امرأة أخرى!

“هدنة غير مُعْلنة”

قالت لصديقتها التي اتصلت لتسأل عن أحوالها مع زوجها:
– نعيش هدنةً غير مُعلنة لا أعرف متى ستنتهي

جاء صوت صديقها على الجانب الآخر:
– راقبي تصرفاته لا يكون في حياته واحدة ثانية..

لثانية قصيرة واجهت مخاوفها، تشعر أنها هذه المرة بحاجة لأن تصدق توقعها، حدسها عالٍ، قاتلٌ في بعض الأحيان، لكنها تتهرب دوماً منه، بل على العكس تعمل ضده، تكذّبه، تؤجّل إحساس الحقيقة في أعماقها، تُعطي العقل نصيب الأسد من تصرفاتها، لكن حدسها المقموع ينتصر لذاته، ويتركها تتأرجح دوماً بين إيمانها بصوت القلب وكلمة العقل، تعرف بأن الحدس هبة الأرواح، وحدسها هذه المرة يقول لها بأن أمراً غريباً يحدث لزوجها..

لحياتهما معاً، ثمَّةَ أمر غامض، لكنها لم تعرف ما هو بعد، تعيد التفكير كل يوم في الكلام الغريب الذي يقوله وكيف يبرر غيابه الطويل، عدم رضاه عنها، عن البيت، عن كل شيء يحيط بهما، تلتقط التناقضات في كلامه، تُحصي الزلات الصغيرة، تراكم المشاعر التي تطفو على قسمات وجهه في كل مرة يقدِّم تبريراً أو يبتكر مشكلة ليس لها جذر، أو يغضب بلا مناسبة، تفكر في كل هذه التصرفات فيظهر لها أن ثمَّة سر خفي، سر مهول، تشعر به يكاد يلمسها، تصرفات زوجها، نبرات صوته، تغير ملامحه التي يُظهِرها، في قرارة ذاتها تلمس طيف امرأةٍ أخرى، تكاد تشتمُّ عطرها، تسمع ضحكتها، تلمسها في ضحكته، في غضبه، في ثنايا أوراقه، تكاد تراها تطلُّ من عينيه وأنفاسه، ثمَّة امرأةٌ أخرى تحتلُّه.

لكنها استدركت كل ذلك وقالت لصديقتها:

– تعوذي من الشيطان، لا لا أنا واثقة! مش أول مرة نتخاصم، نهاية الأسبوع بنروح القلعة ويمكن يتغير كل شيء هناك

أغلقت سماعة الهاتف وهمست لنفسها: لماذا أعلِّق كل هذا الأمل على زيارة القلعة؟! ربما لأنها مرتبطة بذكرى أول لقاءٍ لهما، الصعود لقمّة الحب، ورؤية كل شيء بهيج ومشرق من الأعلى، لكن كيف سيكون المشهد وهما ما عادا محمولَين على جناح الحب؟!، لم يعودا شغوفين ببعضهما كما كانا، في طريقهما فِخَاخٌ كثيرة ومفاجئة، أشواك، سهام مسنّنة، وحصى بين العيون.

كيف يا ترى سترى مستقبلها معه من قمة القلعة؟! تريد أن ترى جيوشاً تُحشد، جيوشاً تُهزم جيوشاً تَربح، رايات تخفق، ورايات تحرق، تريد أن تبوح لها القلعة بآهات المحبين التي رنّت في جنباتها، وبأنين المظلومين في سجونها، بداخلها تغتلي قلعةٌ أخرى بها شغفٌ

لحب الحياة، وبها وجعٌ ممض من هذا الحب، بداخلها عاشقة تريد أن تسبغ على معشوقها كل صفات القداسة، وتتعبد في محرابه، وزاهدة تريد أن تتبتل في محراب الوحدة وتنبذ البشر كلهم. ما الذي ستراه في رحلة الصعود الشاقة إلى القمة؟!

في متجر المستلزمات وبينما كانت تشتري لوازم الرحلة، أستوقفها رجل متوسط القامة، أصلع الرأس، له وجهٌ بيضاوي، حاجبين كثيفين، وعينين حادتين، أنف معووجة نحو اليسار، وفمٌ ضيق، وشفتين مكتنزتين متساويتين في الحجم، يكسو جسده شعر كثّ يظهر من قميصه القصير الكمين، وفتحة الصدر التي تشكل الرقم سبعة، صوته كان مفاجئاً بعذوبته قال لها بكثير من الحزم:

– لدي ما أقوله لك، أرجو أن تسمعي للأخير، ولك الحق أن لا تهتمي بعد ذلك بما قلت، لن يشكِّل ذلك فرقاً عندي، أريد أن أرمي هذا الحمل من على كتفي، ومن المهم أن تعرفي أن ما سأقوله لك في عرفنا معشر الرجال لا يصحُّ أن أبوح به لك، يقال هذا الحديث من رجل لرجل، وكان ينبغي أن أقوله لزوجك! لكنني على عكس ما ينبغي سأقول لكِ ما أحمل في صدري وأمضي، لا تسأليني لماذا!

