هل نلوم إيران أم نلوم من جاء بها إلى بلادنا.. ؟

هل نلوم إيران أم نلوم من جاء بها إلى بلادنا..؟

رغم أن ثمة إجماعاً ثنائياً بين اليمن والسعودية على وجود عبث إيراني في ما يواجهه البلدان على حدودهما المشتركة من تمرد مسلح، عجزت قواتهما المتضخمة عن احتوائه.. إلا أن ذلك الإجماع لم يفلح في جمع الطرفين على موقف سياسي واضح ومحدد وحاسم من العبث الإيراني كسحب السفراء مثلاً، أو قطع العلاقات، أو على الأقل تخفيض مستوى التمثيل الديبلوماسي مع إيران كنوع من الاحتجاج.
الخوف من رده الفعل الإيرانية، بالتأكيد، ليس هو الدافع الحقيقي الحائل دون التقاء البلدين على موقف موحد إزاء إيران، فالربط بين الأحداث يُنبئ عن استنتاجات مثيرة وتصورات لحقيقة ما يدور خلف كواليس القصرين الملكي والجمهوري، ويحول دون التوافق أو التفرد بموقف صارم ضد إيران.

*حسين اللسواس
إذا كانت تعبث بأمن اليمن.. لماذا لم تقطع العلاقات مع إيران؟
عدم التوافق بقدر ما يمكن تفسيره مجازاً كصك براءة لإيران من تهمة التورط في خيوط الأزمة، فإنه يحتمل تفسيرات أخرى لاسيما في ظل الحديث الشائع عن وجود تقاطعات واضحة إن لم تكن بين القصرين فهي قطعاً بينهما كقصرين متحالفين من جهة والمراكز النفوذية المحيطة بهما من جهة أخرى..!
انعدام التوافق، بالتأكيد، ليس هو المبرر الوحيد، إذ ثمة اعتبارات وحسابات منفردة لدى حاكمي القصرين تحول دون الإقدام على خطوة قطع العلاقات مع إيران، وبالأخص الجانب اليمني الذي جسدت إيران بالنسبة إليه حليفاً استراتيجياً أسهم خلال فترات منقضية في الحد من وطأة التدخل السعودي الدائم في الشؤون اليمنية الذي غالباً ما يأتي مطابقاً لمقولة “صب زيت الدعم على نار الأزمات اليمنية”.
هل نلوم إيران إذن، أم نلوم من جاء بها إلى اليمن؟ تساؤل قد يجسد مكمن الإثارة الأبرز تماماً كما هو حال علامات استفهامية لا تقل إثارة، وبالتحديد تلك التي تسعى لأمرين؛ الأول: استيضاح كنه المسببات التي دفعت النظام لمنح إيران في حقب مضت دوراً نفوذياً لافتاً في الساحة اليمنية، والثاني: محاولة تفسير علاقة التحالف الوثيقة الرابطة بين الرئيس والملك وما إذا كانت تستهدف الأمير والقائد في إطار تعقيدات الصراع على الوجوه المرشحة لخلافة حاكمي القصرين الحاليين.
في تالي الأسطر محاولة جادة قد تبدو للوهلة الأولى سطحية، وهي ليست كذلك، للاقتراب من الخيوط المتشابكة وفكفكة ما تطلسم منها، مستهلين ذلك بخلفية تاريخية ضرورية كمدخل يساعد على انتقال الفكرة الجوهرية من الأسطر إلى من يجيد التقاط المغزى بالإمعان والتمعن في المفصل والمبهم.
مأزق الرئاسة الكومبارسية
كأي رئيس لشمال الوطن (سابقاً)، وجد الرئيس علي عبدالله صالح صعوبة كبيرة في إدارة شؤون الحكم والدولة حتى بعد نجاحه في الخروج من شرنقة (السلطات المحدودة).
