عبدالجليل سلمان: عامان إضافيان من التعذيب!

عبدالجليل سلمان (ريشة رقمية النداء)
عبدالجليل سلمان (ريشة رقمية النداء)

أحد أولئك الذين نفذوا المهمة وغادروا
لم يطلبوا ولم يطلب مقابل ما قدم
كان يحلم في زمن الحلم الكبير الذي ولى بعد أن وارى التراب أجسادهم
كان الهدف كبيرًا بحجم المستقبل اليمني الذي قال عنه هيكل:
مستقبل لم يأتِ وماضٍ رفض أن يرحل!
وهكذا هو هذا البلد، كلما اقترب من الأفق عاد إلى الغسق!
وفي الظلمة يظل يتحسس طريقه بلا جدوى، لأن من بأيديهم الضوء افتراضًا لم تكن في رؤوسهم رؤية!
عبدالجليل سلمان
اسم له رنة استثنائية
وعلى الوجه ترتسم معالم زمنية مختلفة تحكي لمن يريد أن يفهم ما لم يفهمه الفاهمون! ممن تعلق بهم الأمل فأضاعوه!
وعلى كوفيته ارتسمت طوال الوقت خارطة داخلها تاه الرفيق وأضاعوا من أقدامهم الطريق! فصار الوطن بلا معالم، والشعارات ذرتها الرياح!
يا حسرة الطريق على من هيأوه رصفوه وشقوه ليضيعه النزق والحسابات الضيقة التي حولت رفاق الطريق إلى قاطعي طريق يضيعون عليها بعضهم بعضًا!
تسأل الأقدام عن الطريق، فتئن الأرض حزنًا على من حملوا المشاعل ليطفئها غموض الرؤية وتوهان الحسابات!
عبدالجليل سلمان أحد الرجال الكبار الذين لم يعد يتذكره أحد في زحمة اللهاث الذي لم ينتج عنه سوى الحريق! الذي غطى ضبابه كل هضاب وسهول وجبال وصحارى الخارطة!
خسارة كبيرة عندما تستعيد أسماءهم..
ذهبوا بدون ثمن
قدموا وقدموا، لكنها خلاصة الريح الحامل للغبار!
حاولوا وحاولوا وأخلصوا لقضيتهم، لكن بسبب غياب المشروع، فقد تاهوا ودفعوا حياتهم ثمنًا لما اعتقدوه، وفي الواقع لم يتركوا أثرًا!
استطاعت دولة القهر في طول وعرض الوطن الطبيعي، أن تنتصر للموروث الذي واجه الجديد بكل شجاعة، وانتصر عليه!
وآه على الرجال الرجال..
تلك الليلة أو الليلتان كانتا فاصلتين، الأولى:
كنت أقف أمام دكان صهري علي "نعمان لقطع غيار السيارات"، في شارع الزبيري بصنعاء، بعد العشاء تحديدًا، ثمة رجل تقدم مني، يلبس كوفية شدت طريقة لبسها انتباهي:
علي نعمان موجود؟
نعم
هل أنت فلان؟
نعم
شد على يدي
دخلت، قلت لعلي:
هناك رجل يبحث عنك
أطل علي بروحه الطيبة:
عبدالجليل، أهلًا وسهلًا، تعال
صعدت معهما إلى المكتب في مؤخرة المعرض..
هذا عبدالجليل سلمان
صمت..
سمرنا ليلتها إلى وقت متأخر
أذكر أن صهري علي نعمان وصديق عبدالجليل الحميم، قال يسأله:
أينك؟
مش كنت بتخرج قبل فترة طويلة؟
صمت عبدالجليل. أحسست أن وجع الدنيا كلها تجمع على ملامح وجهه:
كنت قبل سنتين قد خرجت
هنا حدثنا عن الليلة الفارقة الثانية:
كنت ضمن من أطلق سراحهم تلك الليلة، وعند الباب صادفنا أحمد عبدالرحيم داخلًا إلى الجهاز، لا أدري ما الذي جعلني أرفع يدي له بالتحية، ربما الرفقة القديمة في البعث، ليدعو من كان يدلنا على الخروج، يقول له:
ذلك، وأشار إليّ: أعيدوه!
أعادوني لأقضي في الزنازين عامين إضافيين، تعرضت خلالهما إلى تعذيب لا يطاق (قام وخلع القميص وأدار لنا ظهره) يا الله، ظهره كالخريطة من أثر السوط...
أنهينا سمرتنا متأخرين، رافقته إلى الخارج
بابتسامة ودودة ودعني:
سأذهب إلى حيس، لأتفقد المحطة
ذهب، ولم أره بعدها
ابتسامته لاتزال ترتسم في الأفق الغربي

14 مايو 2024