نبهوا رئيس الجمهورية إلى أن الجهد الذي يبذله من دعوات للتجار والمستثمرين تقوضه إجراءات المحاكم التجارية بالجهل بالقانون وعدم تطبيق العدالة وأن التجارة لا تقوم إلا بالعدل

نبهوا رئيس الجمهورية إلى أن الجهد الذي يبذله من دعوات للتجار والمستثمرين تقوضه إجراءات المحاكم التجارية بالجهل بالقانون وعدم تطبيق العدالة وأن التجارة لا تقوم إلا بالعدل

تجار منسيون في أدراج المحكمة التجارية

> المحرر
تغيب أسماء التجّار الغارمين من كشوفات المفرج عنهم من السجون المركزية سنوياً، سواء الكشوفات التي تكفل بالدفع عنها المحسنون من التجار، أو التي تدفع عنها اللجنة الرئاسية المكلفة بالنزول إلى السجون في رمضان من كل عام. لم يختلف الوضع في العام الحالي، بالنسبة لهؤلاء، فتجاهل معاناتهم من الجهات المسؤولة مستمر.
ينفذ نحو 18 سجيناً في مركزي صنعاء إضراباً عن الطعام والشراب، منذ 10 نوفمبر الجاري، احتجاجاً على استمرار المحكمة التجارية في احتجازهم رغم انقضاء مدد عقوباتهم.
إنهم يعيشون مأساة إنسانية مؤلمة. فإلى إفلاسهم المحقق بفناء مشاريعهم التجارية، واحتجازهم في السجن لفترات طويلة، يبقى هؤلاء في معزل عما تجود به نفوس المحسنين، وما تقرره اللجنة الرئاسية من أموال للدفع عن عدد من المعسرين، كما تنفي جهات الاختصاص مسؤوليتها تجاههم من النيابة العامة مروراً باللجنة الرئاسية المكلفة بتسجيل أسماء المعسرين والدفع عنهم، وأخيراً المحكمة التجارية في أمانة العاصمة وقضاة التنفيذ.
سجناء يمضون أسوأ أيام حياتهم داخل السجن. كانوا محتجزين على ذمة أحكام قضائية صادرة من المحكمة التجارية في صنعاء، لكنهم تجاوزوا فترات العقوبات المحكوم بها عليهم، واستمرت في احتجازهم الجهة المفترض بها تنفيذ القانون والإفراج عنهم طبقاً للقانون اليمني، فضلاً عن الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تحرم احتجاز حرية أي شخص بدون حكم قضائي. النيابات تمتنع عن التدخل ومثلها البقية “إذن، من سيفرج عنا؟ ومن المسؤول عن احتجاز حرياتنا خارج إطار الدستور والقانون؟”، كما يتساءل السجناء.
وقال السجناء في شكواهم لـ”النداء” إنهم لم يلمسوا أية حلول تقوم بها النيابة من أجل المعسرين باستثناء إجراء لم يستمر، متمثلاً في إحالة ملفاتهم إلى قاضي التنفيذ للسير في إجراءات تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم. جمّد هذا الإجراء عقب إحالته في أدراج المحكمة التجارية، ولم تستمر في التنفيذ.
“النداء” سألت رئيس قسم السجون في مكتب النائب العام مهدي فصيع، عن وضع هؤلاء بين حالات المعسرين الذين يجب على النيابة الإفراج عنهم. أفاد باقتضاب: ليسوا من اختصاص النيابة.
في هذا التقرير نستعرض بعض الحالات ونقوم بنشر عينة من أسماء “ضحايا المحكمة التجارية” العالقين رهن مبالغ مالية منذ سنوات بعيدة. هؤلاء التجار يؤمنون جيداً بأن التجارة محكومة بسوق الربح والخسارة، لكنهم يخشون من “خراب بيوتهم وبيوت اللي خلفوهم” بسبب إغفال المحكمة لقضاياهم.
“نحن الغارمين الذين وجبت علينا الصدقة، نحن المحتجزين في السجن المركزي في صنعاء على ذمة حقوق خاصة بدون مسوغ قانوني، والله سبحانه يفرض بالقوة حل معضلات مشاكلنا المالية”، بهذه الكلمات يعرف هؤلاء بأنفسهم عند الذين يفقهون. واتهموا المحكمة التجارية بأنها تتعامل معهم “بقانون الغاب وتتعامل مع محنتهم بنوع من اللامبالاة تجاه سمعتهم كتجار، ولا تراعي تشرد أسرة التاجر السجين ولا كساد بضاعته ولا دمار محله ولا سمعة الاقتصاد الوطني والاستثمار”.
التاجر رائد رشيد سعيد، سجين يعيش أتعس أيامه وأشدها قلقاً وريبة من المستقبل الذي ينذره بالكوارث الاقتصادية.. عصفت به الديون قبل 3 سنوات، وقضى على تطلعاته حكم من المحكمة التجارية صدر بحقه قاضياً بسداد “مبلغ 20 ألف دولار”. لم يتمكن رجل الأعمال من توفير المبلغ بأكمله، فقررت المحكمة إيداعه السجن قبل سنتين و3 أشهر رهناً بالمبلغ الذي عنده. تراكمت المحن على أسرة التاجر الغارم وعززتها إجراءات المحكمة التي لم تحل الحكم إلى قاضي التنفيذ، بل أبقته محتجزاً حتى الآن. ومنذ أيام قرر هو و17 سجيناً الإضراب عن الطعام بعد أن فقدوا الأمل في الجهات المختصة.
وتتفاوت ديون السجناء على ذمة المحكمة التجارية في السجن المركزي في صنعاء، من تاجر لآخر، وتبلغ أعلى مديونية فيها 75 مليون ريال تقريباً، هذه المديونية على ذمة السجين جلال الوجيه، الذي صدر بحقه حكم قضائي بالحبس 6 أشهر ودفع المبلغ السابق. مرت الأشهر المقررة فيها العقوبة ولم يتمكن التاجر من سداد ما عليه، فأبقته المحكمة وأهملته في مركزي صنعاء إلى الآن، وما زال سجيناً يبحث عن حل يفك عنه محنته.
أحمد إسماعيل هزاع القدسي، أطاحت به الديون وقذفته إلى قاعات المحكمة التجارية، التي أصدرت ضده حكماً يقضي بسداد 12 مليون ريال فقط (أي أنها لم تحكم عليه بعقوبة الحبس ولا حتى يوماً واحداً). وبدلاً من إحالته إلى قاضي التنفيذ حينها، تم إيداعه السجن المركزي في صنعاء، واكتفت بذلك. ويمضي القدسي عامه الرابع في السجن دون مسوغ قانوني. وقبل فترة أحيل ملف قضيته إلى قاضي التنفيذ في المحكمة التجارية، وما زال يراوح مكانه حتى الآن.
عبيد محمد صالح باقيس، يبدو أشدهم معاناة، سيما وهو يمضي عامه الثامن في السجن، على ذمة حقوق خاصة. وإلى عبيد والقدسي كثير ممن كانوا في أحد الأيام يباهى بهم في الأسواق بمشاريعهم الناجحة التي تبخرت وألقت بهم في عتمة السجون.
وانتقد هؤلاء إقفال المحكمة التجارية لمحلاتهم عند صدور الحكم، وقالوا إنه كان يفترض بها أن “تعين من قبلها حارساً قضائيا وأمين صندوق وتجرد البضائع وتبقي أبواب محلاتهم مشرعة، وألا تحبس المديون ويكون مشرفاً على محلاته، وتعتمد أقساطا شهرية لسداد الدائنين”.
معلوم أن الغرض من إنشاء المحاكم التجارية هو حل الخلافات التجارية مع مراعاة حماية الاقتصاد الوطني والمصلحة العامة، لكن ما تمارسه المحكمة ضد السجناء لا يبعث على الأمل، وإلا فلماذا لا تتعامل طبق القانون وتحصي عقارات واستثمارات المديون وتضع له حلولا إما بالتقسيط على أشهر وإن لم يلتزم بذلك فبإمكانها بيع جزء أو كل ممتلكاته وفقاً للشرع والقانون.
ويقول هؤلاء إنهم ليسوا من أصحاب التهم الجنائية بل هم تجار خذلهم الزمن ومخالفة القانون واحتجزهم في ظلمات السجون. ونبهوا رئيس الجمهورية إلى أن ما يقوم به من جهد ودعوات للتجار والمستثمرين اليمنيين والعرب والأجانب للاستثمار في اليمن تقوضه إجراءات المحاكم التجارية بالجهل والتخريب وتطرد الاستثمار وتلوث سمعة العدالة والقانون. واعتبروا العدالة هي الأساس في وجود تجارة وللنهضة بالاقتصاد.
وناشدوا رئيس الجمهورية ورئيس مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل والنائب العام وكافة المنظمات المعنية بحقوق الإنسان الالتفات إلى مقاساتهم والنظر إلى قضاياهم وحلها، منبهين إياه بأنهم بدأوا إضرابهم عن الطعام في 10 نوفمبر الجاري.

