في ندوة “من الاختطاف إلى المحاكمة” أسر المخفيين قسرياً ومعتقلون يدعون المنظمات الحقوقية والأحزاب للوقوف معهم في محنتهم

في ندوة “من الاختطاف إلى المحاكمة” أسر المخفيين قسرياً ومعتقلون يدعون المنظمات الحقوقية والأحزاب للوقوف معهم في محنتهم

بلال المقالح: خاب ظن خاطفيك حين اعتقدوا أنهم أبقوك
وحيداً لأن الجميع هنا يسألون عنك
> المحرر
قال بلال المقالح، نجل الصحفي المخفي قسرياً محمد المقالح، إن والده شكا إليه قبيل أيام من إخفائه، في 17 سبتمبر الفائت، من أمانة العاصمة، ما آلت إليه أخلاق الناس وضمائرهم. ففي لحظة متابعة والده لأحداث الحرب التي تجري في صعدة ومشاهدته للأرواح التي تزهق بسببها ظلماً في ظل صمت مريب من الشعب، كان يقول له: غابت النخوة من الناس، الناس لم تعد تقول كلمة الحق، الناس تموت ضمائرها. وأوضح بلال: كان منفعلاً جداً وهو يشاهد القتل وقد أصبح ثقافةً سائدةً، وانتهاك حقوق الناس البسطاء وقد أصبحت ممارسةً معتادةً.
اعتذر بلال من الحديث عن حادثة اختطاف والده التي لا يعلم أحد بتفاصيلها. وبدأ في استحضار ما كان يردده عليه والده خلال فترات متباعدة في السابق، ويعقبها بتعليقات منه. ترجى والده البقاء مبتسماً كما عهدوه ووعده بأنه سينتصر. وكأنه يقف أمام والده يبرر له لماذا بإمكانه أن يبتسم ويشعر بالثقة: ابق مبتسما لأن الأستاذ يحيى الشامي والأستاذ عبدالباري طاهر لم يخذلاك وغيرهما كثر، ابق مبتسماً لأنه خاب ظن مختطفيك حين اعتقدوا أنهم أبقوك وحيداً.. خاب ظنهم لأن الكثير من الناس يسألون عن آخر أخبارك وعما إذا كنّا قد عرفنا مكان تواجدك.
 وطمأن والده على اتباعه لنصائحه قائلاً: أبي العزيز.. دروسك ترن في أذني: بأن الحق قوي وأن الظلم زائل مهما طال أمده. وأطلعه على مكانته في قلوب الناس: قلت لي حين قتل رفيقك الشهيد جار الله عمر بأن الناس سوف تتساءل لماذا يقتل إنسان صادق ووطني؛ اليوم نفس الناس تتساءل: لماذا يخطف محمد المقالح؟ موضحاً: وهذه الناس تعرف أن الإجابة هي أن هناك طرفين لا يمكن أن يتفقا، هما الحق والباطل.
وإذ دعا رئيس الجمهورية لسرعة الإفراج عن والده الذي يعتقد أنه لدى أحد الأجهزة الأمنية، مراعياً في ذلك مشاعر والده، قال: أبي العزيز.. لن يرضيك أن أستجدي الرئيس في الإفراج عنك، لكني أخاطبه بسرعة الإفراج عنك.
وفي ندوة بعنوان “من الإخفاء القسري إلى المحاكمة” نظمتها المنظمة اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات الديمقراطية بالتنسيق مع أهالي المعتقلين والمخفيين قسرياً على ذمة حرب صعدة، تعهّد بلال لوالده قائلاً: أبي العزيز لن نسكت ولن يهدأ لنا بال حتى تخرج لنا سالماً غانماً.
وإلى بلال المقالح استمع جمع من السياسيين والبرلمانيين والحقوقيين والصحفيين إلى شهادات بعض من أسر المخفيين عن محنتهم جراء اختفاء أقربائهم أو استمرار اعتقالهم في معتقلات الأمن السياسي. وتحدثت كل من علياء الوزير، زوجة وليد شرف الدين المخفي قسرياً منذ شهرين ونصف، وأمة اللطيف العاصمي، زوجة معمر العبدلي المخفي قسرياً منذ يوليو الماضي، تلتها فاطمة الفقيه، زوجة المعتقل في الأمن السياسي العزي راجح، وإليهن تحدث عما يحدث داخل المعتقلات والسجون من تجاوزات للقانون واعتداءات واضطهاد للسجناء يحيى السياني، والد المعتقلين أحمد وعبدالإله يحيى السياني.
