عن محنة المقالح

عن محنة المقالح

المرصد اليمني لحقوق الإنسان اعتبرها استمرارا لمسلسل انتهاكات استهدفته
المقالح يبلغ أسرته باعتداء ضابط أمني عليه أثناء نقله إلى المحكمة الجزائية 
أفادت أسرة الزميل محمد المقالح أن ضابطا في الأمن السياسي قام بالاعتداء بالضرب على المقالح السبت الماضي أثناء نقله من مبنى المحكمة الجزائية المتخصصة إلى معتقل الأمن السياسي إلى.
وقال أحد أقارب المقالح ل” النداء” إن المقالح كشف عن الاعتداء خلال زيارة الأسرة له ظهر أمس. 
وتم خطف المقالح من شارع تعز بالعاصمة صنعاء في 17 سبتمبر الماضي, وتم إخفاؤه قسريا لمدة 4 أشهر في مكان مجهول خارج العاصمة. واتضح لاحقا أن جهاز الأمن القومي كان متورطا في عمليتي الخطف والإخفاء القسري. وحسب إفادة المقالح في أولى جلسات محاكمته فإن جهاز الأمن القومي أبلغه قبل أيام من إحالته إلى النيابة أن عناصره هي المسؤولة عن خطفه. ورغم نفي النائب العام مرارا أية صلة أو علم للنيابة العامة باعتقال المقالح أو مكان إخفائه, فإن ملف قضية اتهام المقالح بالتورط مع الحوثيين والذي تنظر فيه المحكمة الجزائية المتخصصة يحتوي على مذكرة بحبس المقالح صادرة عن النيابة في سبتمبر. ولم يصدر عن النائب العام أي إيضاح بشأن تصريحاته السابقة.
  وتعرض المقالح لشتى صنوف التنكيل الجسدي والنفسي أثناء إخفائه قسريا. وقد طالب في أولى جلسات المحكمة بالتحقيق في وقائع خطفه وتعذيبه وإخفائه, لكن النيابة العامة والقاضي الذي ينظر في القضية لم يلتفتا لطلبه, وعوض اطلاق سراحه قررت النيابة الجزائية حبسه في معتقل الأمن السياسي.
  المرصد اليمني لحقوق الإنسان اعتبر في بلاغ له أمس الواقعة استمراراً لمسلسل الانتهاكات التي يتعرض لها المقالح، وتأتي في سياق ما يتعرض له من تنكيل منذ أربعة خمسة أشهر إثر اختطافه وإخفائه قسرياً وإخضاعه للتعذيب، والتهديد بالقتل، وتنفيذ عمليات إعدام افتراضية، ومن ثمَّ تقديمه للمحاكمة أمام محكمة استثنائية وغير دستورية، واعتقاله في الأمن السياسي، وحرمانه من كافة حقوقه المدنية والطبيعية.
وطالب بتصعيد الاحتجاجات ضد ما يتعرض له المقالح وكافة الناشطين والإعلاميين، والتضامن معهم لإسقاط الإجراءات الاستثنائية بحقهم.
************
 
الاتحاد الدولي للصحفيين يتهم السلطات اليمنية بالوحشية وجلب العار لليمن
المقالح: لن أستأنف الحكم ضدي لأنه أُعد مسبقاً ولن أقبل عفواً عني
الراجح أن النيابة الجزائية بذلت مجهوداً مضاعفاً خلال الأيام الماضية، لفحص الأدلة التي بحوزتها، والمتعلقة بقضية الزميل محمد المقالح.
والسبت الماضي، أعلنت النيابة أمام القاضي والصحفيين في قاعة المحاكمة عن دليلها القاطع. هذه المرة كان عبارة عن مكالمة صوتية بين المقالح وزوجته!
حديث المقالح وزوجته كان محض شأن عائلي، غير أن النيابة قدمته كدليل إدانة، ما دفع المقالح إلى مطالبة الصحفيين الحاضرين للتضامن معه بمغادرة قاعة المحكمة، قبل أن يفصح عن أن النيابة واجهته في الجلسة السابقة بقائمة أدلة إثبات، وتسجيلات صوتية لمكالمة هاتفية أجراها مع ياسين سعيد نعمان الأمين العام للحزب الاشتراكي، وتسجيل آخر لمكالمة بينه وبين القياديين في الاشتراكيين محمد راكان ومحمد غالب أحمد.
