اليمن 2023: أما آن الأوان لنقول شكرًا سلمان!‏

مكب نفايات الجيران..

رقصة المربوع وادي دهوان، رازح 1998
رقصة المربوع وادي دهوان، رازح 1998 بعدسة أروى عثمان

نعلم وندرك أن اليمن تُعرف بسرمديات الفناء وأخفها: الظلام، الحرب، المجاعات، ‏الجهل، المليشيات، القات والمخدرات، السلاح، الانقلابات، القبيلة وثاراتها، والمليون: ‏عقيد، جنرال وشيخ وفقيه وداعية، ومليشياوي، وشهيد، وحافظ للقرآن. وتعرف بالرؤساء ‏المؤبدين وأحزاب الجراد، والنساء المصفدات بالسواد القاتل “الشرشف”، وزواج الطفلات. ‏تُمهر بالدين والتدين والمذاهب الديناميت، معامل تجريب للخراب، وقائمته الأولى، ألا ‏يكون هناك إنسان يمني: مواطن، وألا تكون اليمن دولة بقانون يسوسها، وكرامة إنسانية ‏تليق بالإنسانية الجديدة 2023.‏

ويشهد الله والعالم أجمع أن الوهابيين هم أكثر من عاث في اليمن خرابًا وفسادًا ‏ودمارًا بفكرهم المتطرف والإرهابي، وما نتج عنهم من القاعدة وداعش، وكانت الشقيقة ‏والجارة: السعودية، هي المصدر الأكبر لهذه المنتجات، و”ارحبي يا جنازة فوق الأموات”!‏

وفيما عملت المملكة على التخلص من الفكر الوهابي ومنتجاته، فقد حرصت على ‏تسليمه لأيدٍ أمينة ومخلصة في اليمن لتنفيذه بحذافيره، نطقًا وكتابة ومرجعية، لمجابهة ‏الأعداء، خصوصًا، التنويريين والشيوعيين.‏

تلك التركة الوهابية -صندوق بندورا- مازالت حية ومتأججة في يمن الجحيم حتى ‏اليوم، برغم موتها السريري في السعودية، والسبب أولئك الأمناء والحماة الذين عملوا على ‏توريثها للأجيال والأحفاد، إنهم مخلصون، جامحون، مجاهدون، مقاتلون، بالنقد وبالمجان. ‏وللأمانة الشقيقة/ الجارة، لم تجد مثل أهل اليمن أحرص على تنمية وتسمين الفكر ‏الوهابي ونشره قرآنًا ناطقًا، يفتك بكل من ينتقده، حتى بعد خفوت الوهابية في موطنها ‏الأصلي، عقب صعود محمد بن سلمان إلى الحكم في 2015، ودخول المملكة عتبة ‏الحياة العصرية، وتنفيذ خطط التمدن والانفتاح على ثقافات العالم، لتكون سنة 2030، ‏خلق الإنسان السعودي المواطن، الآمن، المتحضر، المتعلم، المثقف، والفنان، ‏والفيلسوف… الخ.‏

تحاول السعودية الجديدة/ ابن سلمان، أن تجفف منابع الوهابية فكرًا وحياة، وتحاول ‏جاهدة عبر شبابها أن تكون سعودية جديدة، ونحن سعداء لأجلكم، فقد آن الأوان للتغيير ‏وكبح جماح الوهابية الشرسة التي اغتالت الحياة لأكثر من قرنين.‏

لكن، ماذا عن اليمن -الخرافة (السعيد، والأصل) الذي مازال مغموسًا بتعاويذ ‏الفناء: “يمن الإيمان والحكمة اليمانية”، و”مقبرة الغزاة”، و”الفتوحات الإلهية” والمليون ‏شهيد، و30 مليون جائع، في سبيل ألا تنطفئ جمرة الوهابية.‏

