تجربة التحدي بين أحضان الطبيعة.. بني مطر-بيت داعر-سد القاهر (2)

سردت عليكم الأسبوع الماضي رحلتي الأولى مع فريق المشي والتسلق الى “قرية حدة “ولكن لم أخبركم ببعض المعلومات حول هذا الفريق؛ ولذلك قبل ان ابدأ بسرد رحلتي الثانية معهم إلى بني مطر- بيت داعر سأخبركم بتسميته وتاريخ تأسيسه.

 

فريق الهاش ( منصات التواصل)
فريق الهاش ( منصات التواصل)

بعد عودتي الى المنزل، ومتابعة الجروب الخاص بالفريق رأيتهم يكررون كلمة (هاش) استغربت كوني وجدت الاسم غريب نوعًا ما، عندها أتذكر أنيّ وضعت سؤال في الجروب حول سبب التسمية ووصلتني الإجابة من الكابتن “سعيد السروري” حيث قال:” كان تجمعًا بدا بمجموعة من الرعيان في كوالالمبور بماليزيا لتجديد نشاطهم وكسر الرتابة بعد يوم شاق، وانقسم الرعاة الى مجموعة تقوم بالرعي، وأخرى تقلي شرائح البطاطس وسمي ذلك النشاط بـــ (هاش) وهي كلمة صينية متداولة بين الرعيان لوصف ذلك العمل الذي جمع بين الرياضة والبطاط المقلية”.
في اليمن بدأ التنظيم للهاش في ثمانينات القرن الماضي حيث أشرف على تنظيمه عددًا من الأجانب المقيمين وبمشاركة مجموعة من اليمنيين حيث يتم اللقاء بشكل اسبوعي كل يوم اثنين والقيام برحلة جبلية في ضواحي مدينة صنعاء.

 

الاستعداد للرحلة الثانية

بدأتُ الاستعداد للرحلة الثانية وحماسي اقوى من ذي قبل، جهزت في المساء حقيبة الظهر وفي داخلها قبعة، مظلة، فنيلة، ماء معدني، شوكولاتة، (كرواسا بالجبن) وعصا “عكاز” تساعدني في النزول من بين الصخور او الصعود عبرها.
إستيقظت عند الساعة السادسة صباحًا في يوم الخميس20يوليو2023م، قمت بتجهيز نفسي كطفل في صباح العيد وتوجهت الى مكان التجمع الذي تم تحديده، هذه المرة كان في فرزة (متنة) باتجاه عصر، ولا اخفيكم انها كانت المرة الأولى التي أتوجه فيها الى هذا المكان او حتى اعرف اسمه، استقيلت الباص الأول وأوصلني حتى جولة (كنتاكي) وبعدها وبخطى متسارعة مشيت الى حيث فرزت باصات عصر وهناك استقليت الباص الثاني واتذكر حينها أنيّ سألت السائق هل انت متوجه الى فرزة متنة؟ قال:” نعم” قلت له والابتسامة على وجهي:” اوقفني هناك”.
وصلت الى الفرزة، ونزلت من على الباص سمعت السائقين ينادون الحديدة.. الحديدة التفت يمينًا ويسار ولكني لم أجد  أي عضو من الفريق في مكان التجمع، حينها ظننت انيّ أخطأت في المكان فقمت بفتح حقيبتي وإخراج موبايلي واتصلت بالأستاذ عبدالله الشرعبي واخبرني بالمكان، انهيت الاتصال معه وفي ذلك الوقت وجدت عضوان جديدان انظموا للفريق وكانوا مثلي يبحثون عن البقية، عندها اخبرتهم ان طريقهم طريقي ومشينا معًا الى حيث يتجمع البقية عند بوفيه صغيرة، وهناك وجدت الأستاذ عبدالكريم الرازحي، وعبد الله الشرعبي، وعبير الكوكباني وبقية الأعضاء، جلست معهم وطلبت قلص شاهي حليب ]وبصراحة ما عاد عرفت هي كانت حليب بالشاهي ولا شاهي بالحليب لأنه بيني بينكم لا كان فيها شكل ولا طعم بس قلت بعمل نفسي عميقة شوية وأطرح رجل فوق رجل وشاهي باليد وجلسة بالبوفيه مثل المعلمات حق مصر[ بعدها إنقسمنا الى مجموعات تحركنا عند الساعة الثامنة صباحًا، كان من نصيبي ان أكون بسيارة الأستاذ عبدالرحمن الشرجبي، وابنته الصغيرة، وأبناء اخته الصغار، وعم مبخوت الماوري، جلست بالخلف مع (مريم) التي كانت على طول الطريق المتوجه الى منطقة “الحفر_ داعر” تفتح اغنية ( مستنيك) للفنان حمود الخضر، تخلص الاغنية وتعيدها عدة مرات لدرجة أصبحت الاغنية تدور في رأسي ولم تخرج حتى صباح اليوم التالي، ولم تكن مريم تغرق في صمتها عند سماع الاغنية بل كانت تتحدث وتناقش بطريقة لبقة قلما نجدها في أطفال بعمرها، والجميل في الأمر ان والدها يشجعها على النقاش وابداء رأيها وموافقتها فيما تقول وتصحيح الخطأ ان أخطأت.