أصابع الجارة الكبرى التي فتحت الأبواب والنوافذ أمام عبوره إلى السدة الرئاسية، هي ذاتها، لعبت دور العائق دون ممارسة صلاحياته السيادية، ليبدو حال الرجل كمن أفلح في تسلق حواجز الكرسي الشاهقة ليفاجأ بعدها بشبكة معقدة من الأسلاك الشائكة تحول دون تحركه في الزوايا والمربعات بحرية الحاكم المطلق.
فالفراغات الواسعة التي نتجت عن انسحاب الجيش المصري الحامي للنظام الجمهوري الوليد عقب الانقلاب الثوري السبتمبري، ملئت حد التخمة بالبديل السعودي، وبصورة جعلت من الصعب على حكام الشمال الأربعة إدارة شأن بلادهم بعيداً عن إرادة شاغل الفراغات وتوجيهاته.
فراغات وأسلاك شائكة
رغم أن الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي كان حليفاً للسعودية قبل صعوده للرئاسة وفي بدايات حكمه الأولى، إلا أنه مع التقادم أدرك أن لا سبيل لبناء دولة قوية ومتطورة سوى بنزع الأسلاك الشائكة وكسر طوق التبعية للجارة الكبرى.
فشاغل الفراغات حتى وإن قبل بإقصاء أتباعه رضوخاً لرغبة حليفه الحمدي في تحقيق حلم الدولة، لن يسمح في المدى المنظور لهذه الدولة بكسر طوق التبعية ولن يتخلى عن هيمنته الشبيهة بالوصاية..‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
البحث عن حليف منافس لشاغل الفراغات السعودي، ظل هاجس الحمدي، خلال فترة ما قبل التصادم مع السعودية.
العراق البعثي، جسد خياراً اضطرارياً لجأ إليه الحمدي لاسيما في ظل عجز مصر عن استعادة نفوذها كقطب ثان في المعادلة اليمنية. حلفه مع العراقيين الذي بلغ مداه الأعلى بإبرام اتفاقية ثنائية لإنشاء مصفاة نفط في منطقة المخا اليمنية، لم يشجعه على اتخاذ خطوة التغريد خارج سرب التبعية، ليجد نفسه مجبراً على الرضوخ لأدوات الجارة بصورة دفعته للتراجع عن منح العراقيين امتياز إنشاء أول مصفاة نفطية على أرض يمنية في مقابل أن تقوم الجارة ببناء هذه المصفاة، وهو ما لم يحدث.
كان واضحاً أن العراق في تلك الفترة غير قادر على تجسيد دور القطب الثاني في المعادلة، ليصل الحمدي في النهاية إلى قناعة راسخة مؤداها أن وحدة اليمن هي السبيل الوحيد لكسر طوق التبعية وتحقيق حلم الدولة تحت غطاء المعسكر الاشتراكي.
غير أن شاغل الفراغات نجح في إحباط مشروع الوحدة بين الحمدي وسالمين عبر إلحاق الأول بالرفيق الأعلى قبل إبرامه لمعاهدة الوحدة بساعات قلائل..‍!
الخوف من مصير الحمدي
عقب سنوات من وصوله إلى السدة، وتحديداً في منتصف الثمانينيات، كان واضحاً أن الرئيس علي عبدالله صالح قد ضاق ذرعاً بالقيود المفروضة على حركته كنتاج لشبكة الأسلاك الشائكة الممتدة في جميع الفراغات. وهو ما جعله يقتفي أثر الحمدي في جزئية واحدة ألا وهي استكمال ما كان قد شرع به من محادثات وتفاهمات مع القيادة البعثية الحاكمة في العراق. البحث عن الحليف القادر على تجسيد دور القطب الموازي للقطب السعودي كان هو الدافع.
ورغم أن السعودية وفق بعض الروايات قد أوقفت ضخ الأموال إلى خزينة الرئاسة اليمنية احتجاجاً على التقارب المضطرد بين صالح وصدام حسين، إلا أن ذلك لم يفلح في إعادة الرجل إلى بيت الطاعة.