نحن سعداء بالسعودية الجديدة، والسلمانية الحديثة، نبارك مسيرة بناء الحياة ‏العصرية بالجامعات والأكاديميات الحديثة، المسارح، دور السينما والفنون، والمتاحف، ‏والمقاهي المدنية المختلطة… الخ. بل وغلق هيئة الإرهاب الفاشية: “الأمر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر”، وتأسيس الهيئة العامة للترفيه، كمؤسسة دولة تابعة لوزارة الثقافة.‏

لقد تابعنا بانبهار، مهرجانات الفنون والموسيقى والأوبرا على أرض الحرمين ومكة ‏المشرفة، ودعوة أساطين الفن من كل أنحاء العالم، كالموسيقار العالمي ياني، والنجم ‏العالمي سويز بيتس، ومئات الفنانين العرب الذين يحيون التظاهرات الفنية على خشبات ‏المسارح، في جدة والرياض والجديدة، والعلا، وخيبر، وغيرها من المدن السعودية. بجانب ‏ثورة النساء علمًا وثقافة، وبوجه مفتوح للحياة والحرية، بعد كتمه لقرون.‏

ما أثلج صدورنا أكثر هو تغييركم للمناهج التعليمية الخرافية الجهادية والإرهابية ‏التي ولدت وخصبت في بيئتكم، وصدرتموها لليمن أولًا وللعالم ثانيًا، وأنفقتم مئات ‏المليارات لتصديرها كثورة، وكنتم الأسبق من الخمينية في تصدير ثورتهم مع 1979.‏

لقد تابعنا ثورة التعليم: إجراء أكثر من 120 تعديلًا في كتب المناهج، طالت 89 ‏كتابًا، بل وإضافة 34 كتابًا ومنهجًا، تصب في تنمية المهارات والتقدم والتقنية، والتفكير ‏الفلسفي والنقدي، وتقليص مواد التربية الإسلامية التي كانت تصنع ألغامًا وهابية مسافرة ‏تقتل وتدمر أي مخالف في اليمن والدول العربية الإسلامية، والعالم، ثم إضافة مقررات: ‏الفن والفلسفة، والمنطق والسينما… الخ. بل يتم الابتعاث إلى جامعات الغرب لدراسة ‏الفنون والموسيقى والسينما.‏

ورأينا كلية الفلسفة، والمؤتمر الدولي للفلسفة الذي أنهى أعماله في ديسمبر ‏‏2022، وتابعنا مقررات الفلسفة والأديان من الهندية، والبوذية، واليهودية… الخ، ‏ومقررات من أساطير المهابهارتا والراماينا الهندي (التي درسناها في منتصف الثمانينيات ‏في جامعة صنعاء، على يد الفيلسوف أبو بكر السقاف، الذي كاد أن يُقتل أكثر من مرة ‏بواسطة دعاة الفكر الوهابي، ومات غريبًا في روسيا قبل أيام).‏

أما أن يتغير خطاب وفتاوى اللحوم المسمومة الوهابية (ابن عثيمين، وابن باز، ‏و… حتى الآن مصعوقون، أن تتغير من التحريم إلى التحليل، ومن نفس أفواه أساطين ‏الفتاوى، نعم، بعد أن حرمت وجرمت، وأصدرت أحكام القتل بذريعة التكفير والردة وازدراء ‏الأديان والشذوذ، وغيرها من تهم الإبادة.. رأيناهم يتراجعون عن فتاواهم، رأينا من كان ‏يفتي بالموت في سبيل الله باسم: الجهاد، أصبح يدعو إلى الحوار والسلم والشراكة والحوار ‏والانفتاح.‏

كان أولئك الفقهاء السميون هم من ألزم النساء بالنقاب ومنع قيادة السيارة قبل ‏قليل، ثم أصبحوا يجيزون ذلك بالقول “ولا ضير في ذلك”.. لقد أصبحوا تحرريين، ‏ويطالبون بتحكيم العقل، ويحضرون الحفلات الموسيقية والاستعراضات الفنية، ‏ومحاضرات الفلسفة.. يالله اعطني أكثر من عقل لأستوعب المعجزات السلمانية!‏

