صحيفة الأمل - صانعة التحول! 1-2

"الأمل" الصحيفة صنيعة أحداث، وصانعة تحول. صدرت "الأمل" في صنعاء بتاريخ 17 سبتمبر 1980، أي بعد حرب 1979، ولقاء الرئيسين: عبدالفتاح إسماعيل، وعلي عبدالله صالح، في الكويت، في مارس 1979، فقد تم الاتفاق على تحقيق الوحدة في فترة محددة، وعلى إيقاف إذاعة الجبهة الوطنية الديمقراطية، وإصدار صحيفة في صنعاء.

قصة صدور "الأمل" يرويها الأستاذ سعيد الجناحي، رئيس التحرير، ومع الإشارة إلى الأوضاع العامة حينها، فالصراع بين الشمال والجنوب على أشده، وحرب 1979 التي انكسر فيها جيش الشمال ليست النهاية، ثم هناك صراع بين الشمال والشمال، وبين الجنوب والجنوب، والصراع الشطري يعكس صراعًا داخل كل شطر، ويتقوى بالصراع الشطري، وهو صراع على السلطة أكثر من أي شيء آخر.

دفع الشهيد عبدالفتاح إسماعيل ثمن وقف الحرب، وسحب القوات من مناطق الشمال، والاتفاق على خطوات تسرع بتحقيق الوحدة، وكان الطرف الدافع لاستمرار الحرب مع الشمال يريد القفز على السلطة في عدن قبل الوصول إلى صنعاء.

يروي سعيد الجناحي قصة إصدار "الأمل": "في يوم من أيام الأسبوع الأول من بداية شهر أغسطس 1980، اتصل بي مدير مراسم الرئاسة، وأخبرني بموعد حدده الرئيس علي ناصر محمد".. تلكم بداية القصة، حيث كلفه بإصدار "الأمل" في صنعاء بالاشتراك مع الدكتور عبدالرحمن عبدالله. صاغ التصور لمهام الصحيفة، وأخذ رأي عمر الجاوي.

يقول الجناحي: "لو صدر التكليف من قيادة الجبهة فلن أقبل". كانت قيادة الجبهة مع الحرب، بينما سعيد ضد الحرب.

حدد شعار الصحيفة: السيادة للوطن، الديمقراطية للشعب، الوحدة لليمن. وحدد الطاقم: حسن شكري، علي محمد عبده الصراري، هاشم عبدالعزيز، سعيد محمد بجاش، وانضم آخرون لاحقًا، منهم: نصر صالح، ومحمد عبدالرحمن الجميل، ومحمد قايد، والسكرتيرة فريدة، والأستاذ عبدالغفور البراق.

يشرح بإسهاب صعوبة الحصول على الترخيص، والعراقيل، وإعاقة إصدار العدد، ومشاكل الرقابة السابقة واللاحقة، والطابع الأمني للإجراءات، والرقابة المشددة على تحرك طاقم الصحيفة.

يشكو غباء الرقيب الذي يشطب جملاً، أو يعدل كما يريد. طاقم الصحيفة من رئيس التحرير، وحتى السائق، والسكن، تحت الرقابة اللحظية. الاتصالات غير متوفرة، والتحركات حتى للمطعم أو البقالة مرصودة.

كيف يستطيع الصحفيون أن يحصلوا على المعلومة أولاً، والتي هي الأساس لصحيفة خبرية، والخبر هو الأساس للتحليل، والتعليق، والرأي، وكتابة العمود، وهناك محاذير شديدة، وتهديد للحياة؟

كان العم سعيد صحفيًّا ذكيًّا ومختبرًا، وفاديًا أيضًا، فقبل صدور العدد الأول اغتالت السلطة المناضل عبدالسلام الدميني، أحد أبرز قيادات الحزب الاشتراكي، والجبهة الوطنية الديمقراطية، والقائد العسكري الشجاع المدافع عن الثورة والجمهورية، وبطل من أبطال كسر الحصار عن صنعاء (حصار السبعين يومًا).

كان اغتيال الدميني قبل صدور العدد الأول يعني -في ما يعني- تعطيل صدور الصحيفة، وإرغام هيئة التحرير على العودة إلى عدن، إن لم يكن الفرار.

سلطة صنعاء، ورأسها صالح، مع الحرب والثأر والانتقام لهزيمة 1979، والسعودية والأمريكان يدعمون نهج الحرب، وتعطيل أي حوار أو تقارب بين الشمال والجنوب، وفي الجنوب جناح في السلطة يحرك الجبهة الوطنية لاستمرار المواجهة في المناطق الوسطى؛ للوثوب على السلطة.

هناك كان العم سعيد -يرحمه الله- غاية في الذكاء، والإدراك، والشجاعة. رفض النزول إلى عدن، وطرق الأبواب بواسطة الأستاذ يحيى العرشي، وزير الإعلام المشهود له بالوطنية والاستقامة، كما طرح الأمر على الأستاذ علي الشاطر، مدير التوجيه المعنوي، لإجراء مقابلة مع الرئيس علي عبدالله صالح.

