الدلّالة

يئستْ من أن تجدَ بيتاً مريحاً كما تحلم هي، تتحرى كلّ الدّلالين قبل أن يأخذوها لترى بيتاً جديداً، وتشرح لهم المواصفات التي تريدها في البيت مسبقاً، إلا أنها في كل مرة تعود خائبة الرجاء.

وصل بها الدّلال الجديدُ هذا الصباح إلى مدينة قديمة، لترى بيتاً في الحيّ الشعبيّ، رفضتِ الدخول، ولم تتوقفْ عن التذمّر من عدم فهمه وسوء اختياره، لكنه لم يغضبْ ككلّ الدّلالين، ابتسم في وجهها بطمأنينة وقال:

– طيب العفو منك، بس مادام جيتي، شوفي البيت، ما بتخسري ..

كان دمها يغلي في عروقها، تغالب نفسها أن تلتقطَ حجراً من الأرض وتصوّبه باتجاه ابتسامته المطمئنة، تحيط بوجهه تجاعيدُ غير منفرة، تجعل وجهه الأسمرَ أشدّ ألفةً، العمامةُ البيضاءُ التي تحيط برأسه، والثوبُ الأزرقُ، لا بدّ أنهما يجعلانه يشعر بالراحة في هذا الجوّ الخانق، هكذا فسّرتْ ردّة فعله الهادئة، وبدأ غضبها يخفُّ تدريجياً ..

كان الشارع المرصوف بالحجارة ضيّقاً تتلاصق البيوت الطينية على جانبيه كأنها تحميه أو أنه يحتضنها، دخلتْ “حوش” صغيراً فيه شجرتا خوخٍ ورمانةٌ وأصص كثيرة، تمتلئ بالرّيحان واللزاب والنعناع ..

ارتجفتْ وهي تعبر غرف البيت الواسعة، هذا المشهد مألوفٌ عندها بشدّة، كأنها تعرفه من زمن بعيد، مدخل البيت المرصوف بحجارة غيرِ متساوية، رائحة الرّيحان، أشجار الخوخ والرّمان، مشهد القمريّاتِ الملوّنة والشمسُ تنفذ منها فتنعكس ألوانها على الجدران البيضاء ..الخشب البارز من السقف والذي يضيف حميميةً للبيت وكأنه امتدادٌ لغابةٍ من الأشجار، الغرف المستحمّة بالضوء ..

تعتصر أفكارها ولا تصل لنتيجة، أين رأت هذا البيت من قبل؟

سكونٌ يحيط بالمكان وكأن هناك عازلاً للصوت وألفة غريبة تنفذ للمسام، للحظة تخيلتْ أن يصبح هذا بيتها، ستفرشه بسجاد “زعل” أبيض وتجعل الستائر من المصون الأحمر والذهبي وتزين الأبواب بحلي الكهرمان والفضة وستجعل أشجار اللبلاب تعلو لتعانقَ القمرياتِ الملونة.

هزّتْ رأسها لتوقف هذا التفكير وقالت في سرّها مؤنبةً نفسها:

– شكلي تجننت، معقول أسكن في بيت شعبي؟

مشى الدّلال من طريق مختصرة تمرُّ بسوق التوابل والزبيب، ألوانُ البهارات المرصوفة على شكل أكوام صغيرة بعثتِ الإبتسامة في نفسها، توقف قليلاً واشترى بعض الزبيب، مدَّ لها بحفنة، شكرته بخفة، لكنه أصرَّ عليها، لم تستطعْ مقاومة شعور الترحاب الذي غمرها به، كان طعم الزّبيب شديدَ الحلاوة، شرح لها أهمَّ الأماكن للشراء من السوق القديمة، وأسرعَ الطرقِ للوصول إلى الشوارع الرئيسية خارج المدينة، وأخيراً وصلا إلى مفترق الطريق، لم تعدْ ممتعضة، كانتِ الطمأنينة قد سرتْ إليها ودفّأتْ روحها القلقة، لم يقلِ الدّلال أيّ كلمةٍ اضافيةٍ، كان يسترق نظراتٍ صامتةً إليها، شكرته بلطف شديد على كرمه، وتنفستْ بعمق قبل أن تبلغَهُ اعتذارها عن قبول البيت لكنه قال لها بهدوء:

– فكّري يا بنتي ولا تستعجلي

أرادت أن تؤكّد ردّها، لكنها فوجئتْ بالدّموع تقفز لعينيها، بحثتْ عن منديل في حقيبتها، وتلفّتتْ لتبحثَ عنه، لكنه كان قد غادر.