مرة أخرى، نبارك، وسعداء بثورتكم الناعمة يا ابن سلمان، ومساعيكم لتجفيف ‏ومحاربة الفتاوى السمية الوهابية الإرهابية، التي مازالت حتى اللحظة تقتات من أرواحنا ‏المقتولة، بمليون عشرية سوداء، لكن يا ابن سلمان، ماذا عن اليمن، “مكب النفايات ‏السامة” التابع لكم -الشقيق والجار الحنون- بحسب الناطقين بلسان “الشرعية”: “اليمن ‏أكبر وأجل من أن تكون حديقة خلفية لأي دولة مهما عظم شأنها”، وأن علاقتنا بالشقيقة ‏ندية، وأخوية، والمصالح المشتركة، والاحترام المتبادل”! ماذا عنا؟

مبروووك عليكم دخول 2023، بحلة عصرية سالمة وآمنة، وغانمة، ولا مبروك ‏على مقلب القمامة التابع لكم ولكل من يدفع لنخب هوامير الفساد والخراب، في يمن ‏الإيمان الوهابي، مع إضافة السمية المضاعفة لحكم الملالي الحوثي التابع لـ”قم والنجف ‏الأشرف”.‏

صعدة 2014 بعدسة أروى عثمان
صعدة 2014 بعدسة أروى عثمان

ففي 2023، مازالت الحرب والمجاعة وافتراس الإخوة الأعداء في البيت الواحد، ‏ومازلنا نجمع توقيعات مليونية لـ”لا صوت يعلو فوق” صوت الشريعة ولا مرجعية سواها، ‏وحملة “يمانيون من أجل الشريعة والقيم والشرف والوحدة والعرض”، ومازلنا نصفي بعضنا ‏بعضًا بسيف التعصب الوهابي وسيف الملالي، أي بين عيال عائشة وفاطمة، أمهات ‏المؤمنين!‏

مبروك عليكم، وأنتم تصنعون من مدينة خيبر “واحة العجائب”، وتقيمون على ‏أرضها فعاليات التزلج على إيقاعات الموسيقى والطبيعة، ونحن صامدون، نخبز ‏المليونيات وبصوت واحد: “خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود”، بالرغم من أنه ‏لم يبقَ يهودي في مكب النفايات والعدم: يمن الإيمان والمسيرة القرآنية.‏

‏2023، لا صوت موسيقى، لا مسرح، ولا سينما، ولا مكتبة، ولا صحيفة ومجلة ‏وكتاب، ولا احتفال ومهرجان، فقد دُمرت البلاد بفتاوى الوهابية، وبالصرخة الخمينية.‏

فمنذ عقود، وحتى اليوم، مازالت تلك الكتل الصماء من القادة الشرعيين وغير ‏الشرعيين، ومعهم النسخة اليمنية للملالي، ومعهم كتائبهم من الدعاة، يغردون بتعويذة ‏الفرقة الناجية والفرقة الباغية، دار الحرب ودار الإسلام، والإعجاز العلمي في القرآن، ولا ‏شرقية ولا غربية… الخ.‏

كل هذا الخراب المعمم في التعليم والحياة، مازال يتغذى من بركة التعصب ‏‏”الوهابية”، ومن مدد المراكز الجهادية، من المعاهد العلمية ودور تحفيظ القرآن، ودماج، ‏والمساجد، والجامعات، كجامعة الإيمان، وغير ذلك من مستوطنات التطرف الوهابي، ‏ومعاهد معبر، وتعز، والسلفية الجهادية، و… بل حتى “الجيش الوطني” المفخخ بالعقيدة ‏الوهابية..

