الابتسامة التي نجت من الشنق

أحد لا يقدر أن يقول ما حجم حصتها، فيما مضى، من تلك الحاجة الإنسانية البسيطة، غير الملحوظة تقريبا، التي تجعل الواحد يسعى بين وقت وآخر إلى تبديل موضع الجلوس أو الرقاد داخل الحيز الخاص المسمى المنزل. ما يمكن البت فيه بسهولة، استنادا إلى راهن حياتها، أنها بددت الحصة، أبطلت مفعول الحاجة. أو أنها، في أسوأ تقدير، تضطر إلى الدخول في عراك داخلي معها، لتخرج، في كل مرة، من العراك منحازة تماما إلى مكان جلوسها المعهود، الأزلي حتى، على ذلك المقطع من القطيفة البرتقالية، موشاة برسوم لزهور بحجم ناقوس تقريبا، تمتد طوليا بمحاذاة جدار حجرة الجلوس في منزل ابنها. المقطع في مواجهة باب الحجرة تماما، حيث يسعها من هناك، فيما تريح ظهرها إلى المسند وراءها أو تميل يسارا على “المكرت”، أن تمتلك بصريا، عبر فرجة باب الحجرة، كامل الفجوة التي تشغلها “درفة” الباب الخارجي الواقعة عند طرف “طرقة” داخلية تتفرع عن الصالة، عند النقطة المقابلة لباب الحجرة تماما، وتنار بلمبة اسطوانية ساطعة طوال الوقت. في الواقع، هي لا تبارح ذلك الموضع معظم الوقت باستثناء إذا ما دعت ضرورة إلى التحرك هنا أو هناك داخل المنزل، كأن تلتحق بزوجة ابنها في المطبخ لمد يد العون أو الذهاب إلى جانب “الطرقة” حيث المخزن الصغير الذي تخبئ فيه مؤونتها الخاصة من التمباك والفحم، أو الذهاب لتطمين النداءات النزقة، للفت الانتباه، يصدرها حفيدها، ذو الثلاث سنوات، من مكان ما في المنزل. أو إنجاز تحركات قصيرة، بلا غرض تقريبا، سوى إعاقة تجمد الدم في العروق من فرط ملازمة الموضع الذي منه تحرس “درفة” الباب بحدقات عيونها. تحرس من سنوات. وذلك أنها تنتظر. مرارا وتكرارا تجد نفسها غير بعيدة عن توقع وصوله في أية لحظة. مترددا، وعاجزا عن تمالك نفسه، تتخيله وراء “الدرفة”. تهجس خشخشة أصابعه عليها. تفزع من مكانها. تهرول عبر باب الحجرة، تجتاز الصالة، راكضة على امتداد الطرقة الداخلية. تصل. تدير الأكرة، جاذبة، في الآن نفسه، الدرفة الخشبية المدهونة بالبني إلى الداخل. يحدث ذلك بسرعة كبيرة وكأنها تخشى أن أدنى تأخير سيجعله، متآسيا، ينسحب أو سيجعل من اختفائه اختفاء مؤكدا، لا رجعة فيه. تتصرف على هذا النحو من قديم. من قبل أن تحل في هذا المنزل. تحديدا، منذ أن كانت ما تزال تعيش في القرية حين، ذات يوم، انقطعت أخباره عنهم نهائيا. حتى أن أفراد أسرتها ومعارفها لا يجدون في تصرفها مؤاخذة. ينظرون بتفهم إلى عمق الدافع. فيما عدا أنها، في كل مرة تقوم بذلك، لا تصطدم نظراتها بأحد أو بشيء سوى الحيز الذي كان ليشغله جسده.. فيما.. فيما لم تتأخر عن فتح الباب. أو فيما لو، عن البقعة المظلمة التي خلفتها حادثة اختفائه في الذاكرة، تنفك ملامحه. ملامح ملائكية تُهاجم من سنوات من البقعة التي ما فتئت، بلا هوادة، تتفاقم في انتظار لحظة الحسم، لحظة محو تلك الملامح. لكن هيهات، “ليقتلوني قبلهِ”. تجزم أمام الجارات اللاتي توافدن، بعد الظهيرة، لزيارتها، دون أن تحيد بعينيها عن الملقط، في يدها، بكشطات أفقية، متأنية، يزيل الرماد عن الجمرات المتوهجة داخل موقد معدني ينتصب على مسافة قصيرة من المقطع حيث تجلس من زمان. باحتدام داخلي مسيطر عليه، تجبر الجمرات المتوهجة على الاندساس بين فكي الملقط. تحرك الملقط باتجاه اليد الأخرى التي تمسك، من قاعدته، مايشبه قمعا خزفيا