مع هذا لم يكن صالح مستعداً لمصادمة الإرادة السعودية التي تستوجب بالضرورة نزع الأسلاك الشائكة وإنهاء شركاء الحكم (المركز المقدس). إذ كان كافياً بالنسبة إليه إيجاد ممرات بين تلك الأسلاك دون الحاجة إلى نزعها لإدراكه أن محاولة النزع ستلحقه بالحمدي عاجلاً أم آجلاً..!
استطاع العراق أن يملأ جزءاً كبيراً من الفراغات التي خلفها غياب الدور المصري عقب رحيل جيش عبدالناصر المساند لجمهورية سبتمبر الوليدة.. وغدا صالح قادراً على التحرك بحرية كبيرة بين الأسلاك وإنفاذ قرارات سيادية كان اتخاذها مستحيلاً إبان الهيمنة الأحادية، ومنها قرار الوحدة اليمنية الذي حظي بمعارضة حلفاء صالح في الحكم (المركز المقدس) أو لنقل غالبيتهم على سبيل الدقة.
التفرد بالسلطة لم يجد نفعاً
العودة إلى حظيرة الجارة جسد خياراً محتوماً لقيادة لا تؤمن بنظرية الاعتماد على الذات عبر تعزيز الجبهة الداخلية لمواجهة مصير الخضوع والاستكانة.
فالتقويض الذي لحق بجمهورية العراق البعثية إثر حرب الخليج، تسبب في إعادة الهيمنة الأحادية التي اتخذت شكل اللعب على الحبلين (طرفي الوحدة اليمنية)، وذلك لتحقيق غاية فض الشراكة الوحدوية وإغراقها بالدماء، وبالتالي اغتيال مشروع الدولة اليمنية الحديثة.
الانفراد بسلطة الوحدة المعمدة بالدم، لم يغير شيئاً في معادلة الأمر الواقع، إذ عادت الهيمنة الأحادية بشكل تدريجي، وبدا واضحاً أن الانفراد بالسلطة لم يساعد على انتهاج نظرية الاعتماد على الذات، بغرض التحول إلى رقم حقيقي في الملعب الإقليمي.
البحث عن الحليف المنافس، عاد إلى الصدارة لاسيما بعد فشل الضغوط اليمنية التي مورست على هامش محادثات اتفاقية جدة الحدودية، لإيقاف شراء الولاءات الذي تقوم به اللجنة الخاصة السعودية، وهو فشل أكد أن الهيمنة الأحادية ستستعيد شكلها المخيف الذي كان سائداً في حقبة السبعينيات ووصل حد تعيين الرؤساء وإقصائهم..!
تحالف ثلاثي لشغل الفراغات
الاتجاه صوب تعزيز العلاقات مع كل من قطر وليبيا وإيران، والارتقاء بها من مربع التشبيك إلى مرحلة التحالف، دافعه الرئيسي لم يكن مختلفاً عن دافع التحالف مع العراق.
انتقاء هذه الدول دون غيرها له مبرراته أيضاً، فالأولى (قطر) تعد إحدى الدول المتضررة من السياسات التوسعية للجارة الكبرى (السعودية) التي التهمت الامتداد الحدودي الجغرافي الذي كان رابطاً بينها وبين الإمارات وسط امتعاض وعجز الدولتين معاً عن استرداد تلك الحدود الغنية بالثروات الطبيعية.
الثانية (ليبيا) تعد من الدول المناوئة والمتربصة بالسعودية، المعارضة لاستراتيجيتها التوسعية، لمسببات كثيرة أبرزها تراكمات الصراع بين مصر عبدالناصر والسعودية، كذلك الحال بالخصومة الناشئة عن الملاسنة الشهيرة بين العقيد معمر القذافي والملك عبدالله بن عبدالعزيز في القمة العربية. ثالثة الأثافي إيران الحالمة باستعادة مجد إمبراطورية “فارس”، تنظر إلى السعودية باعتبارها التكتل السني الأكثر قدرة على إعاقة تطلعاتها الرامية للحصول على دور إقليمي (مجاز دولياً) في إطار المنطقة العربية وتحديداً الخليجية.
