“بيان” مات مسموماً، و”أنتو” تبحث عن قاتله، و”جمالـ” يُختطف 20 يوماً، والمفوضية تغض الطرف

“بيان” مات مسموماً، و”أنتو” تبحث عن قاتله، و”جمالـ” يُختطف 20 يوماً، والمفوضية تغض الطرف

4 لاجئين إثيوبيين تحت الحصار والتهديد بالقتل على ذمة اغتيال سياسي
* “النداء” – وضاح الجليل:
لا وقت يسعفهما للبحث عن شيء آخر بما في ذلك كسب الرزق، ويقضيان وقتهما بالتنقل بين مسكنهما ومقر منظمة حقوقية، وأحياناً بعض الصحف بحثاً عن حماية.
أنتو سعيد سليمان، وجمال محمد عبده يستجديان مساعدة عاجلة من أية جهة قادرة على حمايتهما أو توفير الأمان لهما، ويعتقدان أن منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام قد توفر لهما أي أمل بتلك الحماية، أو على الأقل إيصال صوتهما إلى الجهات المعنية التي عجزا عن الوصول إليها بعد أن صمَّت آذانها عن قضيتهما، وربما تواطأت ضدهما، فأنتو وجمال إثيوبيان يقيمان في اليمن كلاجئين سياسيين بصحبة طفلتيهما، لكنهم خالين تماماً من الحماية.
في ليل ال20 من نوفمبر الماضي فوجئ جمال محمد عبده بهجوم على منزله، وقبل أن يستوعب الأمر كان هو وابنته مختطفين.
وبحسب جمال، فقد أيقظتنه ابنته التي تنام جواره بعد أن سمعت اقتحام المنزل، في البدء ظنها فزعت من حلم مزعج أو شيء آخر، فاحتضنها، ولو لم يفعل لربما اختطف وحده، فقد وجد نفسه مرتدياً بيجامته، وهي في حضنه، بين أيدي 3 من الأشداء يلقونهما داخل سيارة هايلوكس اتجهت بهم باتجاه “مذبح”، قبل أن يتم عصب عينيه بحيث لم يعرف الوجهة الحقيقية للسيارة بعد ذلك، ثم يتم إلقاؤه مع ابنته في قبو شبه مظلم ظلا فيه ثلثي شهر بين الخوف والجوع، حيث تعرضا للإهانات والضرب، وأنعم عليهما الخاطفون بوجبات ضئيلة يومياً، قبل أن يفرج عنهما في ال11 من ديسمبر الحالي بشرط واحد، سيتم بعدها معاودة اختطافه وإيذائه إن لم ينفذه.
يقول جمال إنه تعرض للضرب عدة مرات داخل القبو، وإن طفلته لم تنجُ من الإيذاء بدورها قبل أن يشترط الخاطفون عليه إقناع أنتو بالتنازل أمام النيابة عن قضية مقتل زوجها بيان أحمد حسين باتي، مقابل الإفراج عنه، ما لم سيتم إعادة اختطافه، بل وقتله مع أنتو بكل بساطة، ومن أجل ذلك يعيش جمال وأنتو في فزع مستمر، ولم يعدْ في أيديهما ما يفعلانه سوى البحث عن ملجأ من الخوف، بعد أن عجزا عن الحصول على دعم، ولو شكلي، من المفوضية السامية للاجئين، أو المكتب التابع لها في اليمن (مكتب التنمية اليمنية الصحية للاجئين) والمعروف اختصاراً بـ”IDF”.
واشترط الخاطفون من جمال هذا الشرط، رافضين تحديد علاقتهم بالقضية المنظورة أمام نيابة جنوب غرب الأمانة منذ فبراير الماضي، وهي القضية التي يُتهم فيها إثيوبي آخر بقتل بيان أحمد حسين باتي زوج أنتو، بالسم.
بالكثير من الدموع، وبلكنة خائفة، ولغة إثيوبية –ترجمها جمال- حكت أنتو قصتها، وما حدث معها منذ تسميم زوجها، وحتى هذه الأيام، حيث تخضع مع طفلتها اليتيمة لرقابة شديدة، وتتعرضان لتهديدات كثيرة لإجبارهما على التنازل الذي يطلبه إثيوبيون، ويمنيون لم تعرف أنتو علاقتهم بالأمر أو مصلحتهم فيه.
تتهم أنتو أشخاصاً تابعين للدولة الإثيوبية بقتل زوجها بسبب خلفية نشاطه السياسي في إثيوبيا قبل اللجوء إلى اليمن، وتفيد بأن زوجها دُعيَ إلى منزل إثيوبي (تتحفظ الصحيفة عن ذكر اسمه)، وهناك دُس السم في المأكولات والمشروبات التي تناولها بيان، فعاد إلى المنزل وهو يتقيأ دماً عبر أنفه وشفتيه.
مباشرة اتجهت أنتو إلى قسم شرطة الوحدة القريب من المنزل، وعادت بصحبة عدد من أفراد الأمن الذين نقلوا زوجها على سيارتهم إلى قسم الطوارئ بمستشفى الثورة، وهناك لم يجد الأطباء سريراً فارغاً لبيان، فقاموا بإسعافاتهم الأولية له، وتركوه مرمياً على الأرض، ولم يكن أمام زوجته سوى إرجاعه إلى المنزل، وعادت به اليوم التالي إلى المستشفى، وظلت تتنقل به بين مستشفيي الثورة والمتوكل حتى فقد القدرة على الكلام، ثم وافته المنية في ال28 من فبراير الماضي.