أعرفك منذ فترة قصيرة، أعرف عنك القليل، ولا تعرفين من أنا، غداً أسافر لمدينةٍ أخرى، ليس هذا السبب أعني سفري ما سيجعلني أقول لك، لكنه شيء في ضميري يؤرقني ويدفعني للكلام دونما سبب واضح، لست متديناً جداً ولا مبرر لي سوى بعض من أخلاق تجتر نفسها بداخلي تصعد لحلقي وتخنقني، تمسك بتلابيبي، وتجرجرني لأعترف بذنب لم أرتكبه لكنني كنت فقط شهيداً رأى ولم تشأ عيناه أن تصمتا.

لقد ساعدْتِني ذات مرة، ربما لا تتذكرين ذلك، كنتِ كريمةً مع شخص لا تعرفينه، بقي أثرك في نفسي لفترة طويلة، وشاء القدر أن أعرف شيئاً يخصك، ولم أستطع أن أتجاهل ما رأيت. سيدتي أنت امرأة فاضلة للغاية، لكنك حتماً مع الرجل الخطأ! لقد رأيتهما معاً زوجك مع امرأة أخرى، يجلسان في ركنٍ بعيد في المقهى رأسها على كتفه وذراعه تحيط بها.

استمرّ يهذي قرابة العشر دقائق عن الصدفة وعن إيمانه، لم تسمع أكثر، كان رأسه يهتز مثل بندول الساعة، وكانت قد توقفت عن استيعاب ما يقول، تأملت ملامحه الجدية وحركات يديه المنزعجة، حاجبيه المقطبين، كان منغمساً في شعوره فوصلها غضبه، وتعاطفت معه وكأنه يتحدث عن سيدة أخرى، لدرجة أنها كانت تريد أن تواسيه وترتبِّت على كتفه، أنهى كلامه بأن أخرج من جيبه كرت منمق ونصحها بزيارة محامي، غادر بعد أن تمنى لها الحظ الطيب، لم تفه بكلمه واحدة، بصعوبة جرجرت قدميها وكأنها قد أصيبت بالشلل، لملمت ما قد جمعته في سلة المشتريات وخرجت من المحل، لا تتذكر أي طريق سلكت، ولا كيف وصلت إلى البيت، ولا من حياها من الجيران، لا تتذكر هل أخرجت المفتاح وفتحت الباب، أم أن الباب كان مفتوحاً، توقفت أمام المرآة المعلّقة على الحائط عند مدخل البيت ونظرت فيها لترى امرأةً مكسورة إلى عدد لا متناهٍ من القطع.

استيقظت متأخرةً جداً صباح اليوم التالي، الوقت يقترب من الظهيرة، دماغها ثقيل جداً، وجفونها منفوخة، مرّ الأمس في ذاكرتها ككابوس، فتحت الحقيبة وسكبت محتواها على الفراش، أخذت الكرت الذي أعطاها الرجل الغريب، قرأت الاسم مراتٍ عدة، شعرت بالبرد فأعدّت لنفسها كوباً من قشر القهوة البني، وأضافت عليه قليلاً من القرفة والزنجبيل والهيل، وجلست تحتسيه وتفكر بما حدث بالأمس، كيف لها أن تمحو لقاء الأمس من داخلها؟!، هل كان عليها ألا تذهب للمتجر؟!، كيف لها أن تحمي أمسها مما مرَّ به.

زفرت بضيق، ثم قالت لنفسها بصوت عال:

– حسناً إنني الآن بالأمس، ذات الرجل يمشي باتجاهي ويريد أن يتحدث معي، وقتي لا يسمح بذلك، وبتهذيب شديد سأقول له: يا سيدي عذراً أنا بقمة انشغالي لن أستطيع أن أراك أو أسمعك، أتمنى أن تغادر المدينة ولا تعود أبداً لمقابلتي حتى ولو بالصدفة.

مزقت الكرت إلى قصاصاتٍ صغيرة ورمته في سله المهملات، تخلصت منه، ستمحوه من ذاكرتها تماماً وكأنه لم يكن، لم تقابله بالأمس مطلقاً، لم يحدث هذا ولم يقل لها ما قاله، ببساطة لم يحدث هذا، همست لنفسها وضحكت حتى امتلأت عيناها بالدموع، لم يحدث، انتهى، غداً ستصعد إلى القلعة وسترمي بكل هذه الأوهام من الأعلى ستبدو الرؤية أكثر وضوحاً، سترى ما تريد.

لاحت القلعة أعلى الجبل البعيد، صلبة، قوية، وثابتة بشكل يجعل الرجفة تسري في البدن، بدآ بصعود الطريق الجبلية الوعرة، كانت الدروب في هذا الوقت من السنة تحفها الأزهار البريّة ذات الروائح الزكية، قطفت بعض أزهار “المريمرة” الصفراء ووضعتها بجوار خدها، على امتداد طريق الصعود للجبل تنتشر أشجار العنبية بثمارها الصغيرة التي احمرَّ بعضها وطاب.