اعتلت علياء الوزير منصة قاعة فندق حدة. وكشفت أنها لم تعد قادرة على الحديث عن حادثة إخفاء زوجها ولا عن حادثة اقتحام عدد من أفراد الأمن لبيتهم عقب إخفائه. وبصوت منهك قالت: منذ شهرين و16 يوماً وزوجي مخفي. وطيلة هذه الفترة وأنا أتكلم وأبحث عنه ولا فائدة.
وإذ شكت إلى الحاضرين حيرتها في الوسيلة التي بإمكانها أن تجد بواسطتها زوجها وما الذي بإمكانها أن تفعله، أفصحت عن خشيتها من أن يسيطر عليها اليأس. وقالت: أنا مش عارفة أيش أفعل؛ رحت إلى النائب العام، ناشدت المنظمات، رحنا إلى الأجهزة الأمنية، ناشدنا رئيس الجمهورية عبر وساطات، كتبنا في الصحف… أنا لم أعد أتحمل أكثر! ووالدة وليد بتتعب كل يوم. معلقة أملها على مساندة المنظمات الحقوقية لها و”الاهتمام أكثر بالموضوع”.
وكان وليد شرف الدين زوج علياء، تم إخفاؤه في أغسطس الفائت، ولم تفصح الأجهزة الأمنية عن مكانه حتى الآن. وليد موظف الحسابات في برنامج الأمم المتحدة في اليمن، وهو ناشط حقوقي تم إخفاؤه على ذمة أحداث صعدة، وتعتقد زوجته أنهم قاموا باعتقاله لانتمائه إلى المذهب الاثنى عشري أو لأنه هاشمي.
وفي الندوة التي أدارها الكاتب والناشط الحقوقي ماجد المذحجي، تحدثت أمة اللطيف العاصمي زوجة المخفي معمر العبدلي، بأنها تلقت اتصالاً من أحد أقرباء زوجها في 13 يوليو الماضي، مفاده أن مجموعة أمنية قامت باعتقال معمر من محافظة عدن وترحيله إلى صنعاء في اليوم التالي، وأن عناصر من جهاز الأمن القومي داهموا بيته في صنعاء عصر اليوم التالي لحادثة اعتقاله. احتجزوا نحو 12 فرداً من النساء والأطفال في غرفة واحدة منذ الرابعة عصراً حتى الحادية عشرة مساءً. وصورت العبث الذي أحدثته هذه العناصر في منزلهم: كانوا يحطموا أي شيء أمامهم وكأنهم في حرب في صعدة، حطموا الأدراج، المكتبة، الأسرة، الكنب، وصادروا عديد كتب ومستندات وأوراق شخصية، بطائق، بصاير، وصورا عائلية. وعندما كانت تسألهم عن الأسباب التي تدعوهم إلى تحطيم محتويات البيت وما الذي يبحثون عنه بداخل هذا الأثاث، يردون: الدولة ملتزمة بتعويضكم على هذا الدمار والخراب.
منذ اليوم التالي بدأت أمة اللطيف في التحسس عن خيط يدلهم على مكان وجود زوجها، لكنها كانت ترجع من كل محاولة تقوم بها خائبة. ووجهت للحاضرين سؤالاً عن سبب اعتقال زوجها وإخفائه، هل لأنه جنوبي؟ أم لأنه هاشمي ورئيس الدائرة الجماهيرية في حزب الحق؟ أم لأنه ناشط حقوقي ورئيس منظمة حرية الفكر؟ أم لأنه ينتمي للمذهب الزيدي؟ ثم أجابت الحاضرين: كلها أسباب تعتبرها الدولة مخالفات. وناشدت المنظمات الحقوقية الوقوف إلى جانبهم في البحث عن مصير زوجها المخفي قسرياً ما يجعله خارج حماية القانون.
***
من الإخفاء القسري إلى المحاكمة
وزّعت المنظمة اليمنية في الندوة كشفاً يتضمن 125 معتقلاً تعرضوا لجريمة الإخفاء القسري ويتم الآن محاكمتهم في المحكمة الجزائية المتخصصة بعد فترات طويلة من اعتقالهم. والأربعاء تحدثت فاطمة الفقيه عن مأساة ومعاناة زوجها العزي راجح، الذي بدأت محاكمته في المحكمة الجزائية المتخصصة، مطلع نوفمبر الجاري، بعد أن تم إخفاؤه قسرياً لمدة عام وظهوره في معتقلات الأمن السياسي في 25 يونيو 2008، والاستمرار في اعتقاله دون محاكمة لمدة عامين ونصف.