وكشف المقالح في الدقائق الأولى من جلسة السبت الماضي، أن خاطفيه سألوه عقب اختطافه عن كشف بأسماء الأطفال والنساء الذين سقطوا في مخيمات النازحين في صعدة وعمران.
وقال للقاضي إنه لن يستأنف الحكم الذي سيصدره ضده كونه حكماً أُعد مسبقاً، متعهدا بأنه سيرفض أي عفو سيصدر عنه.
إلى ذلك، اتهم الاتحاد الدولي للصحفيين السلطات اليمنية “بالوحشية” في معاملتها المقالح الذي قال إنه تعرض للخطف والاحتجاز وحرمانه من الحصول على العلاج الطبي الضروري منذ 6 أشهر.
وقالت آيدين وايت، الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين “إن محنة محمد المقالح هي قصة فضائحية عن الإهمال والوحشية واللاإنسانية”، مؤكدة مساندتها زملاءها في اليمن “الذين يطالبون بالإفراج الفوري عنه ووضع حد لجميع الانتهاكات لحقوقه الأساسية”.
ووجه جيم بوملحة، رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين، وآيدين وايت، في خطابهما الموجه إلى الرئيس صالح، اتهاما إلى السلطات اليمنية بأنها “جلبت العار للبلد” بسبب عملية اضطهاد المقالح، والتي شملت أيضا التعذيب النفسي لأفراد أسرته الذين تلقوا رسائل مشوشة حول مصيره من قبل المسؤولين اليمنيين.
وقال الاتحاد في بيان له إن الاتحاد أرسل رسالة بهذا الشأن إلى الرئيس علي عبدالله صالح، يطالب فيها بإجراء تحقيق في كيفية تعامل السلطات مع هذه القضية وتقديم المسؤولين عن سوء معاملة المقالح إلى العدالة.
ولفت البيان إلى أن المقالح “اختطف على يد مسلحين في شوارع العاصمة صنعاء، وتعرض منذ ذلك الحين لانتهاكات منتظمة وفقا لحديث سابق له”.
وتم اختطاف المقالح في 17 سبتمبر الماضي، من قبل مجموعة مسلحة، وتم إخفاؤه قسرياً مدة 4 أشهر. وحسب رواية المقالح في الجلسة الأولى، فإن الخاطفين حبسوه في مكان مغلق كلياً، في منزل خارج العاصمة. وأضاف أنه حُرم طيلة فترة حبسه من أي اتصال بالخارج، وأن الخاطفين أبلغوه بأن المنزل تابع لشيخ يُدعى “علي العكيمي”، لكنهم قبيل إخراجه من المنزل أبلغوه بأنهم يتبعون جهاز الأمن القومي.
وتزعم النيابة الجزائية المتخصصة في قرار الاتهام أن إجراءات حبس المقالح تمت بقرار منها، وهو ما يتناقض كلية مع تصريحات ومذكرات النائب العام خلال فترة الإخفاء القسري للمقالح، وآخرها تصريح أدلى به لصحيفة “الوسط” في 13 يناير الماضي، ينفي فيه أية صلة للنيابة العامة باحتجاز المقالح، وذلك رداً على تصريحات للأمين المساعد للمؤتمر الشعبي العام أحمد بن دغر، تؤكد أن المقالح معتقل لدى أجهزة الأمن بناء على قرار من النيابة.
وفي الجلسة الأولى للمحكمة طالب المقالح بتحريره من عملية الاختطاف التي وصفها بالمستمرة، وطالب أيضاً بمحاكمة الجناة الذين اختطفوه وعذبوه طيلة 4 أشهر. وإذ لفت إلى أساليب التعذيب البشعة التي ارتكبت ضده، قال إنه “صُعق جراء التداخل بين عصابات الإجرام والخطف والأجهزة الأمنية”.
