أبين خارج الحراك

أبين خارج الحراك

تبنى طارق الفضلي خطاباً متشدداً «لفك الارتباط» وكان أول من لوح باستخدام السلاح، لكنه اختار طريق الهدنة، فقد كان خائفاً على حياته
 «النداء» – خاص:
اختار الشيخ المثير للجدل طريق التهدئة مع صنعاء. وقد أذعن القيادي في الحراك الجنوبي طارق الفضلي، لشروط بدت قاسية بالنسبة لرجل طالما التزم الحد الأقصى من التشدد، وهو يعلن الوقوف مع مطالب الحراك الجنوبي و«فك الارتباط».
واضطر تحت وطأة حملة عسكرية إلى نزع الأعلام الشطرية لجمهورية اليمن الديمقراطية سابقا، وحتى إزالة صور ناشطين سقطوا في فعاليات احتجاجية للحراك الجنوبي.
ومنتصف الأسبوع الماضي كانت جدران قصره في زنجبار والأحياء المجاورة خالية تماماً من أي شعارات مناهضة للوحدة، بعد أيام فقط من إطلاقه دعوة «لانتفاضة حجارة» في المحافظات الجنوبية ضد «سلطة الاحتلال».
تحدثت تقارير صحفية عن وساطة قادها مسؤولون في الدولة وشخصيات اجتماعية من أبناء المحافظات الجنوبية، لنزع فتيل التوتر بين الفضلي والسلطات. لكن مصادر قريبة من الفضلي قالت لـ«النداء» إن ما حدث لم يكن سوى هدنة مؤقتة، وجاءت خاتمة لوساطة بذلها العميد ناصر منصور هادي، شقيق نائب رئيس الجمهورية، وهو مسؤول في جهاز الأمن السياسي. غير أن الأمر الحاسم لإنجاز التسوية، على ما تذكر المصادر، أن الفضلي كان على مقربة من مصرعه، حيث كانت حملة عسكرية تضيق الخناق على قصره، وعلى وشك الضغط على الزناد.
وبينما شرع الفضلي بنزع الأعلام الشطرية كشرط رئيسي في الهدنة، بالإضافة إلى وقف الفعاليات الاحتجاجية، كان الشيخ يحصد نقمة أخرى ظهرت في بيان وزع في أبين لا يحمل توقيعاً، يتهمه بالتآمر على الحراك، وهي الشكوك التي طالما خامرت قوى الحراك الجنوبي منذ إعلان الفضلي المفاجئ، قبل نحو عام، إنهاء تحالفه القديم مع الرئيس علي عبدالله صالح، والانضمام إلى صفوف المطالبين بالانفصال.
يحظى طارق الفضلي بنفوذ واسع في أبين، فهو يتحدر من أسرة سلاطينية وضعت حكومة الاستقلال نهاية لحكمها في أبين عام 67، وارتبط بتحالف مع الرئيس صالح ضد الحزب الاشتراكي بقيادة علي سالم البيض في حرب 94.
قبلها كان التحق بحملة «الجهاد الأفغاني» التي روجت لها الاستخبارات الأمريكية وحكومات عربية ضد «الشيوعية» في كابول، لمواجهة الاتحاد السوفيتي. وحظي وقتها بعلاقة قريبة من زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وكان واحداً من أبرز تحالفات الرئيس التي حددت مسار المواجهة وحسمت حرب 94.
جنى الفضلي لاحقاً مصالح واسعة كثمرة لتحالفه مع الرئيس، وتوثقت الصلات بمصاهرته للقائد العسكري النافذ والقريب من الرئيس؛ علي محسن الأحمر، قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية، وحاز موقعاً رفيعاً في حزب الرئيس: المؤتمر الشعبي العام، قبل أن يصبح بعد 15 عاماً أكثر الشخصيات الجنوبية طلباً للانفصال.
«كنت في أعلى السلطات، ودخلت القصر الجمهوري بدون موعد، ولم يسبق لأحد أن اتهمني بهكذا شيء»؛ يقول الفضلي لموفد صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، في معرض رده على اتهامات السلطة له بالإرهاب والقاعدة. كانت تهمة الإرهاب واحدة من التهم التي وجهت للرجل الأربعيني بعد إعلانه الانضمام للحراك الجنوبي في أبريل 2009.
وكان لافتاً مع هذا الإعلان المفاجئ للفضلي «التبشير» بعودة البيض للعمل السياسي، وتبني «فك الارتباط»، وهو ما تأكد لاحقاً في مايو 2009، حيث غادر البيض بياته الطويل منذ حرب 94، وعاد مجدداً لقيادة معارضة «جنوبية» في الخارج من أجل «فك الارتباط».
استقبلت قوى الحراك الجنوبي خطوة الفضلي بالترحيب المعلن، ودارت بين قياداتها طاحونة شكوك، أغلبها صنفته كأداة للسلطة لاختراق الحراك.
الشيخ النافذ في أبين واصل اقتحامه للمشهد الجنوبي، وتبنى مواقف مثيرة للجدل وأكثر تصعيداً، وكان أول من لوح باللجوء للسلاح «لتحقيق الاستقلال».
