باقيس يحط الرحال

باقيس يحط الرحال

* فؤاد راشد
غيب الموت الأسبوع الماضي واحدا من رجالات الثورة الأكتوبرية الذي يشار له بالبنان كلما جاء الحديث عن سيرتها العطرة، وتوقف أمام محطات نضالاتها المفعمة بالتضحية والفداء والوفاء.
الحاج صالح باقيس تجذر بنور العطاء المتدفق في ذاكرة الثورة، وذاكرة الجنوب المعطاء التي لا تعرف العطب، ولا يوهنها تقلبات الزمن، ولا ضربات الدهر، ولا متغيرات الدروب!
انهمرت الدموع من عيني حين سمعت خبر وفاته في النشرة الرسمية لتلفزيون صنعاء يوم الأربعاء الماضي، حتى ظن السجناء أنني ابنه، فقاموا بتقديم التعازي تعبيرا عن المشاركة الوجدانية في الحزن، دون أن يعرفوا من هذا الرجل، وما هي القيمة التي يمثلها في ثورة أكتوبر، وما القيمة الرمزية التي يمثلها في هذا الظرف تحديدا.
ولا أدري في واقع الأمر ما هي الدوافع الجامحة التي دفعتني للبكاء، وأنا البخيل جدا على ذرف الدموع حتى في وفاة والدي.. لم أبك لحظتها إلا بعد أن عدت إلى البيت عقب تشييع جثمانه الطاهر على كتفي إلى مثواه الأخير.. في البيت أمام والدتي وشقيقتي بكيت كثيرا.
ربما كنت أحتاج إلى البكاء، وأبحث عن سبب وجيه يدفعني لذلك… حتى الزميل أحمد الربيزي بكى أيضا، وأظن صلاح السقلدي فعل ذلك.
رحم الله الحاج صالح.. لقد عاش بطلا شريفا، ومات بطلا محافظا على تاريخه النضالي الناصع، ولم يرهنه لمغريات الحياة رغم أنه عاش سنواته الأخيرة في ظروف معيشية قاسية دفعت بالكثير في مثل حالته إلى الانكسار والانحناء والنكوص المر!
شأن أولئك آخر، وشأن باقيس البطل الأكتوبري المجيد لا يقاس بمن يسقط صريع الجوع والحاجة لمنزل وسيارة ودرجة وظيفية ورتبة عسكرية وقطعة أرض وورقة بنكنوت.
إنه آخر تماما شارك في صناعته مناخ وجغرافيا الجنوب بتضاريسها المتنوعة، حيث ظل يتنقل من حضرموت إلى المهرة إلى الضالع إلى شبوة إلى أبين إلى يافع إلى ردفان إلى عدن، يتكون من طبيعة هذه المناطق التي حقنته بأمصال الوفاء التحدي والفداء والإيمان والصدق.. كان يحمل سلاح الثورة على كتفه، وحاملا نعشه على الكتف الأخرى.
لم ترتعد فرائصه وهو يرى مقتل الشهداء بين جانبيه، ولم ينل منه الخوف ومطاردات الإنجليز تلاحقه في كل مكان.. كان يزداد ثباتا وقوة، ذلك أن إيمانه بقضية شعبه كان أكبر من الموت والاعتقاد والخوف.
***
ومع أنه كان ملء السمع والبصر في سنوات الكفاح، إلا أنه توارى كآخرين عن المسرح السياسي بعد الثورة بعمر قصير، ولم يتدنس في المشاركة في دورات العنف السيئة والمحزنة، ويلوث تاريخه بها.. وظل نظيفا ناصع البياض.. وحيث أعلنت الوحدة اليمنية وطبخت على عجل انضم إلى المؤتمر الشعبي العام وانتخب رئيسا له بحضرموت، ودفعه المؤتمر بالتنسيق مع الحزب الاشتراكي للانتخابات البرلمانية عام 93، فرشحه في مدينة المكلا أمام المهندس محسن باصرة ممثل حزب التجمع اليمني للإصلاح.
وأتذكر تماما أنني سهرت ليلة فرز الأصوات بمنزل الوالد عمر سالم دعكيك بوجود المناضل الكبير خالد عبدالعزيز والأخوين مسلم محبوب ومبروك بن مهدي، نتابع عملية الفرز باهتمام، حيث كان هناك أنيس عبدالعزيز منتدبا عن باقيس ينقل لنا لحظة بلحظة نتائج بطائق اقتراع كل صندوق يتم الانتهاء منه.
كان احتمال سقوط باقيس واردا أمام صعود نجم الشاب باصرة قائد الحركة الطلابية التغييرية، وكان يعني هذا إلى حد ما سقوط الثورة!