نوعية الاحتياج للدول الثلاث، في اعتقادي، كان هو الفارق الوحيد بالنسبة للنظام اليمني، فإيران كدولة طامحة بالتحول إلى إمبراطورية، هي الوحيدة القادرة على تغطية الاحتياج اليمني من جميع النواحي، وبالتالي تجسيد دور البديل القادر على ملء الفراغات وصنع التوازن المفقود، بعكس قطر وليبيا اللتين لا تملكان تلك القدرة، وهو ما جعلهما بالنسبة للنظام مجرد قطع شطرنجية قابلة للتضحية مقابل امتيازات محدودة في مربعات اللعبة السياسية وحسابات المكسب والخسارة..!
اندفاع غير محسوب نحو إيران
في غمرة الاندفاع اليمني نحو إيران، وتحديداً إبان سيطرة التيار الإصلاحي على منصب رئاسة الوزراء المسمى مجازاً بـ”رئيس الجمهورية” الذي كان يتبوؤه د. محمد خاتمي، كان واضحاً أن معدي طبخة التقارب مع إيران لم يحسبوا حساباً (أو هكذا نفترض) لما يمكن أن يكون عليه الحال لحظة مغادرة الإصلاحيين لرئاسة الحكومة وعودتها إلى حظيرة المحافظين.
الحضور المكثف لشعار إن لم نستفد من إيران فلن نتضرر، في ذهنية معدي الطبخة، الذي كان معززاً بتحفظات الحكومة الإصلاحية على نهج التدخل الإيراني المستفز في شؤون الدول الحليفة، تسبب في ذلك الاندفاع الذي نظن أنه غير محسوب..!
فالنظام اليمني يريد تواجداً إيرانياً موازياً للدور السعودي بشرط أن يكون محكوماً بمحددات وضوابط ناظمة تمكنه –أي النظام- من رفع علامة “الاستوبـ” وخفض نسبة التركيز والحضور الإيراني حين يقتضي الأمر ذلك، بالإمكان هنا تشبيه ما يريده النظام اليمني بـ”الفلتر” الذي يُستخدم في الصناعات لتنقية المياه بشكل يحول دون عبور البكتيريا والشوائب المصاحبة..!
لقد فات معدي الطبخة أن مجيء المحافظين إلى الحكومة الإيرانية قد يقلب الموازين ويربك الحسابات. السبب ببساطة أن العقيدة الثورية للمحافظين تؤمن بضرورة “تصدير الثورة الإيرانية” بكل شوائبها ومساوئها، إلى الحلفاء قبل الأصدقاء والأعداء، وبالتالي لن يكون في وسع النظام اليمني إخضاع التواجد الإيراني لفلتر الضوابط والمحددات الناظمة إذا ما كان ذلك الإخضاع مقوضاً لمهمة تصدير الثورة الإيرانية إلى اليمن.
اتفاقيات في زمن قياسي
الاندفاع اليمني صوب إيران بلغ أوجه خلال الحقبة الممتدة من عام 2000 الذي زار فيه الرئيس علي عبدالله صالح إيران وحتى عام 2003 الذي شهد زيارة د. محمد خاتمي إلى صنعاء تلبية لدعوة رئاسية، خلال تلك الحقبة الوجيزة أبرم البلدان 34 اتفاقية تعاون وتفاهم؛ منها 6 اتفاقيات ومذكرات تفاهم وتنسيق وتعاون في المجال السياسي، و8 اتفاقيات في المجال الاقتصادي أنجزتها اللجنة الاقتصادية المشتركة للبلدين، وشملت توسيع الصادرات والملاحة التجارية والدعم التنموي والنظام المالي وتشجيع الاستثمارات والثروة السمكية والنقل الجوي، بالإضافة إلى 5 اتفاقيات ومذكرات تفاهم تعليمية وتربوية تضمنت برنامجاً تربوياً وتعليمياً وتعاوناً مشتركاً بين جامعتي عدن اليمنية والطبطبائي الإيرانية، هذا عدا عن 3 اتفاقيات إحداها شملت برنامجاً ثقافياً وتعاوناً في مجال الوثائق والمخطوطات، والأخريان رياضيتان عبر برنامج رياضي تنفيذي، بالإضافة إلى اتفاقية إعلامية بين وكالتي الأنباء في البلدين، واتفاقية تعاون في مجال الأوقاف والإرشاد والشؤون الإسلامية عبر برنامج تنفيذي، وهي اتفاقيات توجت بالتوقيع على اتفاقية تعاون أمني بين أجهزة الأمن في البلدين تم إبرامها قبل زيارة د. محمد خاتمي لصنعاء ب3 أشهر تقريباً.
