الحراك ليس مرضاً

الحراك ليس مرضاً

* ميفع عبدالرحمن
يظلم الحراك الجنوبي السلمي نفسه وقضيته المركزية: القضية الجنوبية، حين يتماهي -من حيث لا يدري تارة ولا يقصد تارة أخرى- مع السلطة الانفصالية الحاكمة، متشبهاً بها في ثلاثة وجوه، هي:
أولاً: التجني على الجوهر السلمي للحراك، باللجوء إلى قشرة العنف والعنف المسلح، عن عجز ليس إلا، وعلى طريقة نظام الفساد الحاكم وسلطته الانفصالية “الوحشية” (حسب الاتحاد الدولي للصحفيين)، لأن لجوء الحراك إلى العنف غاية ما تبتغيه الانفصالية الوحشية كي تثبت وجودها على أرض الحراك.
ثانياً: التجني على حقيقة الوحدة اليمنية، بما هي اختيار جماهيري واسع للوسيلة الأجدى والأنجع -وطنياً وديمقراطياً- من أجل بناء دولة عصرية حديثة، وتحقيق الأهداف والغايات والأحلام الكبرى للشعب اليمني وقادته الشهداء ومفكريه وأدبائه العظماء.
يتبدى هذا التجني في الخلط بين الواقع المشين لنظام الفساد الحاكم وبين الحقيقة الناصعة للوحدة اليمنية ذات الآفاق المضيئة، المتعددة والبعيدة. أم هل من العقل والإباء والبطولة أن نبحلق طويلاً في قشة تافهة في عين الوحدة اليمنية، ونتعامى عن الخشبة في عين نظام الفساد الحاكم وسلطته الانفصالية الوحشية؟!
ثالثاً: التجني على التاريخ اليمني -أبيضه وأسوده- وعلى الجغرافيا اليمنية -في غناها وفقرها- بالتنكر للتاريخ واعتساف الجغرافيا في النفي الساذج ليمنية الجنوب والجنوبيين، وقسرهم على بحث ملتوٍ وملتبس عن هوية وهمية. ربما من باب رد الفعل الانفصالي على سفاهة العبارة القائلة بأن الشمال للشماليين والجنوب لكل اليمنيين.. إلا الجنوبيين! رغم عدم دقة العبارة -على سفهها- بالنظر إلى حجم الفساد المهيمن في الجنوب، تحت يافطة (الوحدة)، وبالمقارنة مع حجم معاناة ملايين الشماليين البسطاء -في الشمال ذاته- جراء هيمنة الفساد الحاكم إياه.
صدر مؤخراً كتاب قيم وهام جداً، عنوانه “خارطة الفساد في اليمن.. أطرافه النافذة”، للدكتور يحيى صالح محسن، جدير بالقادة الحقيقيين، الواعين والمخلصين للحراك، أن يقرؤوه.. فنظام هذا الفساد الحاكم الذي يتمظهر (الدفاع!) عما يزعم أنه (الوحدة!) التي أثخنها طعناً وتمزيقاً على مدى 16 عاماً -منذ 7/7/1994 – ويريد منا العض على جيفتها النتنة بنواجذنا نحن الجنوبيين، وهو ينهش من هذا اللحم السام ويبتلع، لا صلة له على الإطلاق بالوحدة اليمنية المحكومة والمأمولة إلا في ما يصله هو فقط بالثروات الطبيعية للجنوب من أرض وبحر وما في جوفهما. ولهذا بات يخاف حتى من تسميتها باسمها الحقيقي: الوحدة اليمنية، محاولاً الهرب منها إلى مسمى آخر عام، هو مسمى الوحدة الوطنية! لكأننا نحن اليمنيين وحدنا المقصودون بها في العالم أجمع! وكأننا نحن صناعها أيضا في الصين، روسيا والولايات المتحدة الأمريكية! بينما نحن اليمنيين صناع الوحدة اليمنية (قلت وأكرر: اليمنية) في اليمن -طبعاً- بين جنوبها وشمالها، لا سواهما. أما هذا النظام السرطاني الحاكم وسلطته الانفصالية الوحشية، فلا يفقه شيئاً عن الوحدة ولو بمدلولها اللغوي.. فكيف بمفاهيمها الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية؟!
إذن! هل سيدرك قادة الحراك ويتداركون أمر تماهيه مع السلطة الانفصالية الوحشية الحاكمة؟ وهل لهم أن يكونوا في مستوى المقولة الشيكسبيرية الخالدة: “نكون أو لا نكون، ذلك هو السؤالـ”؟ ونحن في الجنوب لن نكون نحن نهائياً، إذا تماهينا مع السلطة الوحشية أو تشبهنا بها.. فإذا كنا بالفعل حقاً، لنا أن نستحضر صرخة إباء الحسين -حفيد رسول الله وحادي شهداء العزة في مقاومة الحكام الطغاة على امتداد تاريخ الأمة الإسلامية: “هيهات منا الذلة”.