موعد مع المغامرة

فريق الهاش اثناء التسلق(النداء)
فريق الهاش اثناء التسلق(النداء)

بدأت رحلة المشي بـــ (26) مشارك، كانت البداية من قرية عسله حيث تركنا السيارات هناك وسرنا مشيًا على الاقدام، كان صباحٌ رائع، وعلى طريقتنا ارتصت أشجار اللوزيات مُرحبة بنا في وادي داعر الخصيب ، اتخذ كابتن الرحلة سائلة “داعر” خط للسير وصولاً الى سد القرية وهو عبارة عن حاجز صغير، هناك التقطنا بعض الصور للذكرى ومن ثم وبروح عالية لعبت الطبيعة دور في تكونها، اكملنا طريقنا إلى أعلى السائلة وفي طريقنا كنت اجد بعض العيون الصغيرة للماء والبرك الشبه جافة، كنت اسير بحذر وخوف من الانزلاق ولكني بنفس الوقت كنت امارس هواية التصوير للمكان وللفريق.
وصلنا الى منطقة “المعازيب” هناك توقفنا عند بركة ماء كانت في غاية الجمال رغم صغر حجمها، دخل البعض اليها، وبقيت انا وآخرين نلتقط الصور للمناظر حول البركة وللجبال الشامخة، وصور لي وبينما وانا اصور مر من جواري أحد سكان المنطقة وهو ” الحواني” القى تحيته ومر مسببًا لي الرعب لدرجة أنى توقفت عن التصوير خوفًا من عودته مرة أخرى الى نفس المكان او عودة اسرته.

ولم تخلو هذه الرحلة من المواقف المضحكة ففي نفس البركة وبينما والبعض يريد الخروج منها متسلقًا بعض الصخور للأعلى سقط في الماء، وقد دفعت موبايلاتهم الثمن غالي حيث لاقت حتفها، وعند اكمال الطريق كنت مضطرة ان اتسلق الصخور للأعلى لا تواجه مع بعض الفريق الى قرية “المواقر” تاركين خلفنا بعض الأعضاء الذي سقطوا والى جوارهم أعضاء آخرين فضلوا البقاء معهم الى ان تجف ملابسهم.. في قرية المواقر رأينا النساء والفتيات يعملن في الحقول دون كلل او ملل ورأينا أشجار اللوزيات، هناك أتذكر احد أعضاء الفريق حينها طلب مني العصا الخاصة بي وسلمتها إياها وللأسف هو تأخر وأنا اضطرت اكمال طريقي بدونها الى ان تبرع لي احد الاخوة بالعصا الخاصة به وبها أكملت طريقي معهم رغم احراجي وانا أرى اخي في الفريق وهو يتحمل صعوبة الطريق دون عصاه بينما انا اتقفز من صخرة لأخرى مستخدمة العصا الخاصة به، ولا تعتقدوا اني لم اهتم لذلك بل على العكس كنت اسأله هل تحتاج العصا؟ وكان يرد لالا! وانا أقول بقلبي” يلا الحمد لله كنت مفجوعة يشلها وعاد الطريق طويل” وفي الطريق المحاذية لقرية بني صبر وجدنا امرأة تعمل في الحقل وحيدة ترى عيونها أعلى اللثام بشكل يوحي بأنها تبتسم لنا قالت بصوت المرأة الريفية القوي وبلهجتها العامية:” أنتم اليوم معزومين عندنا غداء” شكرناها وبعدها سألتنا من اين نحن؟ قلنا من تعز قالت يا حيا الله بكم، كم كانت جميلة كلماتها رغم بساطتها ولكن يكفي ان نشعر بأن هناك من لا يهمه من أي منطقة انت، طبعًا كانت هذه الفلاحة معجبة بفصاحة “مريم” أصغر طفلة في الفريق وقالت بلهجتها (انا اشتي أشل البنت هذه عندي) ضحك والدها وشكر الام على طيب اخلاقها.
وفي نفس الطريق وجدنا بعض الأغنام ترتعي إلا واحدة واخرى كانتا يتسلقن الصخور عندها أخبرنا الأستاذ عبدالرحمن الشرجبي ببعض المعلومات عنها حيث قال ان هذا النوع من الأغنام معروف في مارب وهو يتسلق بنفس هذه الطريقة ولديه ما يشبه اللحية وغرة في مقدمة راسه، بينما وانا امشي مع عضو الفريق عبدالرحمن وجدت فيه عقلية مثقفة فما كنا نمر من مكان إلا وكان يغدينا ببعض المعلومات حوله.
وبعد ذلك تناولنا طعام الفطور كان هناك الشاهي الأحمر المحوج الذي أعدته أم مريم، والكيك اللذيذ الذي حصلنا عليه من الدكتور عبدالملك بالإضافة الى كبانة الأستاذ عبدالله الشرعبي.
في الظهيرة وصلنا الى قرية “بيت اليتيم” وبينما ونحن في الطريق كنا نتلقى العزائم من أبناء تلك القرية، ولا اخفيكم اني وددت لو انني ابكي؛ لأني شعرت بأن هناك من أبناء وطننا لا يزالوا محتفظون بصفة الكرم رغم فقرهم وعوزهم البادي على كثير منهم.