في 3 سنوات إذن، أبرمت هذه الاتفاقيات ال34 لتتجاوز بذلك عدد الاتفاقيات التي أُبرمت بين اليمن وإيران خلال المرحلة الممتدة من عام 1990 وحتى عام 2000، والتي بلغت 21 اتفاقية فقط..!
خاتمي يدشن تصدير الثورة من صنعاء
خلال زيارته لصنعاء في يوليو 2003، لم يكن د. محمد خاتمي مهتماً بلقاء قادة النظام في صنعاء فقط، إذ كان لافتاً اهتمامه بشؤون أخرى ذات علاقة بمهمة تصدير الثورة الإيرانية المذهبية إلى اليمن. حيث زار خاتمي الجامع الكبير بصنعاء، مطلعاً على الدور الديني والعلمي للجامع، وبالأخص ما يتعلق بدراسة علوم القرآن والفقه الزيدي! وقام بجولة في مكتبة الجامع، مطلعاً على نسبة تواجد الكتب الشيعية، كما اطلع أيضاً على نسخة فريدة من القرآن الكريم بخط الإمام علي بن أبي طالب، كان قد دونها على شرائح من جلد الغزال.
ثم زار خاتمي دار المخطوطات، مطلعاً على ما تحويه من مخطوطات شيعية وزيدية.. كما قام بزيارة إلى جامع الإمام علي بن أبي طالب الذي بناه في السنة الثامنة للهجرة عندما ابتعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. وأزاح في ختام جولته الستار عن اللوحة التذكارية بمناسبة إطلاق اسم إيران على أحد الشوارع الرئيسية في منطقة حدة بصنعاء.
تركيز خاتمي على الأماكن الدينية والعلمية بقدر ما كشف عن طبيعة الاهتمامات الإيرانية فإنه أكد وجود رغبة جامحة في تصدير الثورة الإيرانية إلى اليمن، فالزيارة لم تكن سوى محطة اطلاع وتقييم مباشر لوضع وقوة المذهب الجعفري وإمكانية استحواذه على المذهب الزيدي عبر استغلال معتقدات الطائفة الجارودية التي تلتقي مع المذهب الجعفري في كثير من القواسم المشتركة.
وسعياً لمزيد من الإلمام الإيراني بالوضع المذهبي اليمني ونقاط القوة والضعف كان للسيدة زهرة خاتمي قرينة الرئيس محمد خاتمي (سيدة إيران الأولى آنذاك) دور لافت خلال زيارتها لليمن برفقة وفد رفيع المستوى ضم مديرة مكتب شؤون النساء التابع لرئاسة الجمهورية الإيرانية، بالإضافة إلى رئيسة بلدية مدينة طهران وقياديات أخريات، حيث التقى الوفد بالقيادات النسائية الرئيسية في اليمن، كما قام بزيارات مختلفة لعدد من المناطق التي يتواجد فيها أتباع للمذهب الجعفري، مطلعاً على أوضاع النساء الجعفريات والزيديات.
