الحرب تحت جنح السلام

الحرب تحت جنح السلام

*عبدالباري طاهر
فرح العديد من أمم وشعوب العالم بانتخاب أوباما لأنه رفع معركة السلام في وجه سياسة بوش الابن الذي قسم العالم إلى خير وشرير شأن بن لادن صاحب تقسيم العالم إلى فسطاطين.
برع أوباما المحامي في الدفاع (نظرياً) عن قضية السلام، واستبشر العالم خيراً “بالسلام” الذي وضعه أوباما في قائمة أولوياته، وبشر بالانسحاب من العراق، وتهيئة المناخ للانسحاب من أفغانستان وحل القضية الفلسطينية.
ما إن فاز أوباما وحصل على جائزة نوبل للسلام، حتى بدأ التهيئة للحرب في أفغانستان، ونفض اليد من الضغط على الحليف الإسرائيلي لوقف الاستيطان الذي دعا إليه.
وعملياً يجري الضغط على الأمم المتحدة وحلفاء أمريكا وأصدقائها لتشديد العقوبات ضد إيران على طريق تهيئة الأجواء لما هو أسوأ.
يوماً عن يوم يتحول أوباما بوشاً آخر كتسمية رجل السلام الإسرائيلي الصحفي اليساري يوري أفنيري.
فأوباما الذي فتح نافذة للأمن في السلام يفتح اليوم أبواباً واسعة للحروب، فالحرب في أفغانستان قد اشتعلت مجدداً بعد تزويد الساحة الأفغانية ب30 ألف مقاتل من الجيش الأمريكي ومقاتلين من النيتو، وتلوح إسرائيل الذراع المسلحة للمصالح الأمريكية والغربية، بحرب وشيكة ضد المنطقة وإيران، ويقف البيت الأبيض موقف المؤيد للسياسة الإسرائيلية الحربية والإرهابية المهددة للأمن والسلام.
المأساة أن تراجع أوباما الدراماتيكي يقوي عضلات دعاة الحرب في أمريكا وإسرائيل والكثير من مناطق التوتر في العالم، في حين يضعف خيار السلام العنوان الرئيسي في حملته الانتخابية.
ولعل أهم المستفيدين من هذا التراجع أو التلكؤ هو الحزب الجمهوري الأمريكي والمحافظون الجدد الذين يعتقدون أن العالم لابد أن يساس بالعصا الأمريكية الغليظة وأدواتها في العالم وفي المقدمة إسرائيل.
خطاب السيد حسن نصر الله في لبنان يعكس مخاوف حقيقية من قيام إسرائيل بعدوان ضد لبنان وسوريا، وهو ما تعد له وتقوله إسرائيل. تدرك إسرائيل أن معركتها الحقيقية مع الفلسطينيين واللبنانيين وسوريا، وأن الخطر الإيراني هو في قربه منها. لذا فإن معركتها معه هي في الأصل معركة ضد فلسطين وجوارها العربي، وهي المعركة الممتدة منذ عدة عقود.
لم يكن أوباما صادقاً في دعواته السلامية. لذا تراجع عنها بيسر وسهولة لافتة.
تخوض أمريكا المعركة في أفغانستان تحت شعارات سلامية تدعو للمصالحة، ويبقى السؤال في مدى جديتها؟
أمّا في العراق فإن غزوها المدمر ومجمل سياساتها قد وضع العراق تحت رحمة النفوذ الإيراني، ولم تعد قادرة على فرض التوازن بعد أن أخلت به بصورة كبيرة.
تراجع أوباما عن حل عادل للقضية الفلسطينية، والتخلي عن الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان هل مرده إلى تزايد الضغط اليميني الأمريكي الذي يمثله المحافظون الجدد المتسع نشاطهم؛ أم للوبي الصهيوني القوي والنافذ، أم لتلاشي الإرادة العربية؟ إن لفساد السلطة الفلسطينية دخلاً كبيراً في الأمر. فالانقسام الفلسطيني والفساد المدمر في السلطة والموقف من غزة وحماس تدفع كلها باتجاه تراجع إدارة أوباما.
ولكن هل تدفع هذه الأسباب مجتمعة إلى إغراء اليمين الإسرائيلي المغامر والمتطرف بالحرب؟
كان مجد أوباما بلاغة خطابه السلامي ووعوده المضيئة والبارقة بالأمل في السلام. والخطاب غالباً في جوهره غير عقلاني، وهو يناجي العاطفة بأكثر مما يخاطب العقل. فالخطاب يعتمد إثارة المشاعر ودغدغة الوجدان، وتنويم العقل، وهو منذ أفلاطون يقوم على البلاغة التي تخفي أكثر مما تعلن.