قرية اليتيم( النداء)
قرية اليتيم( النداء)

عندما وصلنا الى القرية كان هناك سبعة من أعضاء الفريق لم يصلوا بعد وتأخروا في تلك الاثناء، بدأت السماء تأذن للسحب بهطول الامطار وهو ما جعل البعض يقرر دخول مسجد القرية منه للاحتماء من المطر ومنه لأداء صلاة الظهر، اما انا فقد بقيت مع البعض في الخارج تحدثت الى طفلين من أبناء القرية كانوا يشرحون لي عن المسجد وعن الحوض الذي تحته وانزلوني اليه كما استمتعت معهم ومع بقية الفريق بمناظر الأشجار المنتعشة وهي تتراقص فرحًا تحت قطرات التي غسلت اوراقها وجعلتها في منظر يثلج له الصدور ، لقد كانت المنطقة حقًا آية من الجمال، ولكن ذلك الجمال في الحقيقة لم ينسينا هدفنا الأكبر وهو الوصول الى “سد القاهر” على سفح جبل النبي شعيب، لذلك جلسنا قليلاً في القرية واكلنا الجزر ]الذي حصل عليه الأطفال وكذلك الأستاذ عبدالله الشرعبي من أبناء القرية[ كما قمنا بتعبئة عبوات الماء من العين حيث كان ماء بارد يروي العطش.
واصلنا طريقنا وكان بمعينة طفلان من القرية هم من كانوا يرشدوا الفريق للطريق، مشينا طريق الغنم المتعرجة وتحدينا المنحدرات باردتنا الصلبة وعزيمتنا القوية، بدأت الشمس بالظهور مجددًا وسط السماء، ولكننا رغم ذلك مشينا ووصلنا الى أعلى قمة جبل في القرية، و بينما ونحن في الطريق كان هناك أحد الأعضاء يقوم بجمع العديد من أوراق (الزعتر) لوالدته كان يقطفها من كل مكان في الطريق ويخبرني عن فوائدها وكيف يستخدموها مع المشروبات الساخنة ولالتهابات الصدر، في اثناء مشينا استمتعنا بحالات التقص المتغيرة وكأننا عشنا أربعة فصول في يومٍ واحد كان يوم مشمس ثم ممطر ثما رياح ورغم كل تلك التحولات في الجو واصلنا مشينا ولكن المشي كان بدون سبعة أعضاء وهم الذين سبق وان ذكرت لكم اعلى اننا تركناهم عند منطقة “المعازيب” هل تعرفون ماذا حدث لهؤلاء الأعضاء؟ لقد تاهوا في الطريق ولم يعرفوا من أي جهة يصلون الينا فقضوا يومهم تائهون بين حقول القرية بينهم الأستاذ عبدالكريم الرازحي الذي انتهز الفرصة ليستمتع بالمناظر ويلتقط صور للقرية التي وصلوا لها.

