الوحدة وأفق المستقبل

في الحديث أو الكتابة أو البحث عن الوحدة اليمنية، كثيرًا ما تمتزج العاطفة بالمعطيات الواقعية، وقد يطغى المتخيل على الواقعي، أو العاطفي على العقلاني.

اليمنيون شديدو الالتفات والاعتزاز بالماضي، وربما بالغوا في تصوير تاريخ بلدهم حد الأساطير، ولشعرائهم بكائيات على الحضارة اليمنية القديمة والماضي، تدمي القلوب، وتوخز الضمائر، وتوقظ الأجداث.

في العام 1924، زار السياسي التونسي عبدالعزيز الثعالبي، اليمن. وصل أولًا إلى عدن، ولقي استقبالًا حافلًا من رجالات النهضة اليمنية المتعطشين للوحدة العربية، والتمدن والتحضر، ثم توجه إلى صنعاء، والتقى الإمام يحيى ورجال الإمامة، وطرح مشروع وحدة اليمن بأفق عروبي وديمقراطي. كان محبًّا لليمن، ومتعاطفًا معها. أدرك طموح عبدالعزيز آل سعود لحكم الجزيرة كلها، بما في ذلك اليمن، وتلجيم بريطانيا لذلكم الطموح.

برز الخلاف منذ البداية من حول شروط حصر الإمامة في البطنين، حسب شروط متن الأزهار في المذهب الزيدي، وكان سلاطين الجنوب يتخوفون من توقيع أي اتفاق يضر بمصالحهم، إضافة إلى شكوكهم من توقيع أي اتفاق مع بريطانيا يضر بسلطاتهم، لكن الثعالبي، وبوعيه السياسي وخبرته النضالية، رأى أنه يجب أن يبني نظام الإمامة وحقوقها، بشرط إخلاء جانبها من المسؤولية عن أعمال الحكومة، وإناطتها بمجلس الوزراء الذي يقوم مقام الإمامة، وفي تسيير دفة السياسة اليمنية في الداخل والخارج، ويتولى السهر على مصلحة الأمن العام، وتقوية الجيش، وصيانة البلاد في الداخل والخارج، ويواصل الثعالبي المسعى لصياغة أول برنامج للوحدة اليمنية بتحديد وظائفها، ومهام واختصاص مجلس الوزراء، بما يحقق الملكية الدستورية قبل العديد من البلدان العربية والإسلامية، وبلدان العالم الثالث حينها. (“الرحلة اليمانية”، عبدالعزيز الثعالبي، ص191).

لم يكن الإمام يحيى الذي يمتلك مفاتيح الدنيا والآخرة: السلطتين الزمنية، والروحية، ليقبل بذلك، إضافة إلى ارتهان السلاطين للإنجليز، وعدم قدرتهم على التمرد، ثم فقدان الثقة بينهم، وبين نظام الإمامة في صنعاء.

يعول معظم الباحثين والمهتمين بالشأن اليمني، وبالوحدة اليمنية تحديدًا، على المطالب السياسية وشعارات الأحزاب، مغفلين الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الشطرين، فعدن عمليًّا كانت العاصمة الاقتصادية والثقافية لليمن كلها، ولبعض بلدان الجزيرة العربية، فالنقابات العمالية تكونت من أبناء اليمن كلها، والكتيبة الأولى 1938 في القاهرة كذلك، وحتى حزب الأحرار 1944، ورابطة أبناء الجنوب 1950، وهما الحزبان التقليديان في الحركة الوطنية، كان التنسيق بينهما قويًّا، وموقفها شبه موحد، خصوصًا في مواقفهما الخارجية، وجلهم آتون من الكتيبة الأولى.

وكانت الصحافة العدنية منذ نشأة “فتاة الجزيرة” 1940، المتنفس لكل اليمنيين شمالًا وجنوبًا. نشأت النقابات العمالية، والأحزاب الحديثة، والفئات والشرائح من مختلف مناطق اليمن، وفشلت كل محاولات الإنجليز فصل الشمال عن الجنوب شعبيًّا، وظل الترابط الممتد والضارب في أعماق التركيبة الاجتماعية والتاريخ قائمًا.

عقد الطلاب اليمنيون مؤتمرهم؛ مؤتمر الطلاب اليمنيين الدائم بمصر، في 23 يوليو 1956، من جميع أجزاء اليمن، ولأول مرة يجري الربط الجدلي والعميق بين النضال ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب، والنظام الرجعي في صنعاء، مؤكدين ومتمسكين بأن اليمن كلٌّ واحد لا يتجزأ، وقضيتهما قضية واحدة ذات كفاح واحد في سجل التحرر الوطني، والوحدة الوطنية الشاملة (د. أحمد القصير، “التحديث في اليمن والتداخل بين الدولة والقبيلة”، بتصرف واختصار).