تتقاطع على سطحه الخارجي المشرخ أسلاك معدنية دقيقة. واحدة تلو الأخرى، ترصف الجمرات فوق حفنة التبغ، داخل الشكل القمعي. ترفعه إلى أعلى من مستوى رأسها. تثبته على القمة المخروطية لعمود أسطواني، أجوف، خشبي وملبس بالفضة من الخارج، ينتصب أمامها منحدرا وسط تكورات متفاوتة الحجم، على مسافات منتظمة، ليتوارى طرفه الأسفل وسط انتفاخ معدني حيث تتصاعد القرقرة مع كل نفس يمتص من المبسم. المبسم موصول بقصبة، مكسوة بقماش أبيض وكحلي، تتناثر في حلقات على أرضية الحجرة، فيما طرفها الآخر مثبت داخل زائدة تشذ عن الانتفاخ المعدني. أبعدت المبسم عن شفتيها ونفثت الدخان: ما بقي إلا هذا، يخلونا ننسى”. كان ذلك بمثابة خاتمة للاستغراق الذي لازمها أثناء أداء الطقوس مستمرا إلى لحظة نفث الدخان. “لكن أبعد عليهم من نجوم السماء”، تجزم فيما تمد المبسم إلى إحدى الجارات. في الواقع، هي لا تشعر بالرضا عن نفسها في أي شيء بقدر هذا: الإبقاء على ذكراه طرية في ذاكرتها. كل الجهود التي بذلت مع جهات حكومية ودولية لمعرفة مصيره ذهبت أدراج الرياح. قبل ثلاث سنوات لجنة موفدة من وزارة حقوق الإنسان طرقت الباب. استبشرت خيرا. لكن بعد أخذ ورد مع أفراد اللجنة أتضح لهما، هي وابنها، أن لا هدف للزيارة سوى شطبه من قائمة الأحياء أكثر مما هو مشطوب. إهالة تراب جديد عليه فوق التراب القديم. “جئنا نتوسل موافقتكم لإغلاق ملفه والتوقيع على شهادة الوفاة. خاطبهما رئيس الفريق مشيرا إلى المختفي بضمير الغائب وشاهرا، في نفس الوقت، شهادة الوفاة أمام اعينهما. “شهادة وفاة؟!!”، سبقت ابنها إلى الصدمة: “نوقع على شهادة وفاته؟ هكذا بدون أدلة وبدون أن نعرف إذا كان حي أو ميت ولا أيش اللي حصله بالضبط؟ هذا يرضيكم بالله؟ ضعوا أنفسكم مكاننا وبعدين شوفوا”. وبدا أن كلماتها اخترقت أعضاء اللجنة في الصميم. لكن ما تلا تكفل برفع الغشاوة. بعد صمت متعاطف ودون أن يخلي وجهه لافتة الشفقة، عاد رئيس اللجنة إلى الحديث. هذه المرة بدا حريصا على توجيه كلامه إلى الابن: “أنت متعلم!!”،  نقر على ما ظنه الوتر الحساس، وأقعى لوهلة يتكهن ردة الفعل، “ولا أظنك تجهل ما يترتب على التأخر في إيجاد الحلول لهذا الملف ( يقصد ملف المختفين قسريا) حياة أبوك غالية، لا خلاف على ذلك، لكن أبوك هو مواطن واحد، ونحن في وضع يفرض علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مصالح ملايين المواطنين، الذين سيتضررون من جراء بقاء هذا الملف مفتوحا. هذا الملف يهدد حتى المصالح العليا للوطن”. وأبقى نظراته في عيون الابن تتوسل التأثير المطلوب. “أيش قصدك بالمصالح العليا للوطن؟”، نجح الابن في التصدي للتأثير. تلبك الآخر. تغلب على تلبكه: “أنت تعرف الوضع الاقتصادي للبلد وتعرف أيضا أن لا حل للتردي خارج إطار المساعدات والقروض التي تقدم من دول مانحة، لكن هذه المنح صارت مشروطة اليوم بحالة سجل البلد في مجال حقوق الإنسان”. “دلونا على مكان أبي أو قدموا أدلة قاطعة على موته وسجل البلد بيتحسن، ابعدوا عن أذهانكم أننا سنوقع على شهادة الوفاة قبل ذلكـ”، قاطعا، جاء رد الابن. ولد الابن قبل اختفاء أبيه بأسبوع.. مضى على اختفاء الأب حتى اليوم تسعة وعشرون عاما بالتمام. ما يعني أن عمر الابن يتفوق على عمر اختفاء الأب بفائض أسبوع. كل عام، بمجرد حلول الذكرى السنوية لاختفاءه، تغرق الأم في الحسابات، مكتشفة أن عمر الابن