فرقة خليج عدن في مسرحية “معك نازلـ”

فرقة خليج عدن في مسرحية “معك نازلـ”

* نجحت في صنعاء وعدن وستعرض في ألمانيا
* تجربة إبداعية ناجحة ومواهب ترتقي سلم النجومية
المخرج المسرحي عمرو جمال لـ”النداء”:
* عدن أول مدينة في الجزيرة العربية عرفت السينما والمسرح لكنها اليوم بلا مسرح!
* عدن- فؤاد مسعد
تأسست فرقة خليج عدن الفنية في مدينة عدن عام 2005، بجهود وإمكانات ذاتية متواضعة دون أن تحصل على أي دعم. وعلى الرغم من قيامها بأداء 4 أعمال مسرحية سابقة (عائلة دوت كوم، سيدتي الجميلة، بشرى سارة، حلا حلا يستاهل)، إلا أن عملها الأخير “معك نازلـ” لاقى صدى واسعا بين الجمهور سواء من خلال العرض الأول (صنعاء أكتوبر 2009) أو العرض الثاني (عدن ديسمبر 2009) أو عبر قناة السعيدة الفضائية أكثر من مرة.
ويرجع رئيس الفرقة سبب ذلك الإعجاب إلى ما توفر للمسرحية من تراكم سابق لدى الفرقة والممثلين، ويقول المخرج المسرحي عمرو جمال في حديثه لـ”النداء” إن الفرقة من خلال السنوات الماضية استطاعت أن تصنع لها اسما في عالم المسرح، وهو ما ظهر في العمل الأخير، مشيرا إلى ما تميزت به مسرحية “معك نازلـ” من تركيز على القضايا الاجتماعية الحية والموجودة في كل بيت يمني، وطرحها في قالب فني ممتع.
وكانت فرقة خليج عدن دشنت في أكتوبر الماضي على خشبة المركز الثقافي بصنعاء عرضها الأول لمسرحية “معك نازلـ”، ضمن فعاليات الأسابيع الثقافية اليمنية الألمانية، وذلك بالتعاون مع البيت الألماني. ونالت المسرحية إعجاب المشاهدين الذين حضروا الفعالية. وبعد حوالي شهرين كانت الفرقة تقوم بالعرض الثاني للمسرحية في كريتر بعدن، خلال أيام عيد الأضحى المبارك.
ويتجلى تركيز المسرحية على قضايا اجتماعية رئيسية من خلال المشاهد التي حفلت بقصص متعددة، وفي كل واحدة منها تبرز قضية أو أكثر، إضافة للنجاح الذي حققه الممثلون في أداء أدوارهم، وهو ما أثار إعجاب المشاهدين ونال استحسانهم بعد ما أوشك الجمهور اليمني على اليأس من إمكانية نهوض المسرح وقيامه بالدور المأمول.
والحقيقة أن كثيرين ممن شاهدوا ذلك العمل المسرحي انتعشت آمالهم في تشكل تجارب واعدة قد يكون لها إسهامها في المسرح اليمني مستقبلا إن وجدت من يمد لها يد العون والمساعدة.
يقول عمرو جمال رئيس الفرقة: توجد كثير من المعوقات أهمها أن الفرقة لم تقف بعد على أرضية صلبة يمكن التحرك عليها، إضافة لعدم وجود حماس وتفاعل تجاه المسرح من قبل الرعاة، ويضيف: نحن نجحنا –إلى حد ما- في لفت الانتباه نحو المسرح.
وعن افتقار الفرقة وعدن عموما لوجود مسرح يقول رئيس الفرقة: المثير للدهشة أن عدن التي كانت أول مدينة في الجزيرة العربية عرفت السينما والمسرح، هي اليوم بلا مسرح، وأضاف: نضطر لاستئجار قاعات العرض والسينما، مع أنهم متعاونون معنا، إلا أنها غير مجهزة. مؤكدا أن وجود مسارح مجهزة يسهم في تقديم أعمال أكثر إبداعا.
ومن جهته، يقول الممثل الشاب عدنان الخضر، عضو الفرقة: نحن نعاني من عدم وجود خشبة مسرح، وفي البداية لم نجد لا مسرحاً ولا جمهوراً. مؤكدا صعوبة العمل لإيجاد مسرح ومسرحيين.
وإبان العرض الأول للمسرحية قال السيد غيدو تسيبيش، مدير البيت الألماني بصنعاء، إنه من الجيد العمل مع فرقة جيدة كفرقة خليج عدن التي وصفها بالشبابية المتميزة، وأشار إلى أنها تختلف عن غيرها بأنها تعتمد في عملها على وجوه شابة، مؤكدا أنه متحمس منذ البداية مع الفرقة، خصوصا وأنها كانت تتطور في أدائها أثناء البروفات، وهذا ما جعلها تتميز حسب قوله.
وحين عرضت المسرحية للمرة الثانية أيام عيد الأضحى المبارك، اكتظت سينما “هريكن” في عدن بالمشاهدين لما يقارب أسبوعين، لاحظ فيها الجمهور قدرة الممثلين الشباب على محاكاة الواقع بأدوار مختلفة وبخفة ظل وحرفية أكسبت العمل طابعا خاصا.
وقال أحد أبناء عدن إن تلك الأجواء أعادت إلى أذهانهم الماضي الجميل للمسرح في عدن.
وقال عمرو جمال إن الفرقة ستتوجه إلى ألمانيا في يونيو القادم لعرض المسرحية، بناء على دعوة تلقتها الفرقة من مسرح جريبس والبيت الثقافي الألماني في اليمن.
الجدير ذكره أن مسرحية “معك نازلـ” عمل مقتبس من نص مسرحية ألمانية شهيرة تحمل اسم “الخط رقم 1” التي عُرضت لأول مرة على مسرح “جريبس”، وترجمت لعدة لغات، ومن خلال فرقة خليج عدن، وبالتعاون مع البيت الألماني في اليمن، تم تحويل النص إلى اللغة العربية، هذا من حيث الفكرة العامة للعمل، فيما قام المخرج المسرحي عمرو جمال بكتابة النص والسيناريو بنسخته اليمنية المحلية التي ظهرت محاكية للواقع اليمني بما يعتمل فيه من قضايا وما يعيشه المجتمع من مشاكل. وإلى ذلك تولى المخرج محاكاة الأغاني والمؤثرات الموسيقية وتأليف كلمات مناسبة تخدم الهدف العام للمسرحية، مع الإبقاء على الألحان والموسيقى كما وضعها مؤلف النص الألماني الأصلي، وتم تسجيل الأغاني في صنعاء من خلال الفنانين معاذ خان، شروق، هديل همشري، ياسر شان، وقد أشرف على تنفيذها فؤاد الشرجبي، وتولى التوزيع الموسيقي مروان الحمادي، وقد أضفت على المسرحية طابعا جماليا مميزا.
ويقول جمال: “استمرت البروفات 8 أشهر، وحضر وفد ألماني لمشاهدة البروفات، وتحمس كثيراً لما نقوم به”.
وشارك في المسرحية 18 شخصا، بعضهم مثّل أكثر من دور، وشارك فيها من خارج الفرقة الفنانون: هدى حسن ونور عبدالله وفؤاد هويدي، وسمير سيف، وخالد حمدان عوض، إضافة للفنانة منى علي من صنعاء، بينما شارك من أعضاء الفرقة عدنان الخضر، رائد طه، قاسم رشاد، وغيداء جمال، بالإضافة للوجوه الجديدة سعاد ناصر، مازن خالد، ماهر، وصقر عقلان.
وتوزعت المسرحية على 5 مشاهد تضمنت حوالي 15 قصة مترابطة مع بعضها، حيث تتداخل خيوطها دون تعقيد، ثم تنفصل بسلاسة وحيوية.
تناقش المسرحية في وقت يناهز ساعتين عددا من القضايا والهموم المعيشية الرئيسية، من دون إغفال الإشارة إلى بعض الظواهر السلبية والعادات السيئة التي من شأنها إعاقة حركة المجتمع، ومن صميم عمل الفنان –والمسرحي بشكل خاص- التنبيه إلى تلك الظواهر من غير أن يعني ذلك الإخلال بالعمل المسرحي وقوالبه الفنية، وهو ما فعله شباب “خليج عدن” في “معك نازلـ”، حيث تحضر بقوة قضايا مجتمعية مثل غلاء المعيشة والزواج السياحي وزواج الصغيرات والعنف ضد المرأة وتسرب الطلاب من التعليم، وإهمال تربية الأطفال من قبل الآباء والأمهات حين ينشغل كل منهما بمشاغله وأصدقائه عن القيام بما يجب عليه نحو أبنائه، بالإضافة إلى معاكسة النساء في الشوارع والأماكن العامة، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب الجامعيين، وتدهور الأوضاع العامة بدءا بتردي الحالة المعيشية، مرورا بالصحة والتعليم، وليس انتهاء بالرياضة والفن وغيرهما. وإن غاب التناول المباشر لبعض القضايا إلا أن التلميحات العابرة من قبل الممثلين تتولى إبرازها ولفت الأنظار نحوها، مثل الوساطة الموصوفة بفيتامين (و).
وكما يظهر في المسرحية عدد من الأشخاص المستهترين بقيادة شخصية تدعى “بيبو” التي جسدها المبدع عدنان الخضر، يبرز أيضا أشخاص عقلاء ولا يكفون عن إسداء النصيحة للجميع، بينهم عامل النظافة العم أمين، والأستاذ صابر. وبين هؤلاء وأولئك تحضر شريحة الضحايا، ومعظمهم -إن لم نقل جميعهم- من النساء، وأبرزهم “أملـ” فتاة في مقتبل العمر جسدت دورها الوجه الجديد سعاد ناصر. وقد وقعت “أملـ” ضحية (زواج سياحي) تخلى عنها الزوج فور إتمام مراسيم الزواج، ليجود عليها بعنوان لمكان غير موجود، وظلت على امتداد وقت المسرحية تغالبها الحيرة والشرود، وتعطي لنفسها في كل مرة اسماً، بينما يلحظ كل من يراها حقيقة كونها قادمة من الريف البعيد من خلال هيئتها المرتبكة وسؤالها الدائم عن شيء غير موجود (شارع الأمل في كريتر). كما تقع امرأة أخرى ضحية سرقة، بينما تقع ثالثة ضحية زواج من رجل يكبرها كثيرا ويمارس ضدها العنف باستمرار. أما الشابة “منالـ” التي مثلت دورها الفنانة الواعدة غيداء جمال، فهي ضحية طمع والدها الذي يغالي في المهر، وخالتها التي تدفع والدها لطردها من البيت لتخرج إلى المجتمع باحثة عن وظيفة تلائم مؤهلها الجامعي دون جدوى، ومثلها الشاب أحمد خريج الهندسة الذي لم يجد فرصة عمل فلجأ للعمل حارسا في معهد براتب قدره 15 ألف ريال فقط. وتتوالى المشاهد وفق ترتيب وتسلسل منطقي وصولا إلى الختام، حيث تنتهي المسرحية في المكان الذي بدأت به (محطة نقل الركاب -كريتر).