حمق.. وأحبه

حمق.. وأحبه

*منى صفوان
الرجل هو: ذلك المخلوق الذي يرفع حذاءه في وجه زميله في البرلمان حين يكون عليهم أن يناقشوا أمرا مهما، ويرفع سلاحه بعد ذلك، حين يكون عليه إنهاء هذا النقاش.
لا أعرف إن هناك رجل، لم يعد يتعامل على كونه… رجلا..
فكونه المخلوق الذي يفترض في نفسه الذكاء والقوة معا، في الوقت الذي لا توحي أي من تصرفاته أنه يملك أياً من الخاصيتين، فالرجل لم يزل يصر أن يظهر أمام أية امرأة يصادفها أنه المخلوق الأفضل على وجه الأرض، مع أن أياً من تصرفاته لا توحي بذلك.
وكونه قد جاء مبكرا، وخُلق قبلنا، بحسب الروايات التاريخية والدينية التي رواها هو، وفسرها، بما يقلل من شأننا كنساء، فقد حجز مقعدا في المقدمة، ليترك الكرسي الخلفي للمرأة، وحين يجلس معك مضطرا إن خرجتم للعشاء أو لتناول كوب قهوة، فقد يدفع الفاتورة من حقيبتك.. “كم مرة دفعتِ عن زوجك أو زميلك أو صديقك فاتورة المطعم.. أو قيمة كوبين من الكاكاو أو الكابتشينو دعاك هو لهما.. ورغم ذلك أكملت علاقتك به!
فنحن لا نفهم بسرعة، فقد انتظرنا قروناً وعقوداً وسنوات أن يحسنوا القيادة، فزادت حوادث السيارات، فهو يفشل دائما في حل النزاعات، ويخفق في قيادة البشرية، أو حتى قيادة أسرته الصغيرة التي قد لا تتكون إلا منه هو وزوجته!
فمتى رأيتم رجلا ينجح في إدراة حوار! سواء كان حوار الأحزاب، أو حوارا مع حبيبته الغيورة، أو حتى طفلته العنيدة!
لقد تغطرس كثيرا ولم يعترف بأخطائه التاريخية، متذرعا كل مرة بسبب ساذج ليقول إننا سبب في طرده من الجنة، ولذا علينا أن ندفع الثمن، وأجرة التاكسي، متناسيا أن غباءه هو السبب، في طردنا من الجنة، وفي تشرذمنا على هذه الأرض.
وحين سلمت النساء مبكرا زمام الأمور، وسلمت بقدرة الرفيق على القيادة، زادت العنوسة، ومعدلات الطلاق، والأزمات الاقتصادية، والأسعار والحروب، والاغتيالات وحوادث السيارات والخيانات الزوجية، وفواتير هواتفنا المحمولة، والأسوأ ما حدث من كوارث طبيعية، بسبب سوء إدارة المناخ.. وعدم قدرته على فهم الطبيعة والتعامل معها، والمرأة جزء من هذه الطبيعة التي يدمرها كل يوم.
فهو الذي يرفع الأذان، وهو الذي يرفع الأسعار.. ويرفع صوته حين يكون موقفه ضعيفا، لذا فكل مرة نرى رجلا يرفع صوته. وهو الذي يرفع حذاءه في وجه زميله في البرلمان حين يكون عليهم أن يناقشوا أمرا مهما، ويرفع سلاحه بعد ذلك، حين يكون عليه إنهاء هذا النقاش.
هذا المخترع المبدع، والعالم والعبقري، والقائد العظيم، في قيادته الفذة للوصول للبرلمان، ولقصر الحكم، ولقلب المرأة أو تحت ملابسها، أوصل البشرية الى الكارثة، وأي بلد يحكمه إلى الدمار، وهي تنتظر منه أن يوصلها إلى بر الأمان.