***
.. وآخرون على ذمة النيابات
وأعلن نحو 30 سجيناً على ذمة مبالغ مالية عن نيتهم البدء بإلإضراب عن الطعام حتى تلبي النيابة العامة مطالبهم وتفرج عنهم. وقالوا إنهم ماضون في إضرابهم حتى يفرج عنهم أو يموتوا دون ذلك.
وناشد هؤلاء رئيس الجمهورية باعتباره المسؤول الأول عن تطبيق القانون وحمايته، ورئيس مجلس القضاء والنائب العام وضع حد لمأساتهم، وقالوا: نناشد كل هؤلاء باسم كل طالب قلمه مكسور، وأبوه مأسور، يمشي على الرصيف ولا يجد حق الرغيف، وباسم كل أسرة سجين لم تجد حق الإيجار أو حق روشتة العلاج، وباسم كل أسرة سجين لم تجد حق التدريس ولم تعد قادرة على البقاء والصمود.
وواصلوا مناشدتهم باسم كل سجين انتهت مدة حبسه وما زال قابعاً خلف القضبان لعشرات السنين بسبب فقره وعدم قدرته على سداد المبالغ، أن يسارعوا إلى إنقاذ “حياتنا من هذا السجن الذي لا يقره شرع ولا قانون”. كما ناشدوا الرأي العام والمنظمات الحقوقية مساعدتهم على فك قيودهم وعلى العودة إلى أبنائهم وأسرهم.
وفي الجانب نماذج من البيانات والمعلومات الموضحة لحالة هؤلاء السجناء وما يعانونه جراء غياب تطبيق القانون والعدالة، والمبالغ التي احتجزت النيابات إرادة هؤلاء وحرياتهم بسببها، والفترة التي زادت عن مدة العقوبة المقررة في الأحكام.