ما يزال يتفوق على عمر اختفاء الأب بنفس المقدار. دائما ثمة أسبوع فائض في خزينة عمر الابن. من جهة أخرى، كان عمر الأب حين الاختفاء عشرين عاما. وبما أنه لا يسعها أبدا أن تتصور كيف يمكن لأحد أن يكبر بعيدا عن أسرته ومحبيه، وبشكل خاص لو كان هذا الأحد مختفياً قسريا. فإن عمر الأب، أينما كان مكان الاختفاء، سيظل، على الدوام، عشرين عاما.. لا شك أن التفكير على هذا النحو يبعث على العزاء، لكنه في الوقت نفسه يفقش القلب. فإذا كان الأب لما يزل في العشرين من العمر، فلا مفر من مواجهة حقيقة أن عمر الابن يتفوق على عمر الأب بتسع سنوات. عمليا، صار الابن مسؤولا عن أسرة صغيرة، ناهيك عن مسؤوليته عنها: الأم، وعن الأب كذلك بما أنه، منذ سنوات، لا يتوقف عن التقصي عنه مخاطبا جهات محلية ودولية، وذلك يتناقض مع طبيعة الأمور. بحنو متآسٍ تتابع، من يوم إلى يوم، تراكم الشعرات البيضاء في مفرقه و فوديه، وتغرق في الحساب. منذ تسعة وعشرين عاما وهي تحسب، ليس لأنها تجد في ذلك غواية من نوع ما، لكن لأن ما من خيار أمام المنتظر سوى الحساب. إنها تتوق لعودة الأب، على الأقل لكي تَسْكَه من تعب الأرقام، لكي تكف عن حساب عمر الابن انطلاقا من تاريخ اختفاء الأب. ما ذنب الابن لكي يشب ويكهل ويشيخ في ظلال تواريخ جريحة؟ إلى متى سيظل يجرجر عمرا معلَّما بطعنة؟ كلا. ليس عدلا أن يستمر الحال على ما هو عليه. ليس فائضا عن الحق أن يجيء اليوم الذي ينفك فيه عمر الابن عن عمر الاختفاء لتنسرح حياته، هكذا، في مجرى لحاله. مش كثير على القدير الجبار الذي هو فوق الناس كلهم أن يعجل باليوم الذي يتحرر فيه الأب من قبضة اللا زمن الغليظة بما يسمح له، ولها أيضا، أن يتقدما في العمر شأن الآخرين. زمنها، هي الأخرى، لا يشبه زمن الآخرين. زمن الآخرين سائل. زمنها ينكفىء على نفسه، في بقعة واحدة، مثل سكبة دم متجمدة، بأي حال من الأحوال، لا تسمح لأي كان أن يرش عليها ماءاً فتتبدد. لسبب لذاته، ربما، أن زمنها لا يشبه زمن الآخرين، وفر شبابها نفسه: ذلك التورد الطبيعي في الخدين، النعومة في الكف، وذلك الوميض الذي لا يتناقص من عينيها مهما تتكلم أو تضحك. كأنها أرادت، حين عودته، أن تكون له دون أدنى تبديل. لكن الفريق الذي قدم إلى المنزل قبل ثلاث سنوات بدا معزولا عن هذه المرارات، متعاليا على التطلعات، بل متعاليا على حياتها وحياة أسرتها بالكامل. ما أراده فحسب، جعل عمر الاختفاء عمرا مفتوحا لا نهاية له. لكن هيهات. “قولوا لنا فين هو أو هاتوا أدلة على أنه مات وسجل البلد بيتحسن، بدون هذا لن نوقع على شهادة وفاة”، بطريقتها الخاصة، رددت على مسامع أعضاء اللجنة، ما قال الابن. وبدا رئيس اللجنة مستنفدا كل الوسائل. لم يتبق أمامه سوى الإمساك، بمن يفترض انه ليس الخصم، من اليد المصابة: أنت تعرفي أن الجهات التي كان يعمل فيها المختفون قسريا تشترط شهادة الوفاة للاستمرار في صرف الراتب، على الأقل علشان..علشان تستلمي الراتبـ”. احتدت. قفزت فوق الجراح: “يُخَلو الراتب لهم مشتيش راتب أشتي اعرف فين ودوا زوجي، أشتي زوجي يرجع. المشار إليهم، في نرفزتها، بالضمير “هم”، في إيمانها البسيط، لكن الراسخ، لا يعدو عن كونهم، بمعنى ما، كائنات بشرية بوجود واقعي، ملموس، بالقدر نفسه من الوجود الذي لزوجها حين يقرن بالضمير “هو”، بقطع النظر عن الإخفاق في تحديد مكان الإخفاء، أوتعيين هوية الجناة.

