خارطة باب الخلق

عفوًا أنا أقصد أصلًا خارطة الطريق التي دار ويدور بشأنها مزيد من الجدل، وتتعرض وتخضع لقراءات إما مؤيدة أو معارضة، أو من يرى أنها بحاجة لمزيد من الحيوية والشمول والقابلية للمرور والنفاذ، وبما يسمح لها بالمرور من عنق الزجاجة، لأن موضوعاتها شائكة ومعقدة، ووجهات نظر كثيرة متعارضة حولها، وكل يحمل الآخر مسؤولية إعاقة مضيها قدمًا، بخاصة ذاك الطرف الذي يتعنت عبر تلويحه المستمر بإذكاء وتسخين جبهات المعارك الحربية تجنبا لها طبعًا أنا لا أقصد هنا باب الخلق أو باب اللوق من أحياء القاهرة الخديوية العتيقة الجاري إعادة رونقنهما وفق خطة يدركها أصحاب الشأن، ومتطلبات إنجازها وفقًا لذلك.

لدينا خارطة للحل السياسي جرت بشأنها مفاوضات ولقاءات دارت رحاها من صنعاء إلى الرياض، وكانت مسقط الوعاء الراعي أو الإناء الداعم لمراحل ومتطلبات وشروط نماء البذرة مع اختلاف مدخلات الحرث والري من قبل الأطراف، كل يراها من منظوره الوطني الخاص. وندرك قدر الإمكان أن السلطنة تحرص دومًا على ألا ينكسر الإناء، فيضيع الحلم والخارطة والطريق معها هباء، كانت السلطنة حريصة على حيادية دورها، مع علمنا أن لها قراءتها الخاصة، وهي تراجع شروط الإنبات والنماء مع جارتها الكبرى، ومع جار لها له أنيابه التي عبرها تجاوزها إلى صنعاء، وباتت مخالبه تدمي جسد الجار الكبير من جانب، وتدمي الوطن كله، لأن قراءتها لمراعاة ما تم زرعه وريه مشروط بمواصفاتها قهرًا وجبرًا، تدرك السلطنة تلك القراة الإيرانية، كما تدرك مخاوف الشرعية التي تحرص على المحافظة على الإناء المكرس لتنمو به نبتة صالحة بشروط وظروف نماء واجبة التواجد أساسًا لخروج البذرة من شرنقة البقاء معلقة بين الحياة والموت، ذلك لن يتأتى إلا وفق المرجعيات التي يعترف بها العالم الذي بات تحكمه المصالح وتوازنات القوى على الأرض وفي الإقليم والمحيط، وكلما تغيرت الحسابات نجد ناقوسًا وجرسًا أمريكيًا يطرق أبوابًا، ولكل باب طرقته التي تؤتي أكلها، فحديثه مع طهران يهمه في الأساس النووي الإيراني وأذرعها الممتدة والمقلقة لحلفائها، وهنا تتم تسوية تبايناتهما على حساب الخارطة التي تحقق فعلًا أمن واستقرار ووحدة اليمن.

الأمريكان يهمهم أساسًا أمن إسرائيل على حساب فلسطين وشعبها، يهمهم بعد ذلك نفط الخليج، وتواجد قواعدهم هناك، مع ما بات ضرورة لتسوية ملف الصراع العربي الصهيوني، عبر جر الخليج لخارطة التطبيع الإبراهيمي أولًا، وبعدها سيرى إن تمكن من مد النظر لكيفية تسوية ملف الصراع في بلادنا وملفات أخرى، لأن مشاغله في أوكرانيا، وارتباط ذلك بروسيا والصين، تظل هاجسًا لهما أولوية.

هذا المنظور لا يختلف في الجوهر مع باقي مواقف دول سايكس بيكو: بريطانيا وفرنسا أساسًا، ولعل الكثيرين اطلعوا على حديث السفيرة الفرنسية في بلادنا، الذي نشر بجريدة "الشرق الأوسط" السعودية، وأعاد نشره موقع "الاشتراكي نت"، حديث ناعم ملغم واشاراتها واضحة بأن ملف الأزمة معقد للغاية، مشيرة لمسؤولية الحوثي، لكن لم نرَ موقفًا واضحًا من الصراع، ومع من ابتدأه أصلًا. إنها مصالح الغاز والنفط. وحين تم سؤالها حول هذا الأمر، باعتبار فرنسا مستثمرًا رئيسًا، قالت اسألوا الشركة اليمنية المسؤولة.

نحن كيمنيين نريد خارطة طريق حقيقية، لا تتناولها الأهواء والمصالح، ولا يقال إن الخارطة ستبنى بما يتماشى مع طبيعة القوى الحية على الأرض. نحن نقول بوضوح كامل استمرار الحرث على هذا المنوال سيعيدنا لمربع صراع مصالح وتباينات القوى التي تم استزراعها على الأرض غصبًا، حتى وإن كانت البيئة الوطنية ترى خلاف ذلك.

لذا سيكون من الضرورة بمكان أن يتوافق اليمنيون أولًا، وأن يتخلى الطرف المتعنت عن تشرنقه داخل محرابه إلى ساحة وطنية يشارك فيها الجمع الوطني وفق قاعدة متابعة نتائج مؤتمر الحوار الوطني. وقبل ذلك لا بد من مصالحات وطنية حقيقية، في البدء منها القضية الجنوبية كقضية وطنية رئيسية حلها يسهم في حل قضايا الصراع والخلاف الوطنى حول طبيعة الدولة وأسلوب تقسيم الثروة، وهنا يمكن أن يكون لمشورة ومساندة دول التحالف ودول أخرى دور خاص بهذا المضمار، ونحن على أبواب قمة عربية تقول المؤشرات بأن ملفات غزة أولًا اليوم واليوم التالي، ماذا بشأنها، كما ستقف القمة بمسؤولية كاملة أمام ملفات الأزمة في بلادنا والسوان الشقيق وليبيا.
نأمل ذلك.

ونختم بالقول: نريد فعلًا خارطة متماسكة مكتملة البنيان، تسمح للجنين بالنمو في أحشاء محاصرة مضطربة، وأن يكون النمو سليمًا بما يكفل خروج المولود من رحم باب الخلق سليمًا معافى غير مشوه، ولا يتعرض للانتكاسة بعد خروجه من باب الخلق سليمًا معافى.