمنا الجميل قتلا وقمعا وتنكيلا.
– قلنا لهم المنتصر مهزوم، غير أن غرورهم بلغ الجبال طولا، وضرب على أبصارهم ألف غشاوة وجدار.
– قلنا لهم “لا المهزوم يفنى ولا المنتصر ضامن بقاه”، فقالوا لنا إن التاريخ وصل منتهاه، وإنهم صانعوه، ولم يعد للمهزوم خيار غير الذل والمسكنة حتى قيام الساعة.
– كل ناهب شد مئزره وفتل ساعده بالسلطة والقبيلة وحمل ساطوراً وداس كل جميل واقتطع من الغنيمة ما اشتهى، فيما كان المهزوم يبتلع غصته سكيناً من وجع ونار.
– بدأت جمعية ردفان تشعل أمل الولادة، وحمل المقاعدون الرايات الأولى لبشارة ميلاد وتغيير آتٍ، وكانت الضالع وردفان في المقدمة، قامة الوطن وشموخه.. فيما ظل النهابون للتاريخ والوطن يمارسون الانفصال كل يوم باسم الوحدة والوطن، حتى صنعوا بين الشمال والجنوب ألف برزخ من ذعر وقتامة وعداوة وضغينة.
– كان الوجع الطالع من أعماق الروح يتجمع ويثور بجنون.. يشق جبال الصمت ويخرق السماء كعمود ضوء أو مارد من نار، فيما كان النهابون يحاصرون الصوت ويطاردون الصدى ويحاولون قتل نبض الحياة وكسر صمود الرجال..
– ظنوا أن إرادة الشعوب يمكن أن تفل وتكسر بالحديد والنار والسجون، وأن المجد يبنى بالجنائز والمقابر والحطام، ولكن أثبت الزمن، بعد صبر طال، أنهم أكثر من واهمين، وقمع الشعوب، إن طال، فهو إلى حين يتبعه قيامة وحساب..
– أغلقوا الصحف وصادروا الأقلام وكمموا أفواه الشهود، وحاولوا إسكات كل صوت حر، غير أن الصوت الحر المملوء وجعا وناراً بلغ مداه ووصل أرجاء الكون صداه..
– لم يترك الحراك اليوم مكانا هناك إلا وزرعه أملا، احتجاجا وتمردا ضد ظلم مجحفل بالقبيلة.. يمضي الحراك حياة ووعياً وثورة تصعق جبال الظلم.. تملأ الفضاء أملا ومشروع حرية..
– غير أنه يدميني الحزن وأنا أرى شطرا ما زال مثقلا بالخوف، يعيش أهله حياة العبيد، يستمرئ الظلم، ويتخذ خده مخدعا وفراشا لطغيان يستحل الأهل والدار والعار..
– متى يولد أمل في هذا الشطر لينهض بحراك مارد يطيح بطغيان أذله واستعبده عهدا وعقود؟!
– لن يكون هذا الشطر العاثر، المقطوع الوصل، والمبعثر أشلاؤه وولاؤه، وحدويا إلا إذا انتصر لنفسه وكرامته المهدرة أولا، وانتصر لعدالة وحرية شطر ثائر ومثال.. ولا حرية لشطر كرامته تستباح، وأهله كل يوم يثبتون للعالم أنهم لا يزالون أكثر من عبيد..
– لن تبقى الوحدة يا هذا الشطر البائس، بساق واحدة.. لن تكون هناك وحدة وروح هذا الشطر المبطوح مسكونة بحياة العبيد.. لن تكون للوحدة شأن يعلى ولسان الحق فيه مقطوعة أو مقلوعة.. الوحدة لن تكون مستقبلا إن كان المستقبل فيها خراباً ومحض سراب..
عضو مجلس النواب