في أغسطس 2009 تبنى محاولة لدمج مكونات الحراك الجنوبي الأربعة في كيان واحد: المجلس الأعلى للثورة السلمية لتحرير الجنوب. ومع أنه استطاع الحصول على تأييد شخصي من بعض قيادات الحراك، إلا أن الخطوة سرعان ما تلاشت، وكان العميد ناصر النوبة وقتها أبرز قائد في الحراك، يعبر عن رفض الدمج ضمنياً في رسالة رحب فيها بإنشاء «المجلس الأعلى للثورة»، كمكون جديد من مكونات الحراك.
برغم ذلك، فقد استطاع الشيخ الطامح أن يكون صاحب نفوذ واسع بين قوى الحراك الجنوبي، فقد تبنى خطاباً اعتمد على إثارة مشاعر الجماهير الساخطة على السلطة، فحقق حضوراً طاغياً في أبين، حتى بين أنصار خصمه اللدود: الحزب الاشتراكي.
بحسب ناشط اشتراكي فضل عدم ذكر اسمه، فإن %80 من قواعد الحزب في أبين باتت تؤيد طارق الفضلي، ومنخرطة في فعالياته. وكان الناشط يتحدث لـ«النداء» منتصف الشهر الفائت، وسط معلومات عن استمرار تدفق «الكدم» ساخناً إلى منزل الفضلي من مخابز الجيش.
المؤكد أن الفضلي وأنصاره بسطوا سيطرة شبه مطلقة على زنجبار طيلة الأشهر الماضية، وكان نهاية الشهر الفائت يعلن عن تصعيد جديد، حيث دعا إلى «انتفاضة حجارة» جنوبية في بيان وزع مرفقاً ببيان آخر لما أسمي بكتائب المقاومة. كان التحذير موجهاً لمن سماهم المقيمين بالبطاقات الحمراء من أبناء المحافظات الشمالية، ويطالبهم بالالتزام بتنفيذ ما يصدر عن المجلس الأعلى للحراك السلمي (حسم) التابع للفضلي.
بدلاً من انتفاضة الحجارة التي كانت بدأت تطال محلات تجارية لعمال من الشمال، انخرط الجنوبيون في مظاهرات احتجاجية دعا لها علي سالم البيض تزامناً مع انعقاد مؤتمر دولي بشأن اليمن في الرياض.
طبق مراسل «النداء»، فإن زنجبار خلت تماماً من أي وجود أمني وعسكري يومي السبت والأحد (27 – 28 فبراير)، ودخلت في إضراب عام ومهرجانات أقامتها جماعة الفضلي.
ربما كان هناك سخط كبير يغلي في صنعاء تجاه الرجل، فقد سبق أن خاض في مناكفة مزعجة عندما رفع العلم الأمريكي مصحوباً بالنشيد الوطني الأمريكي، في باحة قصره لمواجهة الاتهامات المتكررة بالارتباط بالقاعدة، وأطلق تصريحات التزم خلالها بحماية المصالح الأمريكية والبريطانية ومحاربة الإرهاب «كوعد» في حال تحقق «الاستقلال».
كان عناصر الفضلي قد رفعوا الأعلام الشطرية وصور قتلى الحراك في كل مكان، بالإضافة إلى صور البيض، وصولاً إلى بعض المرافق العامة وفقاً لمصادر محلية.
لكن صنعاء بلغت ذروة السخط عندما أقام محتجون مهرجاناً قبالة منزل الفضلي، ونصبوا محاكمة رمزية للرئيس، تلاها تنفيذ الإعدام بمجسم لصورة الرئيس صالح.
وفي اليوم التالي كانت زنجبار تحت هيمنة انتشار عسكري مكثف ومباغت. بحسب مصادر محلية فإن حملة عسكرية لقوات من الجيش والأمن المركزي بدأت مع الساعات الأولى من فجر الاثنين قبل الماضي، طوقت مداخل المدينة، وفرضت حظراً للتجوال. بالتزامن معها توجهت قوات عسكرية صوب هدف واحد: منزل صالح اليافعي.
قبل هذا التاريخ لم يكن اليافعي مهماً كثيراً للسلطات رغم تصنيفه من قوى الحراك الجنوبي كقائد ميداني لأحد فصائلها. لكنه أصبح هدفاً لكتيبة عسكرية بحسب تقديرات محلية صبيحة الاثنين، لأنه كان هو منفذ عملية الإعدام الصورية بحق الرئيس. غير أن وزارة الدفاع قالت إن اليافعي كان مطلوباً أمنياً باعتباره من العناصر القيادية للقاعدة بحسب «سبتمبر نت».
طبق مصادر في زنجبار، فإن القوات العسكرية حاصرت منزل اليافعي، وانتشرت في محيطه بما في ذلك منارة مسجد مجاور، ودارت اشتباكات بعد إخلاء المنزل من النساء، قُتل فيها اليافعي وابنه وطفلته. كانت رسالة ساخنة جداً على مقربة من منزل طارق الفضلي، وقد خضع الأخير لحصار دام ساعات بعد إطلاق قذيفة آر بي جي صوب أطقم عسكرية. ويبدو أن رسائل تهديد سابقة من صنعاء بدأ الفضلي يلمسها على بعد أمتار من منزله، فشعر بخطورة الموقف، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقة بين الجانبين.