نهج البلاغة الذي دونه الشريف الرضي كان تعويضاً عن الإمبراطورية الأموية التي أقامها الأمويون، وخطاب الزعيم العربي الثائر جمال عبدالناصر عقب هزيمة 67 كان بكائية حزينة، غطت بلاغتها على حقيقة بشعة في جوانب مهمة.
بلاغة خطاب أوباما وتدثرها بالسلام تخفي أو تبطن العصا الخبيئة التي عجزت الإمبراطورية الأمريكية عن الانتصار بها فزوقتها في خطاب جديد وأسلوب مختلف، ورجل من عالمنا الثالث والإسلامي.
لاحظ قارئو خطاب أوباما أن الحرب ما تزال مستبطنة في الخطاب، وأن السلام يحمل معاني وأبعاد الحرب أو القوة الناعمة، وأن الداعية مارتن لوثر كنج يطفو على سطح خطاب أوباما، بينما يختبئ الجنرال بوش ليظهر في الممارسة والفعل.
لقد فشلت سياسة بوش البالغة القسوة والمتغطرسة، فجاء الزعيم الجديد ليعيد صياغة الخطاب، وقد يتوسع تحت غطاء كثيف من بلاغة الخطاب المؤنسن ودائرة الحرب في أفغانستان وباكستان وربما العراق واليمن، ولا يستبعد أن تمتد إلى مناطق أخرى. فإسرائيل لا يمكن أن تلج الحرب التي تتأهب لها دون موافقة سيد البيت الأبيض.
إغراء الحرب في الوطن العربي أكبر من إغراءات السلام، وإسرائيل لا مجد ولا حياة لها بدون الانتصار، والانتصار دائماً بالحرب، والتركيز بالوعيد والتهديد على إيران قد لا يكون هو المراد، فالأهداف القريبة هي المعنية والمغرية أيضاً.
الزعماء العرب ليس مسموحاً لهم إلا بالحرب ضد شعوبهم، وبطولاتهم لا تظهر إلا في مواجهة بلدانهم، وجيوشهم النخرة التي تستنزف النصيب الأكبر من الموازنة للعامة، ليست مدربة ولا مؤهلة إلا لاقتحام شوارع المدن وقمع المظاهرات والاحتجاجات المدنية. فحكامنا إن تصدوا للحمى اقتحموا كحكمة الشاعر الخالد عبدالله البردوني.
إشارة حسن نصر الله للحرب القادمة ليست عبثاً، فحزب الله في اشتباك يومي مع الدولة الصهيونية، وهي تحسب له ألف حساب.
وتدرك إسرائيل أن حرب تموز 2006 قد ألحقت بها أفدح الأضرار، فهزيمتها أمام منظمتين “إرهابيتين”: حزب الله وحماس، تعني بداية النهاية لدولة قامت بالحرب، ويستحيل بقاؤها واستمرارها بدون الحرب. فإسرائيل الدولة شبه الوحيدة في العالم التي أسسها الجيش، وبقاؤها رهن لانتصاراتها الدائمة والمتكررة.
ولعل أفدح ضرر يلحق بهذه الدولة، أو بالأحرى قد لحق بها، هو إلغاء وظيفتها الأساس كمخفر أمامي وحارس للمصالح الاستعمارية في المنطقة، ومن هنا حروبها العدوانية المتكررة 48، 56، 73، واعتداءاتها المتكررة واجتياحها للبنان.
تحاول إسرائيل باستمرار سواء عبر الاغتيالات الكاثرة، أو الحرب، أو وضع المنطقة كلها على حافة الهاوية، التذكير بهذه الوظيفة. كما أن تزييف استخباراتها لجوازات بعض البلدان الأوروبية يسيء لهذه البلدان.
لقد أظهر التعنت والصلف الإسرائيلي في تحدي دعوات أوباما لوقف الاستيطان، أنه الطرف الأضعف في المعادلة، وأن اللوبي الصهيوني المتحالف مع اليمني الأمريكي هو سيد الموقف، هذا على افتراض صدق الرئيس في دعوته لوقف الاستيطان. أما إن كانت دعواته وخطابه وبرنامجه الانتخابي ظاهره السلام وباطنه الحرب، فإن المأزق يكون أكبر، ومهما يكن فإن الدعوات السلامية حتى ولو كانت تكتيكاً، فإنها تترك آثارها على واقع إمبراطورية أو بالأحرى إدارة إمبراطورية تجد نفسها عاجزة عن الانتصار بالقوة، فتلوذ إلى خطاب السلام، وهي خطوة مهمة تؤكد أن السلام هو التعبير الأمين والصادق عن إرادة الناس في كل زمان ومكان، وأن القوة العريانة قد سقطت ولابد من ستر عورتها.