عندما يصبح كذب الدولة مقدساً

عندما يصبح كذب الدولة مقدساً

محاكمة المخطوف.. لا تستغرب أنت باليمن
*عبدالكريم محمد الخيواني
يفترض أن توضع لافته على مدخل مطار صنعاء وجميع المنافذ، مكتوب عليها “لا تستغرب أنت باليمن”، فاليمن صار بلد الغرائب والعجائب، والمتناقضات، والكذب الصارخ، الذي لا يكلف مقترفه الخجل أو الحرج على أقل تقدير، رغم أنه لا يوجد في أي قاموس سياسي أو لغوي مصطلح “دولة كاذبة، أو خاطفة”.
يعلم الكل أن الزميل محمد المقالح اختطف ليلة 28 رمضان، بطريقة محترفة، لا ينفذها إلا أشخاص مدربون، لكن السلطات أنكرت ذلك، النائب العام حرر مذكرات للأمن السياسي الذي نفى علمه بمكان وجود المقالح، ورغم أن الكل كانوا متأكدين أن السلطة وحدها من تتحمل المسؤولية، والمستفيدة من اختطاف المقالح على خلفية فضح جرائم قتل المدنيين في صعدة، ولأنه مثل الضمير اليمني الرافض للدم المسفوك، لكن الإنكار الرسمي استمر على كل المستويات حوالي 100 يوم، حتى أفصح رئيس الجمهورية للمعارضة عن أن المقالح موجود لدى الأجهزة الأمنية، وأنه سيطلب الملف لإحالته للمحاكمة أو الإفراج عنه. لم تنقل المعارضة أي مبررات إضافية، للخطف، للإخفاء القسري، أو تفسيراً للاعتقال، للمحاكمة، بل لم يطلبوا زيارته، أو منح أسرته حق زيارته، حيث لم تزره حتى الآن، رغم الاعتراف الرسمي بأن المقالح عندهم. لعل الاعتراف وكشف مكانه كان مفرحا لكل من سمع، إلى حد أنسى الكل القانون والحقوق، والمواطنة، والأخلاق، وهو انعكاس لواقع بلغ من السوء أن الأخلاق والقيم، سقطت حد نسيانها، أو نكتفي به بمعرفة مكان المخطوف.
ما قاله الرئيس كان متوقعا، ووجود المقالح عند السلطة، ليس حالة فريدة، بل هو المعتاد والمتوقع، والمتعارف عليه منذ سنوات خلت، وتعرض له كثير من مختلف المناطق على ذمة حرب صعدة أو الحراك، ومازال هناك معتقلون بحكم الإخفاء القسري، ومعتقلون أُخذوا خطفاً، وهم منسيون، والتنكيل الرسمي بهم بأسرهم مستمر بعيدا عن الأنظار والاهتمام.
الذين كانوا ينكرون اختطاف المقالح، بل ويدينونه، انطلقوا يصرحون، فبعد كلام الرئيس صرح لقناة الجزيرة، أحمد بن دغر، القيادي في الحزب الحاكم، الذي كان يرأس دائرة الإعلام في الحزب الاشتراكي اليمني، إلى ما قبل حوالي 4 سنوات، وحينها كان الزميل المختطف نائبا لبن دغر، -صرح- أن المقالح اعتقل بأمر من النيابة العامة، وأنه سيحال للمحاكمة، هكذا بكل بساطة، وما على الناس إلا إلغاء عقولهم ليصدقوا بن دغر، لم يخشِ أو يحرج من كذبة كبيرة كهذه.
طبعا بن دغر لا علاقة له باختطاف المقالح، ولم يكن يعلم شيئا، شأنه شأن الكثير من أعضاء الحزب والحكومة والسلطة، لكن علاقته السابقة بالاشتراكي خصصت دوره في الرد على كل ما يتعلق بالاشتراكي، ومن ضمنها تبرئة الخاطفين وإدانة المواطن الرفيق الصحفي المخطوف. الرفيق بن دغر ليس المتخصص الوحيد، بل هو ضمن جوقة موزعة هنا وهناك، فيها قياديون ووزراء ومسؤولون ومحللون… الخ، يختزل دورهم بالرد والتصدي والكذب وتبييض الأخطاء وغسيل الانتهاكات، وربما الشتم، وهكذا هذا للاشتراكي، وهذا للهاشميين، وهذا للجنوبيين، وهذا لتعز، وهذا لعمران… الخ.. مؤهلاتهم سلاطة اللسان، والتنطع، وعدم مراعاة أية قيمة، أدبية أو معنوية، أو قانونية، والكذب والافتراء، والذمة العريضة الواسعة، وموت الضمير.