واستغربت فاطمة من أن زوجها الآن يحاكم بتهمة إحضار السلاح وحفر المتارس في بني حشيش فيما الحرب لم تبدأ في بني حشيش إلا بعد سنة من اعتقاله. وتساءلت: بالله عليكم أين حفر هذه المتارس وهو محبوس من قبل نشوب الحرب بسنة؟ هل حفرها من الأمن السياسي؟ واعتبرت التهم التي وجهت إلى هؤلاء ملفقة وغير حقيقية.
وكان جهاز الأمن السياسي اعتقل العزي راجح، مطلع أبريل 2005، من جوار بيت والده في منطقة السنينة بأمانة العاصمة، واستمروا في احتجازه مدة 6 أشهر، ثم أطلقوا سراحه بعد أن حذروه وهو إمام الجامع القريب من بيتهم، من: عدم مزاولة مهنة الخطابة في الناس، لا تدرس القرآن، لا تختلط بالناس والتزم البيت، طبقاً لقول زوجته لـ”النداء” في قصة نشرتها عن معاناة أسرته منتصف يونيو الماضي.
وفي 7 مايو 2007، قامت الأجهزة الأمنية باعتقاله مجدداً من شارع الحرية، وأبقته في قائمة المخفيين قسرياً لمدة عام، ثم كشفت عن وجوده لديها، والآن بعد عامين ونصف من الاعتقال أحالته إلى المحكمة بتهمة إحضار الأسلحة إلى بني حشيش وحفر المتارس.
وإلى العزي راجح والعشرات من المعتقلين تمت إحالة الناشط الحقوقي ياسر الوزير الذي تعرض للإخفاء القسري لمدة 3 أشهر، وظهر في معتقلات الأمن السياسي، بعد أن تناولت “النداء” حادثة اعتقاله وما تعرضت له أسرته جراء إخفائه.
وتحدث يحيى السياني، والد المعتقلين أحمد وعبدالإله السياني، عما تعانيه أسر المعتقلين من إرهاق وإحباط جراء اعتقال أبنائها، وما يتعرض له المعتقلون من انتهاك واعتداءات. وقال: “يعتقلونهم في غرف مظلمة ويمارسون ضدهم أبشع العذاب، ما أدى إلى مفارقة عدد من المعتقلين الحياة بسبب ما يعانونه داخل السجن. وهناك العديد من الانتهاكات الوحشية التي يتعرض لها المعتقلـ”.
***
شهادة معتقل سابق ومغادرة راجح حنيش قاعة الفندق
شكا شرف المروني على الحاضرين ما تعرض له، عصر الجمعة قبل الماضية، من انتهاك واعتقال. وقال إنه سار بعربيته التي يبيع عليها أشرطة دينية وأناشيد وكتباً، لأداء صلاة الجمعة في جامع الشوكاني، وباع بعض الأشرطة هناك، ثم عاد صوب باب اليمن. عصر ذلك اليوم اعترضه طقم عسكري كان بانتظاره عند خروجه من أحد المنازل في صنعاء القديمة، وحمله وعربيته على الطقم. وقال شرف: كانت الكتب والأشرطة تتناكع من فوق الطقم وهو مسرع، وأنا كنت أصيح أقول له إن الكتب بيتناكعين، وكان يرجم بالكتب إلى وجهي ويقول لي يسيرين كلهن.
وفي قسم الشرطة في نقم تولوا استجوابه: لماذا تبيع كتب الزيدية وأشرطة الزيدية؟ وكانوا يدوسون على الكتب بأقدامهم ويقولون لي “أكل (…) ولا تبيع الكتب حق الزيدية”. وبعدها طلبوا منه الالتزام بعدة شروط لقاء الإفراج عنه: لا تقل لأحد أنك احتبست، لا تبيع هذه الكتب والأشرطة مجدداً، وبالأخص كتب حمود بن عباس المؤيد وكتب مجد الدين المؤيدي.
وإذ تولى الكاتب ماجد المذحجي إدارة الندوة، عرض علي الديلمي، المدير التنفيذي للمنظمة اليمنية في الكلمة الافتتاحية الدور الذي تقوم به منظمتهم في الدفاع عن الحقوق والحريات وما توليه من اهتمام في قضية المخفيين قسرياً. وقال إن المنظمة تتلقى بلاغات من الأسر عن إخفاء أحد أقربائهم فيما تبدأ باتخاذ الإجراءات المتمثلة في إبلاغ النائب العام ومتابعة وزارة الداخلية ورئاسة الوزراء والبرلمان. واستشهد بحالات ممن تتابع المنظمة قضاياهم.