كانت تتوقف بين الفينة والأخرى لتلتقط بعضها وتستمتع بطعمها العسلي، في المرة الماضية عندما تسلقا الجبل للوصول إلى القلعة كانا يندهشان مثل طفلين لرؤية الأزهار البرية، والحشرات الغريبة ذات الأقدام التي تتجاوز المائة، أو تلك التي تنمو لها أشواك ملونة على ظهرها، أو تلك التي تحمل بيضها المرصوص بعناية فائقة على ظهرها، ويفتشان عن ثمار العنبية بمزيد من الحماس والمتعة، لكنهما اليوم غريبان تماماً عن نفسيهما وعن ذاتهما الأولى، ما الذي حدث يا ترى لكل ذلك الحب والانسجام؟!،

لماذا اختفت شرارة الحب؟!، وكيف يمكن الحفاظ عليه متوهجاً؟!، هل يفسد اللقاء الحب؟!، وهل يزيد البعد لوعته؟!، لماذا تشعر بالحب والسخط في آنٍ واحد؟!، بالرغبة في العطاء والرغبة في الهرب في نفس التوقيت؟!..

كانت قطرات العرق تبلل ظهرها عندما وصلا إلى القمة أخيراً، لطالما كان الوصول هو المكافأة على صعوبة الطريق، كانت النسمة منعشة والمشهد مهيبٌ من الأعلى، تمتد الأراضي والسهوب من الأسفل فتعطي شعوراً بالقوة والسيطرة، تصميم القلعة كان استثنائياً، فالناس بداخلها لا يسعهم الهروب إلى خارجها بسهولة، لهذا كانت في فترةٍ ما سجناً مخيفاً يصعب الهروب منه، ولكن في ذات الوقت يقال أن بها نفقاً سرياً يفضي إلى خارجها عند أقدام الجبل؛ حتى يستطيع أن يهرب ساكنيها إذا تم حصارها، باب داخليٌّ سِريّ للانعتاق، وباب خارجي علني للحبس!

غسلت وجهها من الماء النقي البارد الذي يتجمع في بركة كبيرة، وشربت حتى ارتوت، اختلست النظر إلى رفيقها، وبالرغم من أنهما لم يتحدثا سوى بضع كلمات طوال الطريق، إلا أنها شعرت براحة داخلية، وامتنانٍ مفاجئٍ لهذا الصمت، مساحة تأملت فيها ذاتها، علاقتها مع الأشياء من حولها بوعي مركز، للمرة الأولى لا تشعر بالوحدة بل أنها مليئة بفكرتها عن نفسها، تشبه هذه القلعة العصية والعالية، الدروب إليها محاطة بالزهور والأشواك والحصرم والعنبية معاً، تود لو تتحد بالقلعة السامقة الواقفة بثبات في أعلى الجبل، تحفها الريح والسحاب والطيور، ترى كل شيء من الأعلى ولا شيء يهز ثباتها الحر..

بدأت الشمس تميل للمغيب، وبدآ بالنزول قبل أن يحل الظلام، غادرت أكثر انسجاماً مع نفسها، راضيةً كلياً عما حصلت عليه من المتعة، والتأمل العميق.

هدوء غمر روحها بعد العودة من القلعة، لم تعد تشعر بالمرارة والسخط، ولم تعد تفكر بالغد المُقْلق، كانت اللحظة التي تدور في فلكها مطَمْئنة بشكلٍ غريب، منسجمة مع نفسها وكأنّ ملاكاً ما مسح على صدرها فهدأت نارها بل أُخْمِدت.

مرَّ أسبوعان، ثلاثة أسابيع وهي مكتفية بمراقبة تصرفات شريكها، عصبيته، افتعاله للشجار، محاولته الدائمة لإدانتها بمنطق وبدون منطق، رغبته المُلِحّة في أن تكون مخطئة ومُلامة، وأن تتحمل مسؤولية فشل حياتهما معاً، لم تكن هذه الأشياء تزعجها بقدر ما كانت تساعدها على الخروج من الشرنقة التي نسجتها حول نفسها بإحكام، لم تكن تغضب بل كانت ردات فعلها كلها هادئة، وفي أحيان كثيرة غير مبالية، وهذا ما جعل شريكها يتوتر إلى أقصى حد؛ لأنه فقد السيطرة عليها، وبدأت تنسرب قطرةً قطرة من بين أصابعه، لم تبُح له بشيء مما عرفت، ولم تعاتبه بعد، كانت تبتسم كلما أتيح لها ذلك، تغذي ما وصلت إليه في القلعة من استبصار بالحقيقة، تلك الحقيقية الموجودة منذ البداية لكنها لم تكن مرئية لها.

دون رسالة وداع، غادرت بهدوء، تاركةً الحكايات مُعَلّقة على مشاجب الوجع، والأغنيات الحزينة مكدّسة على رفوف الوقت، والذكريات تشيخ في الزوايا، والأمل يفتح الأبواب لخطوةٍ جديدة تولد للتو.