دماج فبراير 2014
دماج فبراير 2014 بعدسة (اروى عثمان)

نعم، فلن تجدوا مثل سيوف المقلب النفاياتي المسلولة والمسمومة، والتي تقاتل ‏بأبنائها في سبيل الحفاظ على الموروث الوهابي، وتقتسم التركة اليوم مع أنصار الله، ولا ‏ندري حتى اللحظة لماذا تتقاتل المليشيات، أكانت مقاومة وغيرها، وهم كلهم أحفاد مناهج ‏محمد عبدالوهاب ومقبل الوادعي وعبدالمجيد الزنداني وعائلته، وعبدالله العديني ومريديه، ‏وقطيع مشايخ القبيلة والدين، القديمين والجدد، وقادة المسيرة القرآنية، وسلالة العرق ‏الإلهي، الذين تشربوا مناهج الوهابية المنثورة في صعدة والجوف وعمران، وكل أرجاء ‏اليمن حضرًا وريفًا.‏

نعم:‏

لم يتغير الوضع إلا بالمزيد من شحذ أسنّة الحرب الفتاكة، ودخول تكنولوجيا ‏الطيران والقصف، وانتشار بقع الموت والدم والأشلاء في كل الأرجاء.‏

رازح صعدة 1998
رازح صعدة 1998 (بعدسة أروى عثمان)

هو نفس السؤال الذي رأيته عندما زرت صعدة في 1998، وفي فبراير 2014، ‏وأنا أقف على قمة في جبل “رازح” أو قمة قلعة “حُرم”، أو “كتاف”، أو “منبه”، وغيرها من ‏المناطق، حيث يسود الظلام الدامس، والمجاعة والسلاح والقات والمخدرات والبردقان، ‏والجفاف، وإن وجد الماء فهو ملوث، بلاد اللاطرقات، وإن وجدت فهي طرق للموت ‏والسلب والنهب، وتهريب القات والمخدرات والسلاح، ونساء السواد، وأطفال الجبهات، ‏ومكبات أطفال الجهاد، إنهم يفتكون ببعضهم البعض في أقل من “ساعة سليمانية” مخدرة ‏بالقات والأفيون. كل ذلك وأنت ترى لألأة الكهرباء وأضواء مدن الجوار السعودي التي لا ‏يفصلها عن مدن وقرى السواد اليمني سوى بضعة أمتار وجدران.‏

ما قبل الأخير:‏

في 2023، هل تعتقدون أن بمقدوركم النأي ببلاد الحرمين، عن مكب النفايات ‏الضخم والمتفجر في بلادنا؟ إن الجوار المظلم والمسوس سوف يرتد حتمًا، ويزحف ‏ويخترق كل الأسوار والتحصينات، حتى لو أديرت بالريموت كنترول.‏

يا ابن سلمان، ويا ملوك وأمراء دول الخليج: جواركم -اللغم: اليمن، يمتلك كل ‏مؤهلات الانفجار الكبير القادر على إغراقكم معنا، إذا لم تسارعوا إلى دفن النفايات ‏وإغلاق مصانعها وتدويرها، وصناعة الحروب، وتكفوا عن تغذية المليشيات والمليشيات ‏المضادة باسم التحرير والمقاومة، فاليمن أحوج ما يكون إلى الالتزام بحق القانون الدولي ‏‏”العدالة الانتقالية”: بناء مدارس، جامعات، وادي الفنون، تعزيز نهج الانفتاح والحوار ‏والسلام والاختلاف، إلى المشفى، والطرقات الآمنة، المكتبة، المسرح، والسينما، ومنح ‏التعليم.‏

وجه من منبه 1998
وجه من منبه 1998 (بعدسة أروى عثمان)

ألا يحق لنساء اليمن أن يكنَّ بوجوه مفتوحة في 2023، بعد كل هذا الانكتام ‏الوهابي -الخميني؟

ألا يحق لليمن أن تستضيف فرق الأوركسترا العالمية، وتستمع للمايسترو ياني، ‏والياباني، هيروفومي يوشيدا، وأديل، وكاظم الساهر، ونانسي عجرم، وفرق الروك، وراشد ‏الماجد، ووعد، وأسيل عمران، ومحمد عبده، ونجوم السينما العالمية؟

أخيرًا:‏

هكذا يكون الجوار آمنًا يا محمد بن سلمان، لنستطيع القول:‏

شكرًا سلمان!‏

فارس في مشيته!‏

فارس في نظرته!‏

فارس وهو في الأصل فارس!‏