بالاستناد إلى معطيين، تقادم القضية في الزمان، و”انقراض” أو تبدل السحنات التي تناوبت على كراسي الجهة المسؤولة، حاولت اللجنة النيل من هذا الإيمان. خالصة، بتفوق لغوي واضح لا يخلو من استدلال، إلى أن “هم” مقترنا بالفاعلين، بنفس القدر نفسه من”هو” مقترنا بالزوج، وفي هكذا واقع، لم يعودا يشير ان إلا إلى اللا اللا أحد. مجرد لفظان يحلقان على فراغ. واستطرادا، فلا موجب لبقاء ملف القضية مفتوحا. عند هذا الحد تصاعدت النيران إلى الرأس، رأسها أكثر من رأس الابن. الأخير، مع انه لا يتوكأ، شأن أمه، بأكثر من حدوس تدحض إمكانية تركيب ضمائر الغائب على فراغ. لكنه، بالمقابل، غير مجرد من ترف الوعي بشبكة المصالح المعقدة، ناهيك عن التبلد العاطفي العام اللذين يحولان بينهما، وأمثالهما من أهالي المختفين قسريا، وبين معرفة الحقيقة. شبكة المصالح لم تهترىء بعد. لكن ليس من المستبعد أنها في اللحظة الراهنة تتعرض لخضة، وأن الخضات مرشحة للتوالي إلى أن يتمزق الرابط وتتفكك الشبكة. ما يؤرقه حقا أنه في كل مرة يتحدث في ذلك إلى الأم، يجد صعوبة في الوصول إلى فهمها. يضطر في النهاية إلى التخلي. يتركها تتدبر أمر نفسها أمام الجدار من الغوامض، السميك والبلا قلب، حيث إيمانها وحده يفي بالغرض. هكذا حدث أن رفضت المصادقة على شهادة الوفاة. ومنذ ذاك، وكلما هالها تذكر الزيارة، غضبها يتصاعد في ملفوظات تنسف احتمالية الخضوع لشروط الأقوى: “لكن أبعد عليهم من نجوم السماء”، المأثور الأكثر توافرا في متناول حنقها. “شاحسب وأزيد أحسبـ”، اللا مأثور المتوافر بنفس الكثافة. ستستأنف، ضدا على ما تلقى من تعب، الإمساك بنفس شريط القياس. ستنفخ، بلا انقطاع، في ذكرياتها معه بحيث تبقيها في درجة من التوهج لا يسمح للبقعة المظلمة النيل منها. في الواقع، هي لم تعد تغادر مدارها داخل مجرة الذكريات. لم تعد تجيد نفسها إلا في الكلمات التي تشير إليه. بشغف، كأنها ستستحضره. أو لكأنما، بفعل كاريزما كلماتها، يتراءى لها على سُمك قشرة من المثول.

لم تكن المدة التي قضياها معا كبيرة.