المقابلة مع صالح تفتح الأبواب أمام إصدار العدد الأول، والأهم الاعتراف بالصحيفة الناطقة باسم الجبهة الوطنية الديمقراطية، وتسمح بوصول صوت الجبهة إلى مختلف مناطق اليمن، وإلى القرّاء في كل مكان، وتبهت صوت الصراع الدامي.

قبل صدور العدد الأول، مطلع الثمانينيات، كان الصوت الوحيد في صنعاء هو صوت الحرب، والاعتقالات الكيفية، وقمع الحريات العامة والديمقراطية، ومصادرة الرأي، وعدم احترام حقوق الإنسان.

التعليم والمدارس تحولت إلى معاهد دينية، ثم صارت لاحقًا مليشيات للجبهة الإسلامية، وللتجنيد لأفغانستان، ونشر الوهابية، كما أن خطاب الإعلام تخويني، وخطاب المسجد تكفيري، وتعليم المدرسة والمناهج وهابية سلفية، ونشاط شباب الإخوان هو المسيطر في هذه البيئة المعبأة بالكراهية والعنف.

صدرت صحيفة "الأمل" تتصدر صفحتها الأولى: السيادة للوطن، الديمقراطية للشعب، الوحدة لليمن. كان الإصدار تحديًا للسلطة الواقعة تحت وطأة الهزيمة، واتفاق الكويت، ومواجهة الإسلام السياسي، وشيوخ الضمان: حلفاء السعودية الأكثر وثوقًا، وسادات الحكم في صنعاء.

غلّب سعيد المهنة على الانتماء الحزبي في اختيار الكادر الصحفي، وفي التوجه العام للصحيفة، وفي النشر، وطبيعة الخطاب.

يصف سعيد: صعوبة إصدار الصحيفة من غرف فندق يغص برجال الأمن الوطني، ومحاط بسيارات وموتورات المخبرين، ولا يوجد أرشيف، ولا مصادر خبرية، ولا إعداد خطة إصدار. ملزمين بالإصدار خلال ثلاثة أسابيع، وعندما يتحرك الصحفي إلى الدكان القريب من الفندق لشراء باكت سيجارة، يتبعه المخبر إلى داخل الدكان، ومثل هذا الوضع الشائن قد لا يصدقه من لا يعرف جلافة ضباط الأمن السياسي، وصلف وغباء المخبرين.

والمفارقة الراعبة أن سعيد نفسه، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، لا يتبنى وجهة نظر الجناح الداعم للكفاح المسلح في قيادة الحزب، ولا هو أيضًا متفق مع قيادة الجبهة الوطنية التي تخوض الكفاح المسلح، ويدفع ورفاقه ثمن صراع ليسوا طرفًا فيه، ولا يقرونه، ويتصدون لإصدار صحيفة محسوبة على الجبهة الوطنية، بل ناطقة باسمها.

في المجلد الضخم أفكار بلون الوطن. موضوعات صحفية وتاريخية نشرتها صحيفة "الأمل". يتناول الجناحي قصة إصدار الصحيفة، وتدوين بعض المواضيع التي نشرتها "الأمل".

يقع المجلد الضخم في 832 صفحة قطع كبير. ما يهمنا هنا نشر قصة الإصدار فقط، والصعوبات التي أحاطت وترتبت على الصدور.

يشير: "إن ما يشغل الأمن الوطني في الشمال أوجه الصراع الكالح بين الشمال والجنوب؛ لذا كانت سجون الأمن الوطني تعج بالمعتقلين السياسيين، وفي الجنوب كان أهم ما يشغل الأمن السياسي هو مطاردة العناصر التي يُشتبه في أن لها علاقة بالسلطة بالشمال، وبخاصة من لهم علاقة بالأمن الوطني" (ص27).

كان الكفاح الوطني الحقيقي هو إصدار صحيفة معارضة في صنعاء، وهو ما يقلق قادة المواجهات العسكرية والاحتراب شمالاً وجنوبًا.

يستطيع الرقيب البليد أن يلغي العدد كاملاً، فيضطر الصحفيون الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، أن يجهزوا عددًا بديلاً في زمن قياسي.

عانت الصحيفة من البحث عن مطبعة بعد تعذر الطبع في الشؤون العامة والتوجيه المعنوي، وتحذير الأمن للمطابع، ولأصحاب المنازل والشقق؛ حتى لا يؤجّروا، أو يطبعوا صحيفة للمخربين. وكان اسم المخربين هم الاسم الأثير للسلطة في صنعاء، ورجال الأمن، والموالين. فالعداوات مع السلطة في صنعاء ليس مجرد خلاف سياسي، أو تباين في الرأي، وإنما هو امتداد مواجهات عسكرية بين مهزوم ومنتصر.

صدر العدد الأول بتصدر الصفحة الأولى منه المقابلة مع الرئيس علي عبدالله صالح، التي فتحت النافذة للصحيفة، وخففت قليلاً من حدة الحصار والمضايقات، وكان الإنجاز الأهم الوصول إلى القارئ، وإن كان في أضيق الحدود.

أعداد الصحيفة الأولى العقلانية والمتزنة، والهامش الديمقراطي، فتح أبواب العمل السياسي على مصراعيه، وخلق اصطفافات سياسية واسعة.

طيف واسع من القوى الشعبية الرافضة للحرب، وقواعد الأحزاب اليسارية والقومية، وطلاب المدارس والجامعة، والتجار، والمهنيين، والمزارعين، والباعة، والمرأة، والشباب، والمجتمعين: المدني، والأهلي.. كلهم رأوا في "الأمل" الأمل الكبير، والمخرج من صراع الجنوب والشمال.

بذكاء صحفي، وخبرة مدهشة، فتحت "الأمل" صدر صفحاتها أمام قضايا الفساد والاستبداد، وأمام الأقلام الشابة والشابات، ومن التيار الديمقراطي، وكانت منبرًا -بحق- للمبدعين، وللأفكار التقدمية، ليس في اليمن فحسب، وإنما أمام القوى الديمقراطية العربية والعالمية. نشرت المقالات، والأبحاث، والشعر، والسرد، والنقد الأدبي، والتحقيقات، واللوحة الفنية، والكاريكاتور، وكان حضور كاريكاتور ناجي العلي قويًّا، وحظي باهتمام، وخلال أشهر أصبحت الصحيفة الأولى والأهم تخفف التوتر بين الشطرين، وتنسج صلات مع الأدباء والكتّاب والمفكرين العرب، وتعمل على إجراء مقابلات معهم، ونشر إنتاجهم.

اتهم الأمن الوطني رئيس التحرير بأنه يعمل لصالح جهاز أمن الدولة، بينما اتهمه الرئيس صالح بأنه يعمل لصالح المخابرات السوفيتية، واتُّهِمَ صحفيو "الأمل" بالعمل لصالح أمن الدولة في الجنوب، وبمقدار نجاح "الأمل"، بمقدار تعرضها للمتاعب، والتضييق، والمضايقات، ثم إن المتاعب لا تأتي من قِبل أجهزة السلطة في صنعاء فحسب، وإنما تمتد -حسب رئيس التحرير- إلى قيادة الجبهة الوطنية، واختصام مبالغ من الموازنة.

يرصد رئيس التحرير 28 تهمة ضده، واحدة منها تؤدي للإعدام، وكانت قضية المعاهد العلمية التي أسسها الإخوان المسلمون بدعم سعودي، ونافست في زمن قياسي المدارس الحكومية، وامتدت إلى مختلف مدن وقرى الشمال، هي قضية "الأمل"، فقد طالبت بضرورة توحيد المناهج، وإشراف وتبعية المعاهد لوزارة التربية والتعليم.

ثارت ثائرة رئاسة المعاهد، والتيار الإسلامي الإخواني، واتُّهمت "الأمل" ممثلة برئيسها بـ28 تهمة، أهمها: انتهاك الدستور، وإهانة التعليم، وتكدير السلم العام، وتهديد الوحدة الوطنية، وازدراء طائفة من طوائف المجتمع، وإهانة الدولة، وانتهاك عقيدة الأمة، والدعوة إلى حمل السلاح.

تولى الدفاع عن الصحيفة المحامي القدير أحمد الوادعي، شفاه الله، ويبدو أن تيارًا واسعًا في السلطة وخارجها بدأ يستشعر مخاطر المعاهد المرتبطة بالدعوة الوهابية، وتغول النفوذ السعودي، فاستفاد من الحملة الصحفية الناجحة للأمل ضد المعاهد.

صدر الحكم بالبراءة، ولكن الدعاوى لم تقف عند هذا الحد، فقد رُفعت أكثر من قضية ضد الصحيفة، مع استمرار التحريض والمضايقات.

يشير رئيس التحرير: كان من المفروض أن نصدر، منذ 17 سبتمبر 1980، وحتى 17 سبتمبر 1985، 240 عددًا، بينما لم يصدر إلا 97 عددًا بسبب المنع المتكرر من الرقابة، أو التضييق في الجوانب المالية، وتراكم الديون، إضافةً إلى تحذير الأمن للمطابع، وعرقلتهم للتوزيع، وتهديد الموزعين.

وضع الرئيس وهيئة التحرير خطة طموحة لتطوير الصحيفة، وتحويلها إلى مؤسسة، ولكن أحداث يناير 1986 الكارثية قضت على "الأمل"، بالمعنى الخاص والعام.