وبدأت المحكمة جلساتها العلنية قبل 5 أسابيع، لكن إجراءات استثنائية اعتمدتها المحكمة والأجهزة الأمنية حالت دون حضور الصحفيين والحقوقيين وأقارب المقالح وأصدقائه جلساتها.
وتعتمد المحكمة إجراءات مماثلة في قضايا أخرى تنظر فيها، أبرزها تلك التي يُحاكم فيها صحفيون وناشطون متهمون بالانخراط في الحراك الجنوبي.
وفي الجلسة السابقة التي عقدت السبت قبل الماضي، منع أمن المحكمة الصحفيين والحقوقيين من حضور الجلسة، ومنع الأمن أيضاً وفداً من منظمة العفو الدولية يزور اليمن حالياً، من حضور الجلسة.
وما يزال المقالح محبوساً في جهاز الأمن السياسي في ظروف استثنائية تشمل منع الزيارة عنه، وحرمانه من الرعاية الصحية.
وقال الاتحاد الدولي للصحفيين إنه كانت هناك عشرات الحالات التي قام فيها ضباط أمن يرتدون ملابس مدنية باختطاف الصحفيين من الشارع. وهناك تقارير عديدة عن الضرب المبرح الذي يتعرض له المعتقلون، والاعتداء الجنسي، وتهديدات لأفراد العائلة، والجلد وغيرها من أشكال العنف التي تم استخدامها ضد الأسرى والمخطوفين في اليمن. محمد المقالح هو ضحية لمثل هذه المعاملة.
وقد أعلنت نقابة الصحفيين اليمنيين عن نيتها القيام بتنظيم فعاليات احتجاجية يوم الاثنين القادم تزامنا مع يوم الصحافة اليمنية.
وستركز الاحتجاجات على قضايا المقالح وصحفية الأيام، والصحفيين المسجونين فؤاد راشد، وصلاح السقلدي، والربوعي الذي اغتيل في 9 فبراير 2010.
وكانت نقابة الصحفيين اليمنيين طالبت النائب العام بوضع حد لسوء المعاملة التي يتعرض لها المقالح، والسماح له بالحصول على العلاج بسبب تدهور حالته الصحية.
ومع ذلك واصل مسؤولو المحكمة الإجراءات الجنائية، على الرغم من توافر الأدلة التي تثبت جريمة الاختطاف، والاعتماد على تهم ملفقة بحسب هيئة الدفاع. وقد اضطرت المحكمة لإرجاء جلسة الاستماع المنعقدة السبت الماضي بسبب سوء حالته الصحية.
عند تقديم المقالح للمحاكمة، زعمت النيابة في قرار الاتهام أن عملية القبض عليه تمت بأمر منها، في حين أن النائب العام كان قد أكد للنقابة في الأيام الأولى لاختطاف المقالح أنه لم يصدر أية مذكرة اعتقال بحقه.
وفي السياق ذاته، أثار التعذيب والتنكيل بالصحفي محمد المقالح وتدهور حالته الصحية ردود فعل ساخطة وغاضبة. ما دفع ناشطين دوليين وعرباً إلى تنظيم حملة تضامنية لناشطين وصحفيين يمنيين مع الصحفيين المعتقلين محمد المقالح وهشام باشراحيل.
ودعت عريضة التضامن التي ذيلت بعشرات التوقيعات، إلى سرعة التحرك والعمل من أجل إطلاق سراح الصحفيين المعتقلين.
وأصدر تكتل أحزاب اللقاء المشترك في المعافر بمحافظة تعز، مساء السبت الماضي، بياناً استنكر فيه ضيق السلطة بآراء معارضيها، وقال “إن ما حدث للكاتب والصحفي محمد المقالح من اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب دليل على حنين السلطة الدائم للعودة لأساليب القمع البوليسي الذي كانت تمارسه قبل الوحدة”.
وطالب البيان السلطات بسرعة الإفراج عن المقالح وبقية الصحفيين المسجونين والصحف المصادرة، فضلاً عن الإفراج على كافة معتقلي الحراك الجنوبي.