كان المسار الفعلي نشأة الحركة النقابية العمالية، والصحافة العدنية، ونشأة الأحزاب التقليدية: رابطة أبناء الجنوب، وحزب الأحرار اليمنيين في عدن الآتي من الشمال، وحركة 1948 في صنعاء، والتحولات الاقتصادية الاجتماعية، وتوسيع النشاط التجاري، خصوصًا في عدن، وفي ما بعد تعز، والحديدة، وصنعاء، واتساع الوعي السياسي، وبداية انتشار التعليم في عدن وحضرموت وبعض مدن الشمال: تعز، الحديدة، وصنعاء.

ينظر إلى تمرد 1955 في تعز، كبداية وتغيير في مسار الحركة الوطنية، فالانقلاب في تعز، الذي قاده سيف الإسلام عبدالله، أحد إخوة الإمام أحمد حميد الدين، كان انقلابًا داخل الأسرة الحميدية، نسبة إلى حميد الدين الممتدة إلى أسرة الإمام القاسم بن محمد، مؤسس الدولة القاسمية (990-1054هـ/ 1582-1644م)، فقد كان التمرد ذاته، والقضاء عليه، دليل انكسار الإمامة في المتوكلية اليمنية، وسقوط نهج “ضرب إمام بإمام”، والأهم أن الخمسينيات في اليمن كانت البداية الفعلية لازدهار سياسي ونشاط تجاري واسع، وبداية خروج المتوكلية اليمنية من العزلة، والانفتاح على رياح التغيير والعصر، وإن كان في حدود ضيقة، وإقامة صلات وعلاقات مع مصر، والمعسكر الاشتراكي حينها، أما في الجنوب، فإن اشتراك رابطة أبناء الجنوب التي تضم الاتجاهات السياسية الحديثة: البعث، حركة القوميين العرب، والاتجاه الماركسي، في انتخابات المجلس التشريعي 1955، الذي أسسته الإدارة البريطانية، وعزل أبناء الشمال عن الانتخابات، لاشتراط المخلقة، قد أدى إلى خروج الاتجاهات القومية والماركسية، وتأسيس الجبهة الوطنية المتحدة في عدن 1955، التي ضمت كل الاتجاهات الحديثة، والحركة النقابية العمالية، وقيادات وطنية بارزة من الشمال والجنوب.

في الشمال أحدث انقلاب 1955 في تعز انشقاقًا في صفوف الأحرار، وفي الجنوب أيضًا بدأ التأسيس للاتجاهات القومية: حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب، والاتجاه الماركسي.

يشير المفكر التقدمي عبدالله عبدالرزاق باذيب، في قراءته لأوضاع ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أهمية دور المغتربين اليمنيين، والأموال التي جناها المهاجر اليمني، خصوصًا المهاجر الحضرمي في شرق آسيا، وكذلك الآتون من شرق إفريقيا، وازدهار النشاط التجاري، وتوسيع الطبقة الوسطى المعادية للإقطاع، والوجود الاستعماري في الجنوب. باختصار عجزت بريطانيا في الخمسينيات عن تأسيس اتحاد الجنوب العربي، وعجزت الإمامة في سياسة الانفتاح المسدود الأفق، والتحديث المحدود جدًّا، والمحصور في ما يخدم ويعزز بقاء الإمامة، ونهجها الرجعي شديد التخلف والعزلة.

ويقينًا، فإن انتصار ثورة 23 يوليو في مصر، بقيادة الزعيم العربي جمال عبدالناصر، وانتصارات حركات التحرر الوطني في القارات الثلاث: آسيا، وإفريقيا، وأمريكا، قد أثر عميقًا على التحولات في اليمن، فكلها طرحت الوحدة بقوة في الجبهة الوطنية المتحدة، وبرز شعار الجمهورية في صفوف شباب الاتحاد اليمني، ليشكل خطوة أعمق في صف دعاة الوحدة.

ثورة 26 سبتمبر في الشمال، ورفدها بالمقاتلين من الجنوب من عدن وردفان والضالع، وبالكوادر السياسية والثقافية والإدارية من عدن، قوّى الاتجاهات التوحيدية، كما أن ثورة 26 سبتمبر أسهمت بدور كبير في تشجيع ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963، ومثّلت الخلفية والسند من ثورة يوليو القومية.

استقلال الجنوب 1967، وكسر الحصار الإمامي المضروب على صنعاء 1968، فتحا آفاقًا جديدة في مسار الحركة الوطنية، والصراع الذي شهدته اليمن في حربي 1972، و1979، والصراعات الدامية هنا وهناك، كان عنوانه الأبرز تحقيق الوحدة اليمنية؛ الشعار الرئيس للحزب الاشتراكي اليمني.