كانت المعركة الانتخابية شديدة وحامية الوطيس، خاصة بعد أن تآمر المؤتمر على مرشحه وأراد إسقاطه لأسباب لم تُعرف لحظتها وتكشفت خفاياها لاحقا.. ومع ذلك فاز باقيس في الانتخابات، ولكنه لم يعد في واقع الأمر يمثل المؤتمر في البرلمان.
اكتشف سريعا زيف هذا التنظيم، فنأى بنفسه عنه، واندلعت حرب 94 المشؤومة فأقصي الجنوب، وغاب الرجل من جديد عن الساحة.
***
تعرفت إليه في مطلع التسعينيات، حيث سعيت إليه بغرض إجراء حوار صحفي معه، وكان هو بطبيعة الحال من الشهرة والمكانة ما يجعل نشر حوار معه في ذلك الوقت عن ثورة 14 أكتوبر ومراحلها ومحطاتها، سبقا صحفيا، وأي سبق.. ورغم أنه وعدني بتلبية طلبي إلا أن الحوار لم يتم ولن يتم، وما تم هو مد جسر من التعارف بيني وبينه لم ينقطع حتى مماته.
تكررت لقاءاتي به في ندوات وملتقيات بمدينة المكلا وإن كانت متقطعة، وجرت بيني وبينه اتصالات مستمرة حتى انقطعت بدخولي السجن، وانتهت برحيله عن الحياة.
كان رحمه الله يتابع بدقة وبعين الحرص كل ما يجري في البلاد، ويتأثر بالأحداث، ويألم لألم الناس، ويئن لأنينهم، بينما كان الناس لا يألمون لألمه ولا يئنون لأنته… وهكذا هو قدر العظماء!
***
حيث بدأت في الجنوب حركة المتقاعدين العسكريين تنشط، وتتبنى قضايا الوطن العادلة، كان الحاج صالح أول الداعمين لها ومشاركا في بعض فعالياتها مباركا لانطلاقتها.
وحيث انطلقت لجان التصالح والتسامح بين أبناء الجنوب، والتي هي سابقة على جمعيات العسكريين، كان الحاج صالح أيضا مباركا وداعما لها.
ولعلنا نتذكر أنه كان من ال52 شخصية وطنية التي أصدرت بيانا سياسيا هاما ونُشر في صحيفة “الأيام” في 2007، تم فيه تشخيص الحالة الجنوبية. ودون شك كان هذا البيان مرجعية ومرتكزاً لانطلاق الحراك الجنوبي.
ولما بدأ تشكيل هيئات النضال السلمي في المحافظات الجنوبية كان الحاج صالح متابعا بشغف جارف لسرعة تكونها، ومساهما من خلال تصريحاته الصحفية في بلورة تشكيلاتها التنظيمية.
كان موجودا بشحمه ولحمه ودمه في هذا الحراك الجنوبي العادل، وهو قد بلغ من العمر عتيا، مع ما رافق هذا العمر من الكدح والمطاردات والحروب والنصر والقهر، في سنين هي أقرب إلى الدعة والراحة منها إلى الحركة والنشاط ومخاصمة الدولة القائمة بل ومعاداتها.
كان دعم الحاج صالح وحده من خلال تصريح صحفي يعني الكثير والكثير لقوى الحراك وهم في بدء المسيرة في ظل صمت الآخرين من هم في الداخل ومن هم في الخارج، ناهيك عمن انضم إلى جوقة المطبلين وحارقي البخور!
وحين جرى تشكيل مكونات مختلفة للحراك، وسعى كل قطب لضمه إليه، أغلق تلفونه الذي لا يهوى بطبيعته التحدث من خلاله للناس.
وأحفظ له حديثه إلي عن هذا الأمر في مكالمة هاتفية مطولة، وكان قد أعلن اسمه في بعض هذه المكونات. قال لي إنه ليس مع هذا التعدد في هذه الظروف، وإذا كان لابد من ذلك فإنه يتمنى لو يستطيع أن يوزع روحه بين هذه المكونات لأن جميعها وبقياداتها المعلنة مخلصة للقضية من حيث المبدأ.. ولكن الأمر في نظره أن هذا التعدد في بدء المسيرة عائق لحركتها، ومشتت لجهودها، ولذا فإن الاستجابة لعمليات الاستقطاب من أي كانت مضرة على المدى بالقضية الجنوبية.
وحاول باقيس جاهدا أن يعمل على جمع مكونات الحراك في جبهة واحدة، ولكنه لم يستطع، وأظن كل الظن، وليس كل الظن إثما، أنه لو خير للبعث من جديد سيعود إلينا بشرط واحد أن يجمع الكل في واحد للمرحلة الحالية كما يتطلبها الظرف التاريخي والمرحلي، حد قوله.
رحم الله الحاج صالح باقيس وأسكنه فسيح جناته. “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
• البحث المركزي / صنعاء