****************
 
محمد المقالح العنوان.. والقراءة الخاطئة للسلطة
* محمد المنصور
محمد المقالح عنوان سياسي ووطني وإنساني وأخلاقي كبير، ضاقت السلطة بإنسانيته النادرة، وشهامته، وشجاعته في قول ما يعتقد أنه الحق، واستعداده الأبدي لقول الحقيقة، والانتصار لقضايا المظلومين في هذا الوطن، وما أكثرهم، فكانت أجهزتها القمعية البائسة له بالمرصاد منذ ما ينوف عن 200 يوم، قضاها رعباً وترهيباً ومعاناة تفنن فيها الجلادون، ولا يزال يرزح تحت نيرها بلا ذنب إلا التعبير المقدس عن الرأي المكفول في الدستور وشرائع السماء والأرض.
محمد المقالح عنوان صارخ على هشاشة وغياب العدالة، وانعدام القضاء العادل والنزيه، عنوان يفضح كل ادعاء بأن ثمة سلطة تحترم الدستور والقانون وحقوق الإنسان كثقافة لا وجود لها لدى السلطة وأجهزتها الأمنية المشهود لها بانتهاك الحقوق والحريات على أوسع نطاق وبأبشع صور الممارسة التي تستمد من الأنظمة الاستبدادية الدكتاتورية المنهارة سابقاتها ومثالها الناجز، فالاختطاف والتعذيب وممارسة القتل المعنوي، وبأبشع الأساليب، قصد شل الإرادة وتحطيم المعنويات والكرامة الإنسانية للمواطن، صارت من منجزات تلك الأجهزة بحق محمد المقالح وسابقيه ممن تعرضوا لمحنة الإخفاء والاختطاف والاعتقال المزمن طبعاً خارج الدستور والقانون.
محمد المقالح: عنوان كبير للاتجاه الوطني الرافض لحروب صعدة العبثية ومآسيها وفظاعاتها، وجرائم الإبادة الإنسانية التي صاحبتها، بخاصة في نسختها السادسة التي حمل اسمها (الأرض المحروقة) كل تجليات القسوة والقتل المجاني والتهجير والاقتلاع من الأرض والهوية في مناطق صعدة وحرف سفيان والجوف، وعبرت كذلك عن كل معاني الاستخفاف بالنفس البشرية وبالمواطن الذي وضعه حظه العاثر ضمن جغرافيا الحرب الملعونة.. استخفاف يدوس على الدستور والقوانين والشرائع الدينية والإنسانية، والرأي العام، لتصل المأساة ذروتها بتكرار المجازر البشرية في سفيان والطلح ورازح. لقد كان للمقالح صوته الرافض لكل ذلك التوحش والهدر للإنسانية والحياة، وللمعنى الوطني المهدد بالتفتت والتشرذم بتلك المشاهد المروعة، وبذلك الصمت المهين إزاءها، اقتيد المقالح إلى المجهول.. كي يكون الأمثولة والمثال من يجرؤ على الكلام والتعبير ولو قليلاً عما يجري في صعدة من فظائع.
هكذا هي حروب صعدة الست؛ لكل حرب ضحاياها من المدنيين والجند، ومن الصحافيين والكتاب والمثقفين وأصحاب الرأي. لنتذكر القاضي محمد لقمان، والعلامة يحيى الديلمي، والعلامة محمد مفتاح، والكاتب الكبير عبدالكريم الخيواني، وغيرهم العشرات من الدعاة والعلماء والناشطين الذين كانوا عناوين الحروب المتعاقبة في شقها الفكري والأيديولوجي. فعنف السلطة وقسوتها المفرطة يتغذى بتوسيع دائرة الاستهداف خارج نطاق الحرب المباشرة، فالمطلوب الحروب على الأفكار، والقوانين والحقوق والحريات، كممت الأفواه، وأغلقت الصحف وشلت الأحزاب، وهددت منظمات المجتمع المدني، ووضع الصحفيون في مرمى الجزائية، ومحكمة الصحافة المتخصصة زرافات ووحدانا.. وكانت النتيجة أسوأ على السلطة وصورتها في الداخل والخارج، وفي سنوات قلائل فقدت السلطة النقاط التي أحرزتها على صعيد الحقوق والحريات الصحافة منذ 1990، الواحدة تلو الأخرى، وأصبحت ضمن القوائم السوداء في جل تقارير المنظمات الدولية والعربية المعنية بالحقوق والحريات وحقوق الإنسان.
إن الإمعان في الاحتفاظ بمحمد المقالح سجيناً بعد الإفصاح المتأخر عن وجوده، وبرغم حالته الصحية المتدهورة، والمناشدات والضغوط الداخلية والخارجية على السلطة، إنما يعني الإبقاء على ملف الحرب ضد الحقوق والحريات مفتوحاً في الشق المتعلق بقضية صعدة، فعلى الأقل كان الإفراج عن محمد المقالح سيعطي بعداً تأكيدياً لقرار تعليق العمليات العسكرية، وسيكون بمثابة رسالة إيجابية من قبل السلطة للرأي العام، هي في مسيس الحاجة إليها.
إبقاء محمد المقالح في السجن يعزز قناعات المتخوفين منه والمحرضين على عودة الحرب في صعدة، وعلى أن شيئاً في الواقع السياسي والوطني لم يتغير في حسابات السلطة، وعلاقاتها المأزومة بمختلف القوى، ومن مختلف القضايا والملفات التي تزداد تأزماً واتساعاً.
محمد المقالح، وهشام باشراحيل، وحسين زيد بن يحيى، وقاسم عسكر، وصلاح السقلدي، وياسر الوزير، ومعاذ الأشهبي… وغيرهم من سجناء الرأي، هم عناوين مرحلة حالكة من ظلم واستبداد السلطة. ودون الإفراج الفوري عنهم، ووقف المحاكمات الجائرة بحق الصحفيين وقادة الرأي، لا معنى لأي ادعاء بأن تغييراً في نهج السلطة قد جرى، ولا معنى تالياً للضغوط والمبادرات الدولية التي تسعى لإنقاذ السلطة من مأزقها الشامل، كما لا معنى لأية دعوة من قبل السلطة للآخرين بالحوار.
سنصدق فقط أن ثمة جديداً، حينما تتخلص السلطة من وزر اعتقال أولئك، والإفراج عن كافة معتقلي الحراك وحرب صعدة، لتطوي صفحة سوداء في سجل متخم، لعلها بذلك تريح.. ونستريح.
بين صعدة وتريم
احتُفل الأسبوع الماضي باختيار مدينة تريم العريقة عاصمة للثقافة الإسلامية، وهو اختيار موفق لمنظمة الإيسيسكو ومنظمة المؤتمر الإسلامي، تستحقه هذه المدينة الأصيلة بما تمثله من تراث ديني وفكري وثقافي كبير لليمن وللعالم الإسلامي وللإنسانية. ونحن بحاجة لهذا الحدث بدلالاته الحضارية والثقافية، لنعيد اكتشاف اليمن الآخر؛ اليمن الحضاري الغني بمورثه وتعدد مذاهبه ومدارسه الفكرية وموروثه العظيم في التسامح والتعايش، وتقديم أنفسنا كيمنيين للعالم عبر تريم كعنوان للتسامح والأصالة، فلقد شوهت صورة اليمن في السنوات الأخيرة بالحروب، والاختطافات، وأخبار الإرهاب، والمجاعات والتردي الشامل.
وكما من حقنا أن نفرح وأن نتفاعل مع حدث اختيار تريم عاصمة للثقافة الإسلامية، وندعو السلطات المختصة لإنجاح فعالياتها وتغطيتها ونشرها، فإن من حقنا أن نتذكر ونذكر بما تعرضت له مدينة يمنية عريقة بموروثها وغناها الثقافي والحضاري، هي مدينة صعدة، من دمار وتخريب لمعالمها العريقة ومساجدها ومنازلها خلال الحرب السادسة تحديداً، هي اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة إعمار وعناية واهتمام بمعالمها المدمرة ومشخصاتها الحضارية، مثلها مثل باقي قرى ومناطق صعدة التي تعرضت لويلات الحرب وفظائعها التي تحتوي معالم وآثاراً يمنية قديمة يجب الحفاظ عليها لأنها في المقام الأول تراث عربي وإنساني، وليس حكراً على فئة أو مذهب بعينه أو جماعة.
************
 
المقالح لا ينتظر عفواً رئاسياً
* عبدالله بن عامر
المجرمون فقط من يُطلب لهم العفو والصفح لا رجال كان القدر قد اختارهم دون البقية ليدفعوا ثمن الحرية، لأنهم يعلمون جيداً أن تكاليف فاتورة الوطنية والشرف باهظة جداً، ولأن التغيير يتطلب ذلك ولو على حساب كرامتهم وحياتهم. وجدير بمن هم خارج القضبان ممن هم زملاء المهنة وهم يتابعون مسلسل قمع الحرية وتكميم الأفواه والتعدي على القانون وانتهاك حرمة الدستور، أن يمدوا إخوانهم الأحرار وراء القضبان بالصبر، وأن يشدوا من أزرهم رغم ما يمتلكونه من صلابة وعنفوان جعلت الجلاد ييأس منهم. وجدير بنا جميعاً أن نصوب أقلامنا تجاه إدانة ما نتعرض له من تنكيل، وفضح ما يتعرض له الصحفيون، ونطالب بجدية بمحاكمة المتسببين في إخفاء المقالح أكثر من 4 أشهر خارج القانون، وألا نتوانى في حشد التأييد الشعبي والجماهيري لإيقاف انتهاكات السلطة، والإفراج الفوري دون شروط عن كل الصحفيين، ومعاقبة المتسببين بحبسهم، وتعويضهم، والاعتذار لهم، فهذا المسار الصحيح للقضايا العادلة، لا مطالبة الرئيس لا شريك له بالعفو والصفح عن المقالح وكأنه ارتكب جُرماً بحق الوطن يستحق عليه العقاب، وكأننا بذلك لا نؤمن بعدالة قضيته، ونختصر مأساته لنعلن وفاتها وانتهاء الفصل الأخير منها بعفو ومكرمة رئاسية.
وكأن المقالح لم يتعرض للإخفاء القسري، وكأن السلطة لم تتلذذ بتعذيبه والتنكيل به، ومعه باشراحيل وغيرهها من المعتقلين الصحفيين، في محاولة فاشلة لتكميم أفواههم وإسكات صوتهم الذي صدع بالحق ورفض الارتهان، وانحاز لقضايا الوطن الجريح، لا همه سلطة أو معارضة.
لماذا نترجى السلطة في الإفراج عن المقالح، وكأننا هُنا لا نؤمن بقضيته وندينه فعلاً، ومع إدانته ندين أنفسنا، فبدلاً من إقامة الاحتجاجات السلمية، والضغط على السلطة بكل ما أوتينا من قوة لإيقاف تجبرها وتعنتها وقمعها لحرية الكلمة، نأتي عند اعتقال أي صحفي لاسترجاء فخامته بالعطف والحنان علينا، والتغني بتسامحه وسعة صدره من أجل الإفراج عن صحفي لا ذنب له إلا أنه كان شاهداً حياً على ممارسات نظام عاث في الأرض فساداً، واستنزف البلاد والعباد ونهب الثروات وأفسد الحياة الاجتماعية، وأشعل أزمات هنا وهناك، وتفرد بالسلطة وارتكب متنفذوه أبشع أنواع الجرائم ضد العُزل والأبرياء والمستضعفين.
لا ذنب للمقالح إلا أنه رفض الانحناء، ورفض السكوت والصمت، وظل واقفاً شامخاً أمام كل التهديدات والوعيد، ليصاب بقدره المحتوم الذي كان يعرف نهايته جيداً تماماً كما يعرفه كل صاحب كلمة حرة وصادقة ويد نظيفة شريفة وضمير حي لا يموت.
لا ذنب للمقالح إلا أنه قال الحق حين سكت عنه الآخرون، وصدح به، ووقف إلى جانب البؤساء والمقهورين حين تخلى الجميع عنهم، وسمع شكواهم حين صم البعض آذانهم عنهم، وانحاز لقضايا الوطن وأعلن نفسه مواطناً كريماً له حقوق وعليه واجبات، وقام بمهمته الوطنية التي آمن بها، ورفض التخلي عنها، وشد رحاله صوب المستقبل الذي يتطلع إليه لوطن يغدو فيه بلا فاسدين وبلا تجار حروب.