 

طوالَ الطريق استحوذ البيت القديم على تفكيرها، القمريّات الملوّنة، أشعةُ الشمس، الهدوءُ الداخلي الذي لفّها به ما أن وطئتْ قدمُها عتبة الباب، الترحابُ الذي شعرتْ معه أنها جزءٌ من المكان، لن يصدّقها زوجُها لو قالت له ما شعرتْ به، بل سيسخر منها، زفرتْ بألم، وقد هاجمتْها فجأة ذكرياتُ ردودهِ الساخرةِ القاسيةِ، التي ماتزال آثارُها في روحها، ولا تعرف لماذا تعنُّ دائماً على خاطرها دون دعوةٍ، وفي أوقاتٍ غير مناسبة.

خطتْ نحو بيتها بتثاقل تذكرتْ أن لديها مهاماً لم تكملها، تشعر بالحنق الشّديد لأن مهمة العثور على بيت جديد القيتْ عليها، وتذكرتْ بسخرية عبارته التي يردّدها دائماً:

– “أنا زوج ديمقراطي، أعطي زوجتي دفّة القيادة، لأنّ النساء ما يعجبها شيء”!

عليهم الخروجُ من بيتهم بنهاية الشهر، لم يبقَ الكثير من الوقت، همّتْ بتنظيف البيت حين لاحظتْ قطرات ماءٍ على الرخام، هل هناك تسريبٌ من السّقف؟ أدارتْ رقبتها باتجاه السّقف، كان السّقف ناشفاً، هل تساقطتْ قطراتٌ من عصير الليمون؟ لمستْ نقاط الماء بأصابعها لم تكن لزجةً، قرّبتها من أنفها ليس لها رائحة الليمون، من أين يأتي الماء؟

على الرّخام قطراتٌ شفافةٌ تهطل كثيفةً ولها صوتٌ رتيبٌ ملحٌّ:

طق طق طق..

تتبّعتها لتعرف من أين تأتي .. تنتهي إلى غرفتها، تقف في مواجهة المرآة، ترى شبح امرأةٍ تبكي دماً تهرب من الغرفة لتجد أنّ آثار أقدامٍ حمراء اللون، تخرج من البيت، تجري حافية القدمين، تجد نفسها عند البيت القديم لكنّ البابَ موصدٌ ..

استيقظتْ فزعةً من النوم، أطرافها مخدرةٌ، شربتْ كوباً من الماء وهي تتمتم:

– هذا مجردُ كابوسٍ الحمدلله!

ثلاثةُ بيوتٍ زارتها في اليوم التالي، لكنها لا تتذكر ما رأتْ، فقدتْ حماستها فجأة في رؤية بيتٍ جديدٍ، لم تعدْ مهتمةً بالتفاصيل ولأوّل مرة منذ أن بدأتْ رحلةَ البحث عن بيت، لم تدققْ في التفاصيل ومعاينةِ الأبوابِ والنوافذِ والبلاطِ والسقفِ، لم تفعلْ شيئاً من هذا كلِّه، فقط اكتفتْ بتلمّسِ البيوت بقلبها، ولم تشعرْ بالراحة لأحدها.

تتكثّفُ قطراتُ الماء ويعلو صوتها:

طق طق طق ..

تضع يديها على أذنيها .. لا تريد أن تسمعَ، لا تريد أن ترى، تجري هاربة،ً تتوقف عند جدارٍ أبيضَ، يتحوّل الجدار إلى صورةِ امرأةٍ باكيةٍ، تغمض عينيها كي لا تراها، تصرخُ تصرخُ تصرخُ ولا يصل صوتها، تمسكُ بها المرأة وتفتح عينيها، تقول لها بصوتٍ مرتجفٍ:

– من أنتِ؟

تنظر المرأة مباشرةً في عينيها وتردُّ عليها بصوتٍ متهدجٍ:

– أنا أنتِ!

تفزُّ من نومها مفزوعةً، كابوسُ المرأة الباكية لا ينفكُّ يعاودُها من جديد، تشعل الضوءَ وتشرب كوباً من الماء، وتخشى أن تنام ..

تحزمُ الحقائب وتنظّفُ البيت، ببطءٍ وتثاقلٍ تشعر بالتعب الشّديد وبألم في عضلات جسمها، ترى وجهها الشاحب في المرآة، الهالاتُ السوداءُ تحيط بعينيها، تتذكّرُ الدّلال ذا العمامةِ البيضاءِ والثوبِ الأزرقِ، فتبتسم رغماً عنها، لكنّها تمنع نفسها من أن تتصلَ وتسألَه هل مازال البيت القديم ينتظرها؟

بعد الكثيرِ من التردّد واجهتْ زوجها بأنها تعبتْ من إيجاد بيتٍ وعليه أن يبحثَ هو عن البيت، ولن تعترضَ على اختياره .. كانتْ معدتها ترتجفُ وأطرافها متجمدةٌ من البرد، لكنها بقيتْ على ثباتها في الرّفض، لم يقل كلمةً واحدةً، حدجها بنظرة هائلة ثم غادر، سمعتْ صوت الباب يُغلق بقوّة، فتنفّستِ الصعداءَ، سيعاقبها الآن بالصّمت الطويل، وربما ترك البيت لعدّة أيامٍ دون أن يسألَ أو يهتمَّ، تتوقّعُ ذلك كلَّه من تكرار حدوثه، لكنها لأول مرّةٍ في حياتها معه، تشعر براحةٍ تامّةٍ لهذا العقاب.