وزير الإعلام بدوره، والذي سبق أن نفى علاقة السلطة باختطاف المقالح، أكد في مؤتمره الصحفي الأسبوعي، إحالة الزميل المقالح إلى المحاكمة ضمن مجموعة، المظاليم كثر، وما أسهل تدبير مجموعة، واعترافات وتهم. ومر كلام اللوزي، وكأنه أمر اعتيادي، انتظرت أن يرد النائب العام على التصريحات، ولو من باب الإحراج، وحفظ الهيبة، والمصداقية، وباعتبار أنه أكد عدم علمه رسميا لمنظمات، ووجه مذكرات، واستنكر الاختطاف، لكن لم يصدر شيء عن النائب العام، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أحرجوا النائب العام، ولعل صمته اتكالا على ضعف الذاكرة العامة، وهذا لا يكفي، وأي مبرر لن يكون مقنعا.
نقابة الصحفيين، بدورها حتى اليوم الأحد، لم تعلق إطلاقا وكأنها، تنتظر وحيا ما لتنطق بشيء، لتقوم بمسؤوليتها، لتدافع عن المقالح، وتعتبر المحاكمة إمعاناً في التنكيل بالمقالح، لتدين الاختطاف والإخفاء كوسائل رسمية، وتدين معه استمرار اعتقال ومحاكمة الزملاء صلاح السقلدي، وراشد، وشفيع العبد، والجحافي، باعتبارهم تعرضوا لنفس الوسائل غير القانونية. لكن النقيب، خارج التغطية، رأسماله الصمت والسلبية، والمجلس لا يكلف نفسه مشقة إغضاب أحد، في تسليم واضح أن مهمة النقابة محصورة في الدفاع عن سمعة النظام اليمني، وتبييض أعمال القمع والانتهاكات، بالصمت، في عام اعتبرته المنظمات الدولية الأسوأ على الصحافة اليمنية. وحتى إن علقت النقابة ببيان متأخر، فذلك لا يعني أنها قامت بما عليها تجاه الزملاء، وقضايا الانتهاك والمحاكمات والرقابة المسبقة، ووقف الصحف، (الأيام والمصدر). بل عليها أن تصعد احتجاجها إزاء القمع الرسمي لحرية التعبير، وتستخدم كل الوسائل القانونية، والدستورية. والمفارقة اليوم أن الصحفيين هم من يحاكمون ويدانون ويسجنون ويخطفون حفاظا على الأمن القومي والوحدة والديمقراطية، وهم من يتهمون بالطائفية والتحريض، والنيل من معنويات قواتنا المسلحة، بينما السياسي، بينما المفسدون والفاسدون من كل حجم ونوع، آمنون مطمئنون، محميون.
وتصر السلطة أن مشكلة البلد مجموعة من أصحاب الرأي والصحفيين، والمعارضين، فهم سبب غياب التنمية، والحرب والانفصال، وحمى الضنك، لهذا فإغلاق الصحف وخطف وسجن وملاحقة الصحفيين هو المقدمة الأولى للتنمية، وليس لحماية الفساد والمنتهكين والفاشلين، وليس لتبرير أخطاء النظام وسياساته، التي قادت البلد إلى هذا الوضع، في مفارقة لا يصدقها النظام اليمني، ولا يمكن أن توجد إلا باليمن، ما يؤكد أن الفشل السياسي لا بد أن يرافقه سقوط من نوع آخر، قيمي بالمقام الأول.
منظمات المجتمع المدني أيضا، غابت عن القضية، عدا حضور البعض منها ببيان وحضور خافت، أو من قبيل نحن هنا، ولكن أحدا منها لم يرتقِ باحتجاجه إلى مستوى الانتهاكات اليومية للحقوق والحريات والمدنية، أو يرد على الكذب الرسمي بخصوص المقالح باعتبارها قضية معلومة وموثقة.
يبدو الأمر بصورة سقوط أخلاقي وقيمي معلن، عندما لا يستفز أحداً، ولا يحرج أحداً، ولا يستحق الخجل من أحد، وحتى أصحاب الفضيلة، ومدعو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يستفزهم الخطف والاعتقال والظلم والتعذيب، ولم يستنكروا أو يهبوا هباتهم، المعروفة المتحمسة لزواج الصغيرات، أو لتأييد الحرب وقمع الحراك، وكأن كذب الدولة مسلمة اجتماعية، وكأن الصدق لا معنى له ولا قيمة لوصف رجل دولة، وخطف الدولة لمواطن وإخفائه بالرغم من تكرارها الى حد صارت ظاهرة لا تستحق وقوف الجميع ضدها، ورفض الكذب، والإعلاء من شأن القيم والمثل العليا. والمثير أنه حتى أولئك الذين ليسوا بمنأى عن الاختطاف والإخفاء لم يتفاعلوا معها كما يجب، حزب الحاكم ورجال السلطة والمسؤولون من كل حجم، لم يكلفوا أنفسهم الاستنكار أو التفسير، ولم نسمع أحدا هنا أو هناك يقول الكذب عيب، وكأن ثمة إجماعاً أن كذب الدولة مقدس، والأدهى من ذلك الصمت، عن المحاكمة، للمقالح، اختطف أخفي قرابة 4 أشهر، ثم يحاكم أمام محكمة أمن دولة، بتهمة ملفقة، وإجراءات غير قانونية، ولو كانت تستند إلى أي مبرر منطقي، ضعيف، ما لجأت إلى وسائل الخطف والإخفاء، والاقتحام، وهي وسائل تمت مع المقالح والسقلدي وراشد والعبد وجحاف، وعرفناها من قبل ذلك، وجربت معي. لقد أكد رئيس الفيدرالية الدولية قبل أشهر أن هذه الوسائل صارت مكشوفة وغير مجدية، والعفو الدولية وكثير من المنظمات الدولية على اطلاع بأوضاع الزملاء، وستدافع عنهم، وحينها تقول السلطة إن هذا تشويه لسمعة اليمن، لأنها لم تستفد من أخطاء سابقة، وترفض أن تستفيد، أو توقف الأخطاء، وكأن الأخطاء هي القانون والدستور.
وحتى الرئيس، عندما يتدخل بعد الانتهاكات لا يأتي تدخله لإصلاح الخطأ ولملمة المشكلة والإنصاف، بل يساير الأمر، ويصبح المهم كيفية إخراج الأمر بطريقة لا تدين الفعل ولا تجرم الجاني، ولا تنتصر للدستور والقانون، وهذا ما يجعله في المواجهة مع قضايا حرية التعبير والصحافة، ومحاكمات الصحفيين والخطف والتحريض.
ما الخسارة لو قام الرئيس بالإنصاف للضحايا والانتصار للقانون حتى من باب السياسة؟ وهي طريقة أجدى من المكرمة بعد الحكم والعذاب الطويل والتنكيل، إنما لا، وكأن المحاكمة، والحكم ضرورة وطنية، وسيادية، مع أنها لا تشرعن الانتهاك، ولا تقنع بصحة أو قانونية أو أخلاقية الممارسات.
والمفارقة أن الكثير صار محتارا يتساءل لماذا لم تعد السلطة تضحك علينا بفهلوتها، كما كانت، وربما البعض يتمنى ذلك، لكن، بدون جدوى ولا فائدة، فالسلطة تعيش حالة غطرسة في تعاملها مع مواطنيها، والمدنيين تحديدا، لا تتناسب مع واقع القبول بانتهاك السيادة وقتل الأبرياء واستمراء الحرب ضد مواطنين، وتشريد مئات الآلاف، أو إنكار حمى الضنك التي تفتك بأبناء محافظة مثلت عنوانا للمدنية والوعي. لعل الغريب أن نستغرب أو نتوقع خيرا، أنه وضع يمكن أن نقول “نزع الله توفيقه”، أو إذا أراد الله أن يتم أمراً سلب ذوي العقول عقولهم.
alkhaiwani@gmail.com