وحتى للوصول برفيقته إلى أقرب مطعم لتناول الغداء، يفشل دائما في إيجاد الطريق.. كم هي المرات التي رأيتم فيها رجلا في الشارع يسأل عن الطريق.. أو يذهب لبلد آخر لتوقيع اتفاقية ليعيد وطنه الذي أضاعه هو! فهو دائما حين يسأل عن الطريق يسأل رجلا مثله.. وحين يود عقد اتفاقية، يتفاوض مع رجل مثله..
وللوصول إلى بر الأمان، أو إلى القمر، سرنا دائما خلف الرجل، فهو القائد الملهم، الذي لم نعرف عم يبحث في الفضاء!.. وهو الذي لا يستطيع أن يجد فردة جواربه!
فالعالم الذي لم يعد يخترع شيئا يفيد البشرية دون أن تكون له أضرار كارثية جانبية..، يؤكد أن هناك مخلوقات أخرى في الفضاء، لكنها أقل ذكاء منه، لأنها لم تنتج أفلاما علمية، ترشح للأوسكار، آخرها “أفتار” ذو الأبعاد الثلاثية لأول مرة في السينما، والذي يتنبأ فيه بانتهاء البشرية، أليس الرجل مخلوقا ذكيا.. فعلا!
أخيرا أصبحنا على متن كوكب يقوده مخلوق أحمق.. يعبث بكل ما فيه، حتى بما استطاع أن يصنعه هو بفن وحكمه.. الأدهى أنه استطاع أن يعبث بنا نحن النساء، مستخفا بقدراتنا، على أن نشاركه أمر القيادة، قائلا بثقة بعد أن سرق العبارة من أحد المسلسلات المصرية “المركب اللي فيها ريسين بتغرق..”.. وكم هي المرات التي غرقت فيها مراكب وعبارات وسفن حربية، وتحطمت طائرات، واصطدمت قطارات.. وضاعت مركبات فضائية!
وبعد كل كارثة يحدثها، كلما استأثر بالسلطة لنفسه.. يعتذر ويبرر. انتظرنا طويلا أن يفهم أنه لا يجوز “منطقيا” أن يكون وحده صاحب القرار.. ولكنه لم يفهم “فشرعا ذلك جائز!”.. فهو لم يزل دائما أكثر المخلوقات ذكاء، فهو أذكى من القردة والفيلة والحمير الوحشية والفئران… ليكرر عبارة مقتبسة من فيلم مصري رديء.. “أيش فهمك إنتي.. ناقصات عقل ودين..”.. حينها يرفض نظام الكوتا.. لأنه لا يؤمن بالمشاركة السياسية أو حتى العاطفية، فهو وحده صاحب قرار الحب والحرب.
عزيزتي.. إن كنت ممن يشاهدون الأفلام الرومانسية التي يصنعها رجال أيضا.. فعليك أن تنتظري طويلا من زميلك، أن يسحب لك كرسيا لتجلسي إن كان هناك اجتماع عام وكل الكراسي قد جلس عليها رجال آخرون.. لم ينتبهوا لوجودك، وإن انتظرت ستحضرين هذا الاجتماع واقفة لتسمعي ما يقوله زميلك العبقري.
وعليك أن تنتظري أن يفهم أن عليه أن يفسح لك الطريق في الزحام، وألا يتعمده، لأنك تخافين تحرشه، وإن تحرش بك، فعليك أن تلجئي لشرطي قد يعتدي عليك..
وانتظري أن يفقه، أنه ليس عليه أن يرفع صوته حين يحدثك، ولا يتلفظ بعابرات نابية، ونكت خارجة.. انتظري أن يأتي يوما ليفتح لك باب السيارة، إلا إذا كان عاملا في فندق، وهذه هي مهنته أصلا.. انتظري أن ينتبه أن يعاملك بلياقة أكثر كزبونة وزميلة وصديقة وزوجة،… وحين تقعين في حبه فانتظري منه أن يصارحك هو بحبه، وإلا فانسي أمر هذا الحب. وإن فعل فعليك أن تنتظري منه هو أن يقرر الزواج منك.. وقد يفعل ذلك بعد أن تكون سمعتك قد عرفت كفتاة سيئة.. وبعد أن عانيت من ضغط أهلك ونظرات جيرانك.. وحينها لا تنتظري منه كرجل شريف وابن ناس، أن يتزوج بفتاة سيئة السمعة مثلك خرجت معه، وسمحت له أن يرى لون حذائها عن قرب..، لأنه ما من لون آخر غير الأسود ترتدينه!