بحسب مصادر قريبة من الفضلي، فإن عضو مجلس النواب عوض محمد الوزير كان حمل للفضلي رسالة من الرئيس صالح قبل أيام من الحصار. لم يفصح المصدر عن تفاصيل، لكنه قال إن الرئيس دعا الفضلي للتهدئة، وحملت رسالته تهديداً، وقد رفضها الفضلي ليعود الوزير دون تحقيق نتائج.
لقد انفض الحصار العسكري المطبق على منزل الفضلي فجأة، وخرجت عناصر تابعة له يومي الثلاثاء والأربعاء قبل الماضيين، لإنزال الأعلام الشطرية، وصور البيض وقتلى الاحتجاجات. ماذا حدث إذن؟ تقول الرواية الشائعة إن مساعي بُذلت من شخصيات اجتماعية ومسؤولين محليين لإقناع السلطة بالعدول عن استهداف الفضلي مقابل التزامه بوقف نشاطه المهيج للناس. وتحدثت أنباء عن «صفقة» أبرمها الفضلي مع السلطة، كان من ضمنها إقالة مدير أمن المحافظة واستبداله بآخر. بحسب مصدر قريب من الفضلي، فإن شقيق نائب الرئيس ناصر منصور هادي قاد اتفاق «الهدنة» الحاسم.
ويقول إن الفضلي التزم بنزع الأعلام وإزالة الصور والشعارات من منزله، ووقف أنشطته الاحتجاجية لمدة شهر مقابل مطالب بالإفراج عن معتقلي الحراك الجنوبي. في هذه النقطة تحديداً قال المصدر إنها ليست محددة بزمن، واستدرك: هذا الاتفاق أنجز «تحت ضغط الحملة العسكرية»، ولاعتبارات أخرى لها صلة بالعلاقة الشخصية الطيبة بين ناصر هادي والفضلي.
مع ذلك، فقد حملت الأنباء روائح صفقة أبرمت بين الفضلي السلطة، وبالتزامن وزع بيان في أبين وصف الفضلي بالمتآمر على الحراك الجنوبي.
لم يحمل البيان توقيعاً أو مسمى لجهة، لكنه تضمن إشارات توحي بأنه صادر عن فصائل في الحراك على الأرجح تضمر شكوكاً بالفضلي.
تحدث البيان عن الفضلي «كمتشدق بثورة الجنوب ويتجاهل بأنه خال أولاد علي محسن الأحمر، وأنهم ينفقون عليه».
وقال إن الفضلي لا يتجاوز عتبة بيته، ويدعو إلى فعاليات بهدف «إظهار رموز الحراك ليترصدهم الأمن القومي ويعتقلهم»، مستشهداً بصدامات وقعت في يوليو 2009 عقب فعالية دعا لها الفضلي وقتل فيها 12 ناشطاً برصاص الأمن بجوار منزله. مع ذلك «فلم يطل الرصاص الفضلي، بينما كان أمام أعين الأمن» يقول البيان.
أشار البيان إلى خلاف وقع بين الفضلي واليافعي. واتهم الأول بالوقوف وراء عملية الاغتيال الأخيرة للقائد الميداني للحراك في أبين صالح اليافعي «فهو من دفع الأمن لاغتياله وترويع أسرته»، نافياً عن اليافعي تهمة الإرهاب أو السرقة أو نهب أراضي الناس كما يفعل الفضلي. لا شك أن تهمة كهذه مزعجة للشيخ، وهو معتقد أن جهة أمنية تقف خلف ترويجها وفقاً للمصدر.
قبل نحو أسبوعين قال مراسل «النداء» إن هناك أنباء متداولة على نطاق واسع عن اعتزام صنعاء استبدال محافظ أبين أحمد الميسري بوليد الفضلي مدير الضرائب في المحافظة، وهو أخ شقيق لطارق.
وهذا الأسبوع نشرت «القدس العربي» نقلاً عن مصادرها، أن رئيس الجمهورية وافق على تعيين وليد الفضلي محافظاً لأبين في إطار «صفقة مع طارق».
لاحقاً نفى الشيخ في تصريح لموقع «نيوز يمن» وجود صفقة، وتحدث عن التزامه بنضال أبناء الجنوب حتى «تحقيق المصير»، لكنه أكد وجود هدنة.
يحاول الشيخ طارق الفضلي أن يبدو صلباً ومتماسكاً، فهو يريد الحفاظ على حياته أولاً دون تنازل عن «حق تقرير المصير».
فهل أسدلت السلطة الستار على تجربة الفضلي ودوره في الحراك؟ لا تبدو المسألة بسيطة بهذا الشكل، فالأوضاع المتحركة في الجنوب تجعل كل شيء مربكاً وضبابياً ويصعب الإمساك بنهاية على هذا النحو.