سمح مكتب IDF بدفن بيان باتي بدون علم زوجته. وتفيد شكوى من أنتو إلى مدير منطقة الوحدة بأنه تم أخذ إبهامها على ورقة أثناء إصابتها بغيبوبة في المستشفى عقب وفاة زوجها، ولم تعلم ماهية الورقة، إلا أنها عرفت أنهم دفنوا زوجها بدون إذن منها، ومنذ ذلك الحين وهي تتعرض للملاحقة والتهديد لإجبارها على التنازل عن القضية التي يتهم فيها إثيوبي وآخرون بدس السم لزوجها، وعدد ممن تواطؤوا معه أو ساعدوه في ذلك.
وتؤكد أنتو أن زوجها قبل وفاته اتهم الشخص ذاته بدس السم له في الشاي، فيما يفيد بيان صادر عن عدد من اللاجئين ممن لهم علاقة بالقتيل وزوجته وخصومه، بوجود 13 شاهداً يؤكدون أن بيان اتهم الشخص ذاته بقتله بالسم أثناء زيارتهم له في المستشفى قبل فقدانه القدرة على الكلام، ومن ثم وفاته.
طالبت أنتو عدة مرات بالتحقيق في مقتل زوجها، وإخراج جثته من القبر لإعادة تحليلها لدى الطب الجنائي لمعرفة سبب الوفاة. وكان تقرير صادر عن مستشفى المتوكل في ال25 من فبراير بوجود تغييرات وذمية ذات كثافة قليلة لساق الدماغ، مسببة انضغاطاً للأحواض القاعدية للبطين الثالث، مع توسع خفيف للبطينات الجانبية المتعلقة بارتفاع الضغط، مع وجود آفة على الجزء الأيسر من العضلة القذالية، والمنطقة الأمامية الداخلية اليمنى القليلة الكثافة، وذلك حسب الفحص المقطعي للدماغ الذي تم في المستشفى.
وتقدمت أنتو لمكتب المفوضية السامية للاجئين بعدة شكاوى طالبة مساعدتها أثناء مرض زوجها، وبعد وفاته لحمايتها من التهديدات التي تتعرض لها، بيد أن مكتب المفوضية تعامل معها بغير اهتمام، وأحالها عدة مرات إلى مكتب IDF الذي لم يتجاوب معها بدوره.
قام المرصد اليمني لحقوق الإنسان بالتواصل مع الجهات الرسمية ممثلة بوزارة الداخلية ووزارة حقوق الإنسان، وقد كان لهذا التواصل والمتابعة الجادة من قبل اللاجئة أنتو الأثر في ضبط المتهم بقتل زوجها وأحد الأشخاص الآخرين الذين يقومون بتهديدها وملاحقتها، وإحالتهما إلى النيابة العامة للتحقيق، لكن وبعد توجه اللاجئة المذكورة للنيابة لمتابعة استكمال التحقيقات، طُلب منها إحضار ما يثبت أنها زوجة اللاجئ المجني عليه. ولأهمية ذلك في إتمام النيابة العامة لمهامها القانونية أحال المرصد اليمني لحقوق الإنسان أنتو إلى الممثل المقيم للمفوضية السامية للاجئين، طالباً دعمها في متابعة إجراءات القضية ومساعدتها في إثبات علاقة الزوجية التي كانت تربطها باللاجئ القتيل وفقا لملفات اللجوء الخاصة بهما، والتحرك العاجل من أجل توفير الحماية لها وابنتها واللاجئ جمال محمد عبده الذين أصبحوا أكثر عرضة للخطر بسبب متابعتهم لهذه القضية.
وفي ال30 من سبتمبر الماضي خاطب المرصد اليمني وزير الداخلية عن تعرض أنتو وجمال للاحتجاز من قبل مدير قسم شرطة الوحدة في محاولة منه للضغط عليها وإجبارها على التنازل في قضية مقتل زوجها. وكان المرصد سبق له أن حصل على توجيهات من وزير الداخلية بالتحقيق في القضية وفتحها حيث تقوم النيابة بالتحقيق فيها.
مفوضية اللاجئين تصم آذانها عن سماع شكاوى اللاجئين، بل ويقوم أفراد الأمن فيها بالاعتداء على اللاجئين المترددين على مكتبها، ويرفض مسؤولوها اللقاء بالعاملين في المنظمات الحقوقية، أو الإعلاميين مثلما يرفضون الاستجابة للمناشدات والمطالبات بالالتفات إلى أوضاعهم المهينة، وما يتعرضون له من انتهاكات.
وأكد مسؤولو المساعدة القانونية في المرصد اليمني لحقوق الإنسان لـ”النداء” أن مسؤولي وزارة حقوق الإنسان أفادوهم بعدم قدرة الوزارة على مساعدة جمال وأنتو لعدم استجابة الـ”IDF”، وتساهل المسؤولين هناك في الاستجابة لشكاوى اللاجئين أو الخطابات الأخرى من قبل المنظمات والوزارة بشأنهما.
تحتجز نيابة جنوب غرب الأمانة المتهم الرئيس بمقتل أنتو وأحد معاونيه، فيما لا يزال بقية المتهمين طلقاء، وبسبب ذلك تتعرض أنتو لضغوط وتهديدات بالتصفية الجسدية، وملاقاة نفس مصير زوجها إذا لم تتنازل عن القضية، وهو نفس ما يتعرض له اللاجئ جمال محمد عبده الذي قضى 20 يوماً رهينة الاختطاف، وأطلق مقابل إقناعها بالتنازل عن القضية، ومُنح مهلة 5 أيام لتنفيذ هذا الشرط، ومنذ أكثر من 10 أيام يعيش الاثنان حالة جديدة من القلق والرعب، ويقضيان وقتهما بالتنقل بين سكنهما والمرصد اليمني لحقوق الإنسان وبعض الصحف بحثاً عن حماية.