شرعتْ في ترتيب أغراضِ الانتقال إلى البيت الجديد الذي لا تعرف كيف سيكون شكله، ولم تعدْ تهتمُّ، فقدتْ حماستها منذ زمن طويل لكنها اكتشفتْ ذلك الآن.

بدأتْ بفرز قطعِ الأثاث الصغيرة وتغليفها بورق الجرائد حتى لا تتكسّر، أخذتْ بين أصابعها تمثاليْن صغيريْن من الخزف أحدهُما ورديُّ اللون والآخرُ أزرقُ، وتذكرتْ من أين اشترتْ هذه الهدية لنفسها وتفاصيلَ ذلك اليوم البهيج، لم تعدْ تتذكّرُ متى اشترتْ لنفسها هدية، أو آخرَ مرّةٍ حصلتْ على هديّةٍ حقيقيةٍ تغمرها بالدفء.

حزمتْ كلَّ قطع الأثاث الصغيرة ورتّبتْها في صناديقَ وأغلقتْها جيداً، كانت عضلاتُها متيبسةً من الجهد، تمطّتْ قليلاً وسمعتْ صوت طقطقة عظامها، حين لمحتْ فجأة نقاطاً من الماء تتناثرُ حولها، تلمستْ القطراتِ بأصابعها وقرّبتْها لأنفها، لا رائحةَ لها، قرّبتْها من شفتيها وتذوّقتْها، كان طعمها مالحاً ومرّاً، شعرتْ بعبرةٍ تخنقها، تسرّبتِ المرارة لتغمرَ روحها كلَّها، تعرفُ هذا الطعم المرَّ جيداً، تشربه منذ زمن وتجبرُ نفسها أنْ تتأقلمَ مع مرارته، تعزّي نفسها بأنَّ الصبر مفتاح الفرج، لكنَّ الفرج لم يأتِ، كلّ يوم يمرُّ تبعد خطوةًعن حياةٍ كانت تحلم بها، دفءٍ يغمر قلبها، طمأنينةٍ صغيرةٍ تجعلها تبتسم، نفحةِ حبٍّ تجعلها تضيءُوتتجلّى كزهرة جاردينيا، ضوءٍ ترى من خلاله الطريق، لكنَّ صبرها لم يأتِ بكلِّ ذلك بل بقلقٍ كثيفٍ يستمرُّ بمطاردتها حتى في أحلامها، روحُها تتآكلُ ولم تعدْ تعرف أين الوجهةُ الصحيحةُ، متى سيأتي الفرجُ يا ترى؟

تسقط قطراتُ الماء على الرّخام الأبيض الصقيل، وتفيض مثل نهرٍ صغيرٍ، تهرب من البيت وتجري في الشوارع، تجري بقوّةٍ باتجاه المدينة القديمة، تعبر الأزقّة، تصل للسوق، تتنشّق رائحة التوابل والبنّ المحمّص ملءَ روحها، تواصل مشيها لتصلَ للبيت القديم، تجدُ الباب مفتوحاً .. تدخلُ .. تلمسُ أشجار الخوخ والرّمان وتكادُ تضمّها، تقطف زهرة ريحان وتزرعها بجانب خدّها، تدخلُ الغرف البيضاء الواسعة، وتسبحُ في الضوء، تنظرُ في المرآة، ترى المرأة الباكية، تجذبها إليها، تمسحُ دموعها، تربتُ على شعرها فتبتسم، تحتضنها بقوة فتغيب في ضلوعها، تضحكُ بقوّة، تضحك من قلبها، وترقصُ ترقصُ ترقصُ وحدها.

تصحو من نومها والحيويّة تغمرها، تفتحُ الشباك ليتسلل قليل من الضوء، تبتسم للصباح المنعش، تنظرُ إلى حقيبة ثيابها التي حزمتْها في المساء، وإلى السرير الخالي إلى جوارها، وبخفةٍ تسابق خطواتُها الطريقَ إلى البيت القديم، تجد الدّلال ذا الإبتسامة المطمئنة ينتظرها، يناولها المفتاح وهو يقول لها:

– قلبي قال لي إنك بترجعي

تدخلُ البيت، تعانقُ أشجار الخوخ والرّمان وترقصُ مع ضوء الشمس.