فشل خيار ونهج الوحدة بالقوة، وقد فتحت مجلة “الحكمة” صدر صفحاتها في 1974، لمناظرات الأحزاب السياسية والشخصيات العامة عن رأيها في الوحدة اليمنية. تركزت آراء الأحزاب حينها التنظيم السياسي للجبهة القومية: الحزب الديمقراطي الثوري، الطليعة الشعبية، اتحاد الشعب الديمقراطي، وحزب العمل اليمني، وكلها أحزاب يسارية وقومية، وشارك في الحوار شخصيات عامة كالدكتور عبدالرحمن عبدالله، والعميد محمد علي الأكوع، والمؤرخ محمد يحيى الحداد مؤلف كتاب “التاريخ العام لليمن”، والباحث سلطان عبده ناجي. دار الحوار من حول طبيعة الوحدة اليمنية، وحق الجنوب في تقرير المصير، والفورية في تحقيق الوحدة، وطرائق تحقيقها، أي خيار القوة، أو التطور السلمي الديمقراطي.

كان الاتجاه العام يميل إلى تحقيق فوري للوحدة، وبغلبة الذهنية التاريخانية، والأيديولوجية المشبوبة بالعاطفة للوحدة، أقصي خيار تقرير المصير للجنوب الذي دعا إليه الأديب والقاص علي عبدالرزاق باذيب، والقيادي في اتحاد الشعب الديمقراطي، وخفت صوت الوحدة بالقوة المدغوم في رؤية التنظيم السياسي للجبهة القومية، وبرز شعار الوحدة السلمية الديمقراطية الذي تبنته قواعد الأحزاب السياسية اليسارية في الشمال، ومعها الدكتور عبدالرحمن عبدالله، وعمر الجاوي. آراء الأحزاب حينها بحاجة إلى قراءة أعمق وأوسع.

أحداث يناير 1986 في الجنوب، وعجز السياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية السياسية في الشمال، وأزمة النظامين الشاملة في الشطرين، طرحت خيار الوحدة الفورية والاندماجية، ولم تكن الوحدة أيضًا بعيدة عن تأثير اجتياح العراق للكويت، وانهيار الاتحاد السوفيتي.

في الـ22 من مايو 1990 تحققت الوحدة الاندماجية والفورية التي تراجع عنها أهم دعاتها عمر عبدالله الجاوي، ودعا بديلًا عنها إلى تعددية سياسية وحزبية وحرية وديمقراطية وحوار، وأسس قبل الوحدة التجمع الوحدوي الديمقراطي.

كانت الوحدة تعبيرًا عن إرادة شعبوية عارمة، ومحاولات الحكام في الشمال والجنوب الهروب من مأزق الأزمة الشاملة الشاهدة على فشل استمرار الشرعية الثورية، والعجز أيضًا عن الانتقال لشرعية ديمقراطية وحكم ديمقراطي مدني.

حرب 1994 كانت إفشالًا للنهج الديمقراطي، والتحول للشرعية الديمقراطية، والإصرار على التحول إلى جملكية، والإيغال أكثر فأكثر في نهج الحروب وتجارتها، فكانت حروب صعدة الست، وعشرات حروب غير مدونة وغير مدروسة، وتشجيع الإرهاب والاتجاهات الإرهابية: القاعدة ومفرداتها الرعيبة؛ مما أدى إلى فشل السلطة، والتباعد يومًا عن يوم عن قدرة الاتجاهات التقليدية المستبدة اليوم في الشمال والجنوب على بناء كيان دولة السلطة التي تشظت كلها إلى مكوناتها الأولى: القبلية، والجهوية، والطائفية، ولا يمكن لهذه القوى التي حكمت طوال 33 عامًا، وأثبتت فشلها بصورة فاجعة، القدرة من جديد للعودة إلى الحكم، أو حتى الإسهام الجدي فيه.

لا بد من خيار مغاير ومختلف بعيدًا عن كل القوى الوارطة في الحروب الإجرامية والسلفية الدينية: سنية، أو شيعية، فتجار الحروب، ودعاة العنف والإرهاب، والتكفيريون، والمخونون، ليسوا بُناة دولة، فلا مخرج غير إيقاف الحرب، وانتصار صوت السلام، والعودة لكل المخرجات المتوافق عليها، والقرارات الأممية. لقد فشل نهج الانقلابات العسكرية، والحكم بالغلبة والقوة حتى لو كانت شرعية ثورية، وانفتحت أبواب الحوار والخيار السلمي الديمقراطي.

ثورة الربيع في اليمن كانت الرافعة الأساس للتحولات الجديدة الواعدة، لكن الانقلابات الدموية بعد انقسام سلطة وجيش وأمن وحزب صالح 2011، ثم الانقلاب الثاني الذي قاده صالح وأنصار الله في 21 سبتمبر، كانت آخر مسمار في نعش السلطة التي تحولت إلى سلطة أمر واقع، ومليشيات مسلحة متفلتة وضعت البلد كله في سياق التفكك الكياني، ومزقت النسيج الاجتماعي في وطن عرف التوحد قبل آلاف السنين.