بمناسبة عيد الأمهات: فضلاً.. لا تقبروا أمي هنا!

بمناسبة عيد الأمهات: فضلاً.. لا تقبروا أمي هنا!

* سلمى أحمد ضيف الله
منذ شهور طويلة وأنا أعدُ نفسي وروح أمي الشريفة أن أزور ضريحها (أمي كانت تستحق أن يُبنى لها ضريح، فهي أولى من كثير من السادة لما عانته في حياتها الحقيقية لا معتكفة في الجوامع)، ولكن منعني من زيارتها انشغالي المستمر أو تعمدي الانشغال. شوقي الشديد لأمي يشعرني بالحزن، فأنا أفتقدها كثيرا وأفتقد دعواتها، والدليل الخيبات التي تنهال عليّ خيبة تلو خيبة، حيث إن لا أحد يدعو لي مثلما كانت أمي تفعل.
وصدفة –ربما أرادها رب العالمين.. لا أدري– وجدتُ نفسي بالقرب من مقبرة السنينة الواقعة تحديدا على شارع الستين، المدفونة فيها أمي، وارتأيتها فرصة لزيارة ضريحها والسلام عليها والبوح لها بمكنونات قلبي، بالرغم من أن ملابسي لم تكن ملائمة لذلك الحدث، فقد عرفت بذلك من نظرات الفضوليين، فنحن أمة تتفنن في إظهار مشاعرها بالمظهر الخارجي!
وبالفعل طلبتُ من سائق التاكسي أن يوقفني بمحاذاة سور المقبرة، وترجلتُ من السيارة سريعا قبل أن تحصل أية كارثة تمنعني من الزيارة وألقي باللوم على “المقدر والمكتوبـ”، ومشيتُ بسرعة تفاديا لتلك النظرات، ودخلتُ إلى المقبرة هرولة حيث عدم وجود بوابة للمقبرة سهل مهمتي، فدخول المقبرة كان على طريقة “سدح.. مدح”.
وقفتُ طويلا فوق ربوة مرتفعة أفكر كيف يمكن أن أصل إلى ضريح أمي، وفكرتُ مليا ولم أصل إلى حل لأنه ببساطة لا توجد طرق مؤدية إلى الضريح، فالقبور متراصة بجانب بعضها البعض، ولا يوجد مسافة ولو حتى نصف متر بين معظم القبور، وخمنت أن السبب قد يكون لازدحام المقابر الأخرى، لذا يلجأ الجميع لهذه المقبرة تحديدا، أم أن الحميمة بين الموتي مطلوبة!
اتجهتُ بنظراتي من اتجاه إلى آخر، وأدركتُ لحظتها أنه يجب أن أكون ضليعة في حل الألغاز والشبكات والكلمات المتقاطعة التي هجرتها من زمن مضى –أؤكد أن ذلك ليس بسبب انخفاض نسبة ذكائي لا سمح الله، بل لعدم رغبتي في أن ترتفع هذه النسبة في مجتمع يعتبر الإبداع والنظام نوعاً من البيروقراطية- حتى أتمكن من تجاوز القبور الأخرى، وبالتالي أصل إلى هدفي، لذا فضلتُ أن أقف في مكاني، ومن بعيد أبث تحياتي وأشواقي إلى أمي. أوليس هناك مثل يقول “البعد يزيد القلب لوعة”؟ ولحسن حظي وجدتُ صخرة كبيرة فجلستُ عليها وأنا لا أتمالك نفسي من البكاء والنحيب، ليس فقط لفراق أمي، بل للحالة التي وصلت إليها مقبرة سنينة.
الكلاب تتسكع على المقابر وكأنه بيت (…)، وسور المقبرة بلا بوابة، لذا من الممكن أن يدخل إليها أي متطفل لا علاقة له بالموت أو الموتى، وحمدتُ الله أن أمي متوفاة منذ 5 سنوات حتى لا يكون مصيرها مشرحة كلية الطب دون معرفتنا ودون إرادتها، كما وما زاد من عويلي أن شحاذا –لا أعرف من أين ظهر فجأة يدعو بالرحمة لمن فوق الأرض وأنا أدعو بالرحمة لمن تحت الأرض- لم يفارقني حتى وأنا في عز بكائي مما حدا بي أن أتوسل إليه “لو سمحت خليني أبكي براحتي”!
وتساءلتُ من خلف دموعي وفي خضم أنيني: على من تقع مسؤولية حماية –ولن أقول تنظيم حتى لا أوصف بالبيروقراطية مجددا- المقابر التي يتبرز عليها الكلاب والآدميون على حد سواء؟ لا يمكن بالطبع أن يكون رئيس الجمهورية وحكومته، فهم منشغلون بتنظيف الكعبة المشرفة (صُنع في اليمن) أو جامع الصالح كما يدعون، ولا يمكن أن تكون مسؤولية وزارة الأوقاف والإرشاد، فهم يتقاضون رواتبهم من أجل فقط تلقين الأئمة خطب الجمعة، ولا يمكن أن تكون مسؤولية المجلس المحلي في حي السنينة، فهو الميت الحي. إذن مسؤولية من وقوع هذه المهزلة في المقابر.. الأموات أم أمي؟
ومن المفارقات الغريبة أنه في اليوم التالي لزيارتي المشهودة أرسلت لي صديقة صوراً عن المقابر في الدول الغربية (بلاد الكفار واليهودي ابن اليهودي)، مقابر حقيقية داخل حدائق مكسوة بالعشب والأزهار تحيط بها من كل جانب، بل ولشدة احترامهم لموتاهم يضعون بجانب مقابرهم أغراضهم المفضلة والهدايا المحببة إليهم، لأنه ليس هناك من سيتبول عليها أو يسرقها، وتحسرتُ كثيرا على موتانا وحسدتُ كثيرا موتاهم.
هذا ما يعني أنهم “معززين مكرمين” أحياء وأمواتاً، وأرجو كل الرجاء ألا يباغتني أحدكم بالقول إن “الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن”، فنحن –في حال تم تصنيفنا ضمن قائمة المؤمنين– لم نعش الجنة في الدنيا وأشكُّ كثيرا أن نعرفها في الآخرة، خاصة إذا قسنا ما نفعله بفتاوى المحرمات التي تحرم كل شيء “من شِق وطرف”، فكل ما نفعله في نظرهم هو حرام، على رأي أبي الروحي نزار قباني “معتقلون داخل الدين كما فسره بفتاوى إمامنا”.
نحن لا نسعى ولا نبغي التكريم أحياء أو أمواتاً، فقط احترمونا على الأقل بعد موتنا، لا نريد احتفالات أو جوائز أو تأبين، فقد تعودنا على حياتنا كما هي بلا طعم أو لون، فقط مكان يليق بجثثنا، وبصريح العبارة “ما نشتيش نعيش معززين مكرمين”، لأننا ببساطة “مش متعودين”، بس على الأقل نموت “موتة” كريمة بدلا من الموت بعد الدخول في غيبوبة طويلة بسبب “ممرض” لا يعرف كيف يضبط نسبة الأوكسجين، وبعدها نُقبر في مقابر لا تليق بحيوان.
وأرجو عدم الإفراط في الرومانسية ومواساتنا بالقول إن “وردة واحدة لإنسان على قيد الحياة أفضل من باقة كاملة على قبره”، فلا أحد هذه الأيام يشتري ورداً والحاجة ماسة إلى شموع في الظلام!
Salma.dhaifallah@yahoo.com