ليس سخرية.. ولكن سخطاً

ليس سخرية.. ولكن سخطاً

* ميفع عبدالرحمن
باشتداد ساعد الحراك الجنوبي السلمي منذ الاعتصام الحاشد في ساحة الحرية -خور مكسر: 7/7/2007، والذي أطار النوم -ولا يزال حتى اليوم- من عيون الخيبة الحاكمة، تسارع دروج قضائنا على توقيع العقوبة التي ما أنزل الله بها من سلطان، على رؤساء تحرير الصحف المستقلة والحزبية المعارضة، وكتابها ومحرريها الأحرار. تلك هي عقوبة “المنع من مزاولة المهنة”، و”المنع من الكتابة” لآجال متفاوتة، إلى جانب عقوبة “الحبس… مع وقف التنفيذ”، وإيقاف صدور هذه الصحيفة أو تلك، حتى كان مايو 2009 الماضي، حين بلغ توقيع وتنفيذ تلك العقوبة ذروة اللامعقول في الحملة الانتقامية المدبرة بليل أظلم ضد صحيفة “الأيام” المستقلة بالذات على رأس 7 صحف أخرى.
لسان حال الخيبة الحاكمة، في سياق هذه العقوبة، لا يبتعد -إن افترق- عن صميم الجملة ذات الشهرة العالمية والتاريخية في التهاوي والانهيار: “كلما سمعت كلمة ثقافة، تحسست مسدسي”، لوزير الدعاية النازي /الهتلري: جوبلز، مع بعض التعديل الشكلي في حالتنا (اليمنية)، حيث أحلت الخيبة الحاكمة كلمة “صحافة” بدل “ثقافة” وبدل “تحسست”: “توسلت”، و”محكمتي” بدل “مسدسي”، لتغدو الجملة هكذا: “كلما سمعت كلمة صحافة، توسلت محكمتي”، من باب التمسيد (القانوني) على ديمقراطية “أنا الحاكم بأمري وحدي أفعل وأقول ما أشاء، وأنت ابلع لسانك ومت بغيظكـ”.
فلولا هذه الديمقراطية الشحمية، لما واجه الشهيد الحي الكاتب والمناضل السياسي المرموق الأستاذ محمد محمد المقالح، ما جعله أنموذجاً بصرياً وسمعياً -من برق ورعد- على استهتار الحاكم المطلق بكل القيم الإنسانية: الأخلاقية، القانونية، الوطنية وحتى الدينية! كيف؟ بمنتهى البساطة، لأن رئيس الجمهورية شخصياً –وبكل جلال قَدْره!- استكثر حتى على النائب العام “للدولة” (ناهيك مثلاً عن مرافقه الصحفي، الزميل الطيب عبده بورجي) إعلان وجود الأستاذ محمد المقالح في حفظ وصون أجهزة السلطة الأمنية ذات السجون الخاصة(!) والسرية(!)، حين اندفع فخامته لمباغتة العالم كله -بذلك الإعلان غير السياسي وغير المحسوب البتة- مرتين ودفعة واحدة: الأولى بإطلاق الإعلان خلال اجتماع فخامته مع ممثلي أحزاب اللقاء المشترك في يناير الفائت (وليس عبر أحد الأستاذين المعنيين مباشرة -كما ينبغي- بالأمر: علي الآنسي أو غالب القمش)، والثانية -بقلب قاعدة لعبة صبيانية، كانت شائعة في عدن- سابقاً، لعل اسمها “كشافتووو”.. فبدلاً من أن تهتف المعارضة بالرئيس، معلنة عن مكان إخفاء العزيز محمد المقالح، صارخة بقولها: “كشافتووو”، وبدل أن يعطي فخامته الخبز خبازه، فيوعز لمعالي وزير الداخلية على الأقل -إن لم يكن لدولة رئيس الوزراء- بأن يعلن: “كشافتووو” عن المقالح، ويعتذر لأسرة هذا المظلوم أولاً -وقبل العالم كله- عما شاب من “غموض” جريمة إخفائه العمد مع سبق الإصرار والترصد -مدة 4 أشهر- وهو أحد القادة السياسيين وصناع الرأي في اليمن “السعيد بحكامه” (أبو بكر السقاف)، آثر فخامة الرئيس مباغتة العالم باستحضار المثلين العربيين القديمين: “بيدي لا بيد أم عمرو”، و”عَمَّر من تكلم”، إذ يصرخ -باسم جميع المعنيين مباشرة بالأمر: أجهزة ورؤساء- معلناً لممثلي أحزاب المعارضة: “كشافتووو” عن محمدنا المقالح. كأن فخامته يلعب “كشافتووو” مع أجهزته، ونحن الذين نطلع من اللعب! ثم يردف بالتصريح عن إحالة المجني عليه أصلاً إلى القضاء لمحاكمته! إن خيبة صنعاء الحاكمة على هذا النحو، وفي كل ما تفعله وتقوله، لا تني تردد -منذ 7/7/1994 – في استماتة لاهثة: “من مشنقة إلى مشنقة فرج”.