واخيرًا سد القاهر -جبل النبي شعيب

سد القاهر( النداء)
سد القاهر(النداء)

كنت سماء المنطقة ملبدة بالغيوم وانا بعيد أرى جزء بسيط من السد، لقد كان منظر ياسر القلب ويحبس الأنفاس.. سد يعانق السماء، وبينما وانا اراه ورغم تعبي من المشي تحمست كثيراً للوصول اليه وقلت في نفسي لقد مشيتي كثيراً والان ستستريح روحك امام هذا المنظر، كنت امشي وامشي ولكني بنفس اللحظة لم أحرم نفسي من لحظات الاستمتاع بالمنظر والتقط الصور للسماء والضباب ولسد من بعيد، وصل بعض الأعضاء للسد، كان ذلك عند الساعة الثانية بعد الظهر.
عند وصولي بعد الأعضاء بدقائق للسد تفاجئت بالمنظر بالضباب المتحرك على مسافة منه، وصلت الى طرف السد واخذت نفس عميق شهيق وزفير وكأني بكل زفير اخرج كل ما في داخلي من ضيق وهم والم، هناك قضيت ما يقرب الربع ساعة في التقاط الصور له ولي بقربه تركت الفريق في الناحية المقابلة على بعد مسافة طويلة يمارس بعضهم هواية السباحة على الرغم من برودة الماء وقوة الرياح في تلك المنطقة بحكم ارتفاعها.
بعدها انظميت للفريق على احد أطرف السد، كانت المنطقة شديدة البرودة والضباب غطى على كل شيء، في تلك اللحظات كنت أقول من يصدق ان جو صنعاء الان حار ونحن هنا نعاني من برودة الجو في تلك الاثناء ارتديت فنيلتي التي حمتني ولو قليل من برودة الجو، وهناك تناول أعضاء الفريق الطعام، وانا تناولت قطعة كرواسا مع الشكولاتة واكتفيت بها ولم اعد اريد شيئا غير الاستمتاع بذلك المنظر الذي غذى روحي.
عقب الانتهاء من الطعام ذهب نصف أعضاء الفريق لعمل “القهوة بالزعتر” وبينما وهم منتظرون ان تصبح القهوة جاهزة بدأت الامطار مرة أخرى بالتساقط ونحن في السد مما اضطرنا الى الهبوط صوب جبل الزعتر الخط الأقرب الى قرية عكيش، وعندما اشتدت الامطار دخلنا حيد الغنم للاحتماء منه وهناك تذوقنا القهوة بالزعتر.. بالنسبة لي هذه هي المرة الأولى التي اشرب فيها هذا النوع من المشروبات الساخنة مع ان فكرة خلط الزعتر مع قهوة لم أكن استسيغها ورغم ذلك كسرت القاعدة وشربت القوة بالزعتر وكانت لذيذة جداً اضفى اليها روعة على روعتها.

حيد الغنم بإتجاه قرية عكيش( منصات التواصل)
حيد الغنم بإتجاه قرية عكيش( منصات التواصل)

عقب توقف الأمطار تحرك الفريق ونزلنا نحو القرية الطريق لم يكن متعب رغم انه كان مقلق بالنسبة لي؛ لأني كنت انزلق من وقت لآخر بسبب الصخور التي تساقطت عليها الامطار.. أكملنا طريقنا والمعنويات لاتزال مرتفعة وجمال الجو كان سببًا في ذلك الى ان وصلنا الى أطراف قرية “محيب” ومررنا بقرية بيت عوض والخرابة وصولاً الى وادي “الجبجب” ومنه الى قرية “الجرانع” وبعدها اخذنا خط العودة.
أعضاء الفريق الذي كنت معهم لم يتخذ جميعهم خط العودة بل انتظروا الفريق الذي سبق وان تاهوا علينا وبعد واتصالات بهم تم معرفة المكان الذي كانوا فيه وهنا حرك الأستاذ عبدالرحمن سيارته وصعد الطريق الوعرة ليصل الى أعضاء الفريق السبعة وهناك التقى بهم واخذهم بسيارته الى الطريق العام الذي كنا ننتظر فيه لهم مع عضوين اخرين وهما الأستاذ عبدالله الشرعبي والقاضي زيد الحمزي وأصغر ثلاثة مشاة او كما يتم تسميتهم بكتيبة الشراجبة.
انتهت الرحلة بعد مشي على الاقدام بـ (21كيلو متر) وعدنا الى منازلنا برئتين نالتا كمية كبيرة من الهواء النقي، وبأعين تغذت بصريًا بجمال الطبيعة وعقل لا يحمل سوى ذكرى ذلك المكان الجذاب.