عدا الاتفاقيات المبرمة، فإن أبرز ثمار التقارب حسب ما أشيع آنذاك، تمثلت في حصول السفير الإيراني بصنعاء -أصغر قرشي- على حرية شبه مطلقة في القيام بأنشطة ذات علاقة بتصدير الثورة الإيرانية، عبر توزيع الدعم المالي على رعايا الجعفرية والجاردوية، هذا عدا عما راج حول زيارته لمدينة صعدة ولقائه ببعض القيادات الحوثية… الخ.
من ثمار التقارب أيضاً، التسهيلات الاستثنائية التي حظيت بها الشركات الإيرانية تماماً مثلما هو الحال مع ما شاع عن الموافقة الإيرانية على الطلب اليمني ببناء جامعة إيرانية في صعدة، وهو العرض الذي قوبل بارتياح إيراني بالتوازي مع انزعاج سني كبير، وبالأخص من جانب السعودية التي اعتبرته، وفق ما تردد آنذاك، تنازلاً سيادياً وخضوعاً يمنياً وموافقة ضمنية على تصدير الثورة الشيعية الإيرانية إلى اليمن!
من الثمار أيضاً فتح الباب (بشكل رسمي) للطلاب اليمنيين الراغبين بدراسة المذهب الجعفري في مدينة قم الإيرانية المقدسة!
ثمن الاندفاع نحو إيران
بعودة الحكومة الإيرانية إلى حظيرة المحافظين إثر رحيل خاتمي واعتلاء أحمدي نجاد سدة الهرم الرئاسي، لم يعد بإمكان النظام ضبط إيقاع التسارع والتنامي المضطرد للدور الإيراني في اليمن نتيجة لغياب الضمانات والتطمينات التي كانت الحكومة الإصلاحية قد منحتها للنظام، لينتهي بذلك مفعول الفلتر المنظم لعملية بناء النفوذ الإيراني، ويطرأ تحول مناهض للإرادة السلطوية اليمنية التي ترغب في تواجد وحضور إيراني موازٍ للدور السعودي، ولكن عبر التنسيق المسبق، ووفق محددات وضوابط، وهو ذات ما تريده حكومة المحافظين الحاكمة مع تعديل بسيط يتمثل في رغبتها بانتزاع ذلك الدور أو فرضه بالقوة في حالتين؛ الأولى لحظة انعدام رغبة النظام اليمني بذلك، والثانية حين تريد السلطة اليمنية فلترة أو تحجيم النفوذ الإيراني الذي سبق بناؤه.
خطأ لا بد منه
هل كان التقارب مع إيران خطأ مقصوداً أم غير مقصود؟ جزئية جدلية حاوية لنقاط خلاف متشعبة، غير أنها لا تعني عدم وجود إجماع (ظاهري) على أن التقارب والاندفاع اليمني صوب إيران كان خطأ بحد ذاته، ولكن على طريقة “خطأ لابد منه”! وهو ما يقتضي بالضرورة الكفر بالخطأ والإيمان به في آن واحد!
إذ مهما بلغ انزعاج النظام الحاكم من سلبيات التقارب مع إيران وما أنشأته من أوضاع بالغة التعقيد، فلن يكون مستعداً للانتقال من وضعية توتر العلاقات مع إيران إلى مرحلة قطعها، فهو يدرك تماماً أن التضحية بالعلاقات معها لن تؤدي لحرمانه من التوازن الذي يبحث عنه لتحجيم الدور السعودي فحسب، إذ سيكون لزاماً عليه الاختيار بين إعادة اليمن إلى حظيرة التبعية السعودية المطلقة (سيطرة القوى التقليدية مجدداً) كما كان الحال في السبعينيات، أو مجابهة مصير التشطير بعنوانيه البارزين: كابوس (الدولة الحضرمية) الآخذ بالتشكل، وكابوس الدولة الجنوبية الذي يقترب ببطء شديد من التحول إلى واقع معاش.
مخاوف من عودة الأمير سلطان
عقب التضحية بورقتي (قطر وليبيا)، حصد النظام مكاسب كان وما زال يرى فيها عوامل مساعدة لتخفيف الضغوط الناجمة عن الحضور المكثف والاستثنائي للسعودية في اليمن، مؤازرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز وتعزيز جبهته الداخلية في مواجهة قطاع واسع من الأسرة السعودية المالكة، وتحديداً السديريين الذين يتزعمهم ولي العهد سلطان بن عبدالعزيز، كان أبرز تلك المكاسب.
ما لا يعرفه كثيرون أن ثمة تحالفاً استراتيجياً يجمع الرئيس علي عبدالله صالح بالملك عبدالله بن عبدالعزيز، يُعتقد أنه نشأ لمواجهة الأمير سلطان بن عبدالعزيز وحلفائه في اليمن على رأسهم القائد علي محسن الأحمر!
تأسيساً عليه يمكن القول إن تمكن الملك عبدالله من تحجيم نفوذ الأمير سلطان عبر تعيين شقيقه نايف كنائب ثانٍ للملك، وهو بالمناسبة منصب استحدثه سلطان واستخدمه كسلاح للوصول إلى ولاية العهد، بالإضافة إلى انتزاع اللجنة الخاصة التي تمد مشائخ اليمن الأعلى بالرواتب، من أملاك سلطان، وإسنادها إلى شقيقه نايف، علاوة على تمكين المؤسسة الأمنية التقليدية التي يديرها الأمير محمد بن نايف، من استعادة السيطرة على البلاد وإزالة الجهاز الأمني المخيف الذي كان الأمير بندر بن سلطان قد عمل على إنشائه بالتعاون مع الأمريكان تحت مسمى “الأمن القومي”.. كل ذلك وغيره جعل النظام في اليمن يميل بشدة نحو توجهات الملك عبدالله، ويدير ظهر التجاهل لإيران، ولكن دون الوصول بالعلاقات معها إلى مرحلة القطع، تحسباً لما يمكن أن ينشأ عن عودة الأمير سلطان إلى مزاولة أنشطته كنائب أول للملك.
فالواضح أن ثمة مخاوف عديدة لدى تيارات سلطوية يمنية من استعادة سلطان لملف اللجنة الخاصة، وبالتالي عودة الدعم المالي لكل من جناح القوى التقليدية في اليمن الأعلى وبعض المجاميع المتحالفة مع سلطان أيضاً في الحراك الجنوبي، وهو ما ترى فيه تلك التيارات السلطوية عودةً لسيناريو العبث بالوحدة اليمنية الحالية، وتهديداً مباشراً لاستمراريتها.
وماذا بعد..؟
على طريقة “مكره أخاك لا بطلـ”، سيبقي النظام اليمني، إذن، على شعرة معاوية مع إيران، تأهباً لإعادتها إلى سابق عهد التمتين والتعزيز والتحالف، وذلك -في تصوري- لن يحدث إلا في حالتين؛ الأولى: حين تُفضي المداولات في أروقة الحكم السعودي إلى عودة الملف اليمني لقبضة سلطان مجدداً، والثانية: حين يصل الملك عبدالله والأمير نايف المُكلف بالملف اليمني حالياً إلى قناعة باعتماد ذات النهج الذي خطه سلطان في التعاطي مع الملف اليمني.
ساعتئذ لن يكتفي النظام اليمني بالتحالف مع إيران، بل سيصل إلى قناعة بضرورة التكفير عن خطيئة التضحية بكل من قطر وليبيا، وسيعمل على ترميم العلاقات معهما تماماً مثلما هو الحال مع كل من الإمارات باعتبارها دولة متضررة من السياسات التوسعية السعودية، وعمان بوصفها مناوئة للتقارب السعودي اليمني.
عندها لن يُفاجئنا نبأ اشتعال الجبهة الإسماعيلية في نجران، وهو بالمناسبة الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إيران إلى بلوغه بأي ثمن لإخضاع السعودية وإجبارها على إمضاء الرغبة الإيرانية بالحصول على دور إقليمي (مجاز دولياً) في المنطقة العربية، وبالأخص الدول المطلة على الخليج العربي الذي تطلق عليه إيران مسمى “الخليج الفارسي”..!