ليكن! ولنعد إلى موضوعنا، فبتأجيل النظر -مؤقتاً- في ما ينطوي عليه الحكم القضائي بـ”منع الكتابة ومزاولة المهنة” على الكتاب الصحافيين، من إعدام معنوي، سنجد مبدئياً -ويا للأسى والألم- أن تشريع هذه العقوبة المفخخة لا يتكشف إلا عن خواء مريع: روحي بالدرجة الأولى، ومن ثم معرفي فقهي، في ترجيحه مصلحة أدنى -هي المصلحة في حماية الحاكم من “سلاح النقد”- على مصلحة أعلى -هي المصلحة في حماية الدستور والانتصار لكلمة الحق في النقد.
ليس هذا فحسب، بل إن من ساهم في التضمين القانوني للعقوبة، لم يفكر بأي من دلالاتها ولا مترتباتها، حتى ليبدو كأنه لا يعرف ولا يستطيع شيئاً من الحماية سوى المنع، في صورة من أبشع صور العسف، القمع، الاستبداد، الاضطهاد والطغيان، هي صورة الخوف العدائي من الكلمة.
نقرأ من إنجيل يوحنا:
“في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمةَ اللهُ. هذا في البدء كان عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيئاً مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت عند الناس، والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه” (الإصحاح الأول: 1 – 5).
ويقول الذي من عنده أُنزل “ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين”:
“ألم ترَ كيف ضَرَبَ اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء” إلى آخر الآيات (إبراهيم: 24 – 26).
ويقول سبحانه عز وجل:
“قل لو كان البحرُ مداداً لكلماتِ ربي لنفدَ البحرُ قبل أن تنفدَ كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مددا” (الكهف: 109).
“ولو أن ما في الأرضِ من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يمدُّه من بَعدِه سبعةُ أبحرٍ ما نفدت كلماتُ اللهِ إن اللهَ عزيزٌ حكيم” (لقمان: 27).
.. فأين من هذا القول الفصل، عقوبة منع الكاتب من الكتابة؟ علماً أن القصد من المنع هو النشر، بما هو عملية تالية للكتابة، وهو غير ملازم لها ولا هي ملزمة به، وإن كان لازماً لها وللكاتب.. فبالكتابة والنشر معاً تتحقق –في ما تتحق به- حرية الرأي وحرية التعبير عنه. أما الكتابة وحدها فقط، فبوسع أي إنسان ممارستها إذا لم يكن أمياً لا يقرأ ولا يكتب. في حين أن عقوبة حرمان رئيس التحرير والكاتب والمحرر من النشر، تعادل حرمانهم من الهواء والماء والطعام، أي مما يستحيل حتى على أصح الأصحاء وأقوى الأقوياء أن يعيش من دون أي منها.
ثم ماذا بالنسبة للأديب -شاعراً أو قاصاً أو ناقداً- في حالة الحكم عليه بمنع النشر؟ هل سيسري الحكم لذلك على أشعاره أو قصصه أو نقده الأدبي؟ إن ثمة خللاً فادحاً وفاضحاً حتى في الصياغة اللغوية للعقوبة، لابد أن يكون لفقهاء القانون لدينا رأي فيها، لأن حماية الحاكم من “سلاح النقد”، لا تكون أولاً بصيغ خاوية حتى من لغتها الأم، كما لا تكون بقمع الرأي المغاير، المناهض والمقاوم لفساد الصوت الواحد والرأي الواحد.. فالرأي الآخر وسلاحه النقدي أنفع للبلاد وحاكمها، وأقل كلفة وخطراً عليهما من “نقد السلاح” بحجة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن أزمات الحكم المتلاحقة والقاتلة: حروباً وجرعات واعتقالات ومحاكمات وتهديدات، فانقسامات وتشرذم وتفكك وانهيار تام للحكم والبلاد معاً على حد سواء.
أما الركون للبطش والرهان عليه، فيراكم من رماد رضا خيبة صنعاء الحاكمة فوق جمر الاحتجاج الشعبي وغضبه ورفضه وتمرده الذي سيحرق الأخضر واليابس، لا سيما إذا استمرأت الخيبة الحاكمة ألاعيبها في خلط الأوراق وابتزاز أحزاب المشترك وتكريس إضعافها وإقصائها، حيث سيكون البديل جاهزاً تحت رماد رضا الخيبة عن ذاتها.
في قصيدته الطويلة “سقوط دبشليم”، نتأمل ما يأتي -أدناه- من إبداع الشاعر السوداني -العربي الكبير محمد الفيتوري، على لسان “بيدبا” الفيلسوف، محذراً “دبشليم” الملك:
“وقال بيدبا:
سألتني عن السقوط مرةً
فإن تك لازلت مصغياً
ها أنذا أقول لك:
يسقط البعض لأنه يرى ولا يرى
ويسقط البعض لأنه يسير القهقرى
وشر أنواع السقوط مَرَضا
هو السقوط في الرضا”
فماذا ستقول خيبة صنعاء الحاكمة التي ترى ولا ترى، وهي تسير القهقرى؟ أعاذنا الله جميعاً –وصنعاءَ، من شر أنواع سقوط خيبتها الأثقل من الهموم كلها على قلوبنا مجتمعين في حراك الجنوب السلمي.. العزيز.