لا ذنب للمقالح إلا أنه ارتضى طريقاً لا يسلكه إلا الشرفاء، وتجربة لا يخوضها إلا الأبطال، مع أنه يعلم ما ستواجهه من مخاطر ومتاعب، ولهذا بدا في قاعة المحكمة شامخاً رغم ما أصابه من تعب وإرهاق.. أبياً رغم كل ما حل به من تعذيب نفسي وجسدي الذي سيطال كل الشرفاء ولن يستثني أحداً. فلنكن جميعنا جاهزين، فالشعوب لا تحيا دون نضال وتضحيات، والشعوب لا تتقدم دون رجال يؤمنون بالحق ويدافعون عنه ويبشرون بالغد الأفضل.
المقالح ما زال عنيداً كعادته، صلباً بمواقفه، حُراً بمبادئه، لم يهتز ولم ينهر كما تمنى الجلاد.. لم يستسلم كما يظن البعض.. لا ينتظر رجاءً من أحد ولا عطفاً من أحد ولا شفقة من أحد، لأنه يعلم أن قضيته منتصرة مهما طال عليها الزمن، وحتى لو كان القاضي والجلاد نفس الشخص.
إرادة لا تنكسر وعزيمة صلبة لا تنهار.. هكذا بدا المقالح في ساحة المعركة.. متشبثاً بالوطن.. منتصراً له.. رغم قساوة ما عانى ويعاني، رغم مرارة فراق أهله وأحبائه.. رغم ظلام زنازين الظالمين التي حل عليها نوراً وضياء.. رغم عدالة قضيته التي أراد السجان لها الموت، ولكن قضايا الأوطان لا تموت، وقضايا الشعوب لا تقتل، فنهايتها النصر المحتوم.
إني متأكد أن المقالح ومعه باشراحيل وغيرهما لا ينتظرون مكرمة رئاسية كما يروج أولئك تحل عليهم، ولا ينتظرون حلول عيد وطني حتى يمن الرئيس عليهم بقرار الإفراج، وإنما ينتظرون من كل قوى الشعب الحية أن تقف أمام قضيتهم وتدرسها بعناية علها تكون آخر الاعتداءات وآخر الجرائم وآخر الانتهاكات ضد رجال الكلمة وروادها.. علها تكون المحرك الأساسي للجماهير التي سترفض حتماً كل تلك الممارسات عندما يزال عنها غبار الجهل والتخلف والتعبئة الخاطئة ضد الصحافة والصحفيين.
كان الأحرى بمن يناشدون الرئيس الإفراج عن المقالح التذكير بما يعانيه من ألم، وسؤال السلطة عن أسباب اعتقاله وإخفائه 4 أشهر دون معرفة أحد، ومحاكمتها على ذلك العمل الشنيع والجُرم الإنساني الذي ارتكبته في حقه وحق كل الوطن. وكان الأحرى بأولئك أن يمتلكوا شجاعة المقالح في الدفاع عن المظلومين وقول الحق دون الغمز واللمز للحصول على مكاسب شخصية أو التقرب لهذا أو ذاك.. وكان الأحرى بالجميع أن يدين ذلك الفعل القبيح الذي لا ترتكبه إلا السلطات البوليسية، بدلاً من مناشدات لا تقدم ولا تؤخر، بل تجعل من المقالح مذنباً يتطلب منا كأصدقاء وزملاء مهنة الترجي لدى الأخ الرئيس الصفح والعفو عنه. ولو افترضنا أن المقالح متهم، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، فلماذا طلب العفو إذن؟
لسنا ضعفاء إلى هذا الحد حتى نتغلب على الحقيقة ونغايرها رغم علمنا بها، فالمقالح بريء تماماً كما الخيواني الذي دفع ثمن تطاوله وتجاوزه الخطوط الحمراء، فظل شجاعاً حتى عندما أعلن الأخ الرئيس العفو عنه قال: ولماذا يعفو..؟ ماذا فعلت؟
abdullahamer22@yahoo.com