” لا تتجاوز الشهر والنصف”. شهر العسل. ثم بعد ذلك بقرابة شهرين، إجازة مدتها أسبوعان أمضاها في القرية. حينذاك، كانت حامل بالإبن. تتذكر أنها، في الأثناء تخوفت على مسامع الزوج: “شاموت بسبب الحملـ”. لكن الشاب الذي لم تهتز بعد ثقته بالحياة مازحها: “لا شتموتي ولا شيء، شارجع بعد شهرين ولا بك حاجة”. لم تمت، لكن شريك حياتها لم يرجع. الخبر السار بقدوم مولودهما البكر بلغه، بعد أشهر، إلى صنعاء حيث يقيم. بادر إلى إرسال مصاريف إلى أسرته لتغطية نفقات المناسبة السعيدة. بعد أسبوع من قدوم الإبن تلقت الخبر الأليم: زوجك أُعتقل. بين المعتقلين كان أخوه الأصغر وأخوها وآخرون. بعد عام أفرج عن الاثنين. “لكن الزوج ما خرجش، ضاع ولا أحد شافه، ضاع وهي”:

من مكانها المعلوم، قبالة باب الحجرة، تحدثت إلى الصحفيين. سهوا أو قصدا، خر من لسان أحدهما تلميح إلى احتمال الموت من زمان. “كيف أقتنع أنه مات؟ لو شفته بعيني ميتا، كنت شاقول الحمد لله على كل حال، لكن لا جابوا جثة ولا جنازة ولا سلموا ثيابه أو بطاقته، ولا شيء”. هكذا توالت زفراتها في التحقيق الصحفي الذي، تاليا بأيام، سيظهر في الأسبوعية “النداء”. كيف كان شكله؟”، ينبهها السؤال الذي طرحته إحدى الجارات إلى ما فاتها: عدم ملاءمة المكان الذي تعلق فيه الصورة على جدار الصالة. تغادر بقعتها. بتوازن مدهش، كما يخلق بزوجة مختفٍ قسريٍّ أن تفعل، تتخطى المتحلقات حولها في تنويعات مختلفة لذات الوضعية: وضعية المتعبد. تذهب إلى الصالة وتعود وبين يديها إطار في داخله بورتريه الزوج بالأسود والأبيض. تمرره أمام أعين الحاضرات دون أن تسيبه من يديها. تدير الإطار ناحيتها. تبحلق بحدة. لا يقدم صورة وافية عن الزوج. تكمل من ذاكرتها: “كان أسمراني وطويل…”. وتروح عيناها تفتشان في جدار الغرفة عن مكان آخر مناسب. ترى مسمارا شاغرا في ناحية. تتجه إليه. تمرر المسمار في حلقة الإطار. تعود إلى مكانها: “وعيونه كبيرة… وحدقاته شفتين العسل الصافي… وجنب واحدة منهن حبة خال صغيرة… وما كان يلبس إلا المقاطب والشمزان… وكان مغرم بالرقص… في شهر زواجنا رقصنا أني وهو لما تكسرين رجولنا..كان يفتح صوت أيوب والا فيصل علوي ويمسك بيدي ويجرني لوسط الغرفة وهات يا رقص… ساعة نرقص الزبيرية وساعة لحجي…” ذكريات المدة الوجيزة تتحرك، في حديثها، عبر حشد من التفاصيل الصغيرة التي، بفعل قوة الارتباط والرعاية، تتمدد وتنفلش لتشغل كامل الحيز الذي لحياتها فيما لو مرت بطريق آخر، عدا ذاك الذي يمر بالكارثة. ما لا تعرف أن تحكيه. ما يصيبها بالتشوش والارتباك، فعلا، كلما حاولت أن تحكيه الوجه الآخر لحياته. نشاطه السياسي. خلال المدة التي قضاياها معا لم يبح بكلمة. حين يرتطم لسانها بذلك الوجه ترتد، في العادة، نحو زفرة حارة، مع تربيتة على ركبتها: “ألله يسامحه، كيف طاوعه قلبه مقليش؟”. القليل الذي تعرفه لم تعوزها الحيلة إليه. خلال السنوات التي أعقبت اختفاءه، في الأعياد، إذ يتواجدون في القرية لقضاء الإجازة، رفاق الزوج يأتون للمقيل في منزل والد الزوج، حيث تعيش. كانت اللقاءات مناسبة للخوض في سيرة الرفيق المختفي. حينئذ، سعيهما، هي والأم، إلى التشبث ببريق أمل ولو شاحب، يدفعهما للاقتراب من باب الحجرة حيث ينعقد المقيل. تتسمران إلى جوار الباب من الخارج. ترهفا السمع. المرة تلو الأخرى، تترصع الأحاديث بكلمات مبهمة يتقاصر عنها الفهم من قبيل حزب، خلية، منشور… إلخ، لذا تُفاجأ بعد وقت قصير بخلو ذاكرتها منها. ما يتبقى، في كل مرة، الانطباع بأنهم، إذ يتحدثون عنه، فإنما يتحدثون عن وريث سلالة فريدة، بطل على الأرجح، يخص كثيