لا تراجع

لا تراجع

منصور هائل
ضاقت هوامش المناورة، وانكمشت مروحة الخيارات التفاوضية لـ”النظام” الحاكم في صنعاء، ولم يعد بمقدوره التسويف والتلاعب والتراجع عن التزامه بالتعاطي مع خيارات المانحين الدوليين والإقليميين، لأن ذلك سوف يعجل بانهياره قبل أي شيء آخر، ومن غير المستبعد أن تنفتح، بعد ذلك، متوالية الانهيارات في معظم أرجاء البلاد على منوال ما يحدث للصفائح النكتونية حين تثور البراكين العمياء في باطن الأرض.
والواضح أن المانحين قد رسموا خارطة لليمن بأفق يستجيب لمصالحهم بالدرجة الأولى، وبالتوازي يستجيب لمصالح الشعب اليمني الذي أهلكته أثقال المعاناة المديدة من اللصوص الفاسدين المتنفذين الذين تخصصوا بـ”شفط” المليارات من القروض والمساعدات المقدمة من صناديق الدول والمنظمات المانحة، وأهدروا فرصاً ثمينة للنهوض بالعملية التنموية، واغتالوا أحلام وتطلعات الأجيال بالرفاه، وحقهم في الحياة الآمنة والكريمة.
من هذه الزاوية يجدر بنا مقاربة عناوين ومفردات الملفات المطروحة أمام مؤتمر المانحين الذي ينعقد اليوم 27 فبراير في الرياض، وكذلك مؤتمر برلين الذي سينعقد في مارس القادم، فهي عناوين شفافة تقطع بأن (النظام الحاكم) استنفد صلاحيته، وتآكلت شرعيته، فهو فاشل وغير مؤهل لاعتناق السياسة بما هي رهان عقلاني، مدني، حداثي، وفاشل لأنه اعتمد طريقة إدارة البلاد بالحروب، وفاشل بشهادة مدوية من المجتمع الدولي الذي جاهر أخيراً بهذه الحقيقة وأقر بأن رأس المصيبة يتجسم في عدم قدرة هكذا نظام على استيعاب الدعم المالي الدولي، وافتقاره إلى مؤسسات الإدارة والتدبير المؤهلة على الاستخدام الرشيد لأموال القروض والمساعدات، وعدم تمكنه خلال 3 سنوات، من استخدام أكثر من 7 بالمائة من الدعم المالي المقدم من المانحين الدوليين في مؤتمر لندن 2006.
على ذلك، يأتي مؤتمر الرياض ليناقش هذه النقطة، ويبحث في إمكانية تولية جهة دولية موثوقة مهمة تصريف ومتابعة المشروعات التنموية التي تمولها الدول المانحة -حسب الدكتور عبدالله مرعي بن محفوظ رئيس مركز جدة للمنتديات والفعاليات، “السياسية” 25 فبراير 2010.
واللافت هذه المرة أن مؤتمر الرياض يكتسب شرعيته من مباركة دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وإقرار هذه الدول بأن “السعودية تظل هي المعنية الأكبر بأمور اليمن كونها الجارة الكبرى والأكثر تضرراً من الإرهاب والتهريب والتسلل والهجرة غير الشرعية” -المصدر السابق.
وبمناسبة هذا الدور السعودي المبارك دولياً، لا بأس من التنويه إلى أن طبيعة المعطيات والمتغيرات الناشئة تدعو المملكة إلى الانفتاح على مختلف فعاليات وأطياف السياسة في اليمن، وإلى الأخذ بخيارات البنك الدولي وكبار المانحين الحريصين على استيعاب دور القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، وغير ذلك من الفئات الناهضة صاحبة المصلحة في الحكم الرشيد، ودولة القانون، وتعزيز البنية الاقتصادية للبلد، والنهوض بالتنمية السياسية، والإصلاحات القضائية والأمنية والديمقراطية، وغير ذلك من العناوين التي ينبغي أن تدرك السلطة في صنعاء أنها تقترح هيكلة جديدة للنظام السياسي، وتفتح طريق التغيير الشامل، ومن الضروري أن يتسع نطاق بحثها وتداولها بالانطلاق من معطيات الأزمات المتفجرة في البلاد والملفات الملتهبة: الحراك الجنوبي، الحوثية، القاعدة…
وقبل أن نختم لابد من لفت المعنيين بملف اليمن في المملكة، إلى أن التعويل على دور القبائل المسلحة ومشائخها، واستضافة مشائخ بكيل الذين حملتهم طائرة خاصة مرسلة من ولي العهد الأمير سلطان، ثم استضافة مشائخ حاشد، وغيرهم ربما كان في محله أو كان كثير النجاعة في ظروف الحرب الباردة وفي حقبة الحرب الملكية الجمهورية التي اندلعت مطلع ستينيات القرن الماضي، ووضعت أوزارها مطلع السبعينيات، ولكن الاتكاء على هذه الركيزة التقليدية وتفضيلها على جميع اللاعبين الآخرين ينطوي على إسقاط معطيات اليوم من الحسبان، ومن الراجح أن يلعب دوراً في تعزيز مراكز القوى المعوقة لبناء الدولة، والمتعارضة مع التوجهات المعلنة لمؤتمر الرياض وبرلين وغيرهما.
mansoorhaelMail