وفي الندوة استعرضت ورقتان؛ الأولى قدمها المحامي علي العاصمي، رئيس لجنة الدفاع عن المعتقلين، عن التجاوزات القانونية التي تقوم بها السلطات الأمنية، والثانية للمحامي إبراهيم شرف الدين، تناول فيها مدى خطورة الممارسات الأمنية لعمليات الإخفاءات القسرية وتجريم القانون المحلي والدولي لها.
ولفت ماجد المذحجي انتباه الحاضرين إلى مغادرة شخصية مهمة بالنسبة لهم من قاعة الفندق. لقد حضر راجح حنيش وكيل جهاز الأمن السياسي، لدقائق معدودة، وغادر دون أن يلتفت له أحد لولا تنويه مدير الندوة بعد مغادرته.
***
النقيب: السلطة تمارس عمل المنحرفين في بلدان العالم
عيدروس النقيب، رئيس الكتلة البرلمانية للاشتراكي، انتقد في مداخلته تعامل السلطة مع الناشطين والمواطنين، التي اعتبرها تعكس عقلية استبدادية. وقال إن مخالفة القانون تحدث في أي بلد في العالم من قبل منحرفين وعصابات وسرق، أما في اليمن فالسلطة هي من تخالف القانون وبأيدي الأجهزة الأمنية لأنهم يعتقدون أنهم فوق القانون.
وأشار إلى طلب مجلس النواب لوكيل جهاز الأمن القومي، عمار محمد عبدالله صالح، الحضور إلى المجلس لمناقشة الأوضاع الأمنية والانتهاكات التي يمارسها الجهاز ضد المواطنين، وبالأخص ما تعرض له عضو المجلس عبدالسلام زابية في مطار صنعاء من اعتداء، وامتناع الثاني عن الحضور. وقال إن عمار أرسل أحد موظفيه وهو نائب رئيس الوزراء للدفاع والأمن، للاعتذار عما حدث لعضو مجلس النواب.
وتساءل: هل يجب على كل مواطن أن يكون عضو مجلس نواب حتى تظهر عملية الانتهاك التي يتعرض لها أو يتبناها المجلس؟ واستشهد على الانتهاكات والتجاوزات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية مع قادة في الحراك الجنوبي ومواطنين جنوبيين، وقال إن هؤلاء لم يعتقلوا بأمر قضائي لكن اعتقلوا في أنصاف الليالي. معتبراً عملية الاعتقال المطول في المعتقلات السياسية عملية مخططاً لها، وهو عقاب غير قانوني. مشدداً على أهالي المعتقلين أن يكونوا واثقين بعدالة قضيتهم، مؤكداً لهم أنه يشعر بمأساتهم.
أحمد الوادعي، المحامي، أكد على أن اليمن تمتلك قانونا جيدا ودستورا متحضرا، وهما كفيلان بألا يعتقل أي شخص إلا بأمر قضائي ويحال إلى النيابة بعد 24 ساعة من اعتقاله. وعتب على الرأي العام الذي وصفه بالمعطل “لأن البعض جاهلون للقانون والبعض محبطون”. وأسف على أن الضمانة الكبرى وهي القضاء معطلة أيضاً. وأرجع السبب في عطله إلى “عدم استقلاليته وتابعيته لعربة تجره من مكان إلى آخر”.
ونصح الوادعي السيدات من أسر المخفيين قسرياً والمعتقلين على ذمة أحداث صعدة، اللاتي تحدثن عن إصابتهن بالإحباط، بعدم اليأس وابتكار وسائل مختلفة للاحتجاج بها إن كن قد مللن من وسيلة الاعتصام أمام بوابات المؤسسات الدستورية.
الصحفي عبدالكريم الخيواني، شكر أهالي المعتقلين، وبالأخص النساء اللاتي قال إنهن أثبتن أنهن أقوى من الأحزاب، وأنهن يعملن على إيقاظ ضمير نائم. وأضاف: أنتن ستحرضن شعبا لكي يصحو ويخرج لأخذ حقه، وأنتن قادرات على إيقاظ المقاومة. مؤكداً على تضامنه معهن.
يحيى الشامي، قيادي في الحزب الاشتراكي، دعا المنظمات إلى عقد ندواتها ومؤتمراتها في الحارات والأحياء وسط الشعب. وأفاد أن تضامن الحاضرين “ليس مع الذين اختطفوا بل نتضامن سلفاً مع من سيخطفون لاحقاً”. ووصف السلطة بأنها عبارة عن “شياطين تتلذذ في تعذيب الناس”. موضحاً التعريف الحقيقي للحاكم الجيد: أن تحكم بلا قانون يستطيع الثور أن يحكم، لكن أن تحكم بالقانون فهنا تأتي الصعوبة. وحث الجميع على نبذ اليأس.