إلى متى عليك أن تنتظري أن يوصلك رجل إلى منزلك حين تعودين إلى البيت متأخرا، لتقي نفسك تحرش رجال آخرين يتسكعون طوال الليل، حتى لو كان هذا الرجل هو زوجك أو أخاك.
إلى متى تنتظر تلك الصامتة، أن يعينها رئيسها في العمل في المنصب الذي لا تستحقه، بقدر ما تستحق منصبه هو، لأنها أكثر ذكاء وعلما وحنكة منه.
ودائما تنتظر النساء أمر الرجال للخروج والدخول والأكل والحب والزواج والسفر والحصول على الجنسية، فبيده القوانين وجوازات السفر والمنح التدريبية والإذن للذهاب للمستشفى للعلاج ولزيارة الأهل.. برغم أنها قد تكون أكثر درجة علمية منه، وأشد ذكاء وقوة..
متى ستكف النساء عن أخذ الفتاوى من الرجل، ليعلموهن كيف يغسلن أجسامهن بعد فترة الحيض، وكيف يعاشرن أزواجهن، وكيف يتوضأن للصلاة، وكيف يلبسن، وماذا يرتدين وأين، وكيف عليها أن تكون في الشارع والمطبخ.. وكيف تطبخ..؟
فهو من يحدد أين توجد المرأة وبأية كيفية، هو من يقول كيف تتعلم وماذا تتعلم، هو يعد المنهج وهو يقر القانون وهو يدير الإعلام، ويصدر الفتوى، ويلغيها.
متى تكف النساء عن انتظار الأوامر، وتصريحات الخروج والدخول، وصكوك الشرف والأخلاق، من الرجل.. الخارق القوي، الذكي، الغني.
لن تستطيعي أن تعيشي من دونه.. لأنك مخلوق ضعيف وغبي وفقير ومعتمد عليه، فكرّسي حياتك من أجل رجل يلغيك، واصنعي رجلاً يخجل منك، وباهي برجل ينكرك، وكوني خلف رجل.. يدهسك.
.. انتبهي لمشيتك، اخفضي صوتك، غطي شعرك، اجلسي سوى… متى تلغى من قاموس الحوار مع هذا الرجل..؟
ومتى يكف المخلوق الأذكى عن افتعال الحروب، ليهزم كل مرة، ويدعي الانتصار بعد أن يكون قد قتل آلاف النساء والأطفال، وشرد البقية؟ إنه يفعل ذلك على مر التاريخ، مدعيا البطولة، ليوصف بعد ذلك بأنه رجل إدارة الأزمات ورجل السياسة ورجل القرن ورجل العام.
والزعيم العظيم والقائد الأوحد، الذي يدخل التاريخ من أوسع أبوابه، ويكون تاريخ الأمم والأوطان هو تاريخ الرجال، وكذلك تاريخ البيوت.. هو تاريخ الرجال.
إلى متى تخاف النساء الطلاق، وتتمناه.. وتخشى الزواج، وتنتظره، وتفضل إنجاب الذكور على الإناث..؟
ولكن الحقيقة الأجمل في كل هذا، أنها وبرغم أنها تعرف حقيقته، فهي كمخلوق عجز عن فهمه الرجل، لم تزل قادرة على أن تغرم به وتحفظ ذكرياتها معه وتغفر له وتشتاقه وتنتظره.. وتغسل قمصانه.