إنهم يغمضون عيناً ويفتحون أخرى يوم قال نيكسون:لأنه راسكلنا

إنهم يغمضون عيناً ويفتحون أخرى يوم قال نيكسون:لأنه راسكلنا

*نجيب محمد يابلي
كم هو مثير للاشمئزاز عندما قال الأستاذ محمد حسنين هيكل عبر لقائه الأسبوعي مع مشاهدي فضائية «الجزيرة»، إن زعماء عرباً يستبعدون وساطات إسرائيلية للحصول على موافقة الولايات المتحدة الأمريكية على طلباتهم، فالسياسة في شكلها أو مظهرها العام رمال متحركة لا تستقر على حال، لأنها (أي السياسة) لا تعترف بصداقات دائمة، وإنما تعترف بمصالح دائمة، ولذلك تغمض القوى الدولية عيناً وتفتح أخرى.
على هذه الخلفية، أذكر جولة إلى بعض دول أمريكا اللاتينية قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، في السبعينيات من القرن الماضي، وفي أعقاب تلك الجولة، عقد نيكسون مؤتمراً صحفياً وكان من ضمنهم صحفي أمريكي طرح كلاماً قاسياً على الرئيس عندما قال له: أنت تتستر على الديكتاتور الوغد الفلاني للدولة الفلانية (في أمريكا اللاتينية)، والعالم كله يتابع انتهاكاته الفظة للحريات والحقوق المدنية في بلاده. أجاب نيكسون بمنتهى البساطة والبرود: نتستر على هذا الوغد لأنه وغدنا.
المقابل الإنجليزي لكلمة «وغد» هي «راسكل» (RASCAL)، وهي الصفة التي أعطاها الصحفي الأمريكي للديكتاتور الأمريكي اللاتيني، ولذلك جاء رد نيكسون بالإنجليزية : BECAUSE HE IS OUR RASCAL، ومقابلها بالعربية (لأنه وغدنا). والشيء بالشيء يذكر كما يقولون، ذلك أني ذكرت ما ورد في كتاب «الإسلام في الألفية الثالثة» للمفكر والدبلوماسي الألماني المعروف مراد هوفمان، وأقتطع منه هذه الجزئية:
«هل يمكن أن يتخيل المرء أن الغرب ما كان ليتدخل منذ عام 1992 في البوسنة -ويتدخل بقبضة حديدية- لو كان الصرب هم المسلمون وأذاقوا البوسنيين الكاثوليك ما أصاب البوسنيين المسلمين فعلاً؟
وهل كان من الممكن أن يسمع الغرب بمجازر كالتي وقعت في سربريتشا وجيبا؟ وهل كان الغرب سينتظر هذه الحالة حتى يتم قتل 200 ألف بوسني وطرد 3 ملايين منهم؟ وهل كان الغرب سيسكت على اغتصاب عشرات الآلاف وهدم 100 ألف مبنى بينها عشرات المعالم المعمارية التاريخية في البوسنة؟”.
يضيف هوفمان وهو ينزف: “هل كان من المعقول أن يستمر الصراع 3 سنوات في بوسنة المسلمة وهي تعاني جرائم الصرب التي لا مثيل لها، والتي تجسدت في أعمال القتل والاغتصاب، ولم يحرك الاتحاد الأوروبي ساكناً، إلا بعد مضي 3 سنوات، وتحديداً في 30 أغسطس 1995، وهو اليوم الذي دشن فيه حلف الناتو هجماته؟”.
وختم هوفمان مداخلته باستخلاص جميل وموضوعي عندما أفاد بأن «التدخل كان سياسياً لا إنسانياً».
إن ما أريد استخلاصه أن علينا جميعاً كأسرة دولية العمل على التقارب بين الشعوب بالحوار وتعميم المصالح وجني المكاسب المشتركة ونبذ العنف والتطرف اليهودي والمسيحي والإسلامي، لأننا لم نجنِ من وراء التطرف إلا الدمار والقتل والخراب وتوقف العقل وتعثر الحياة.
علينا أن نضع النقاط فوق الحروف بشجاعة كان لنا أو علينا، وأن نبدد كل العوائق التي تقف في طريق مشروعنا الحضاري والنهضوي، وأبرزها الثالوث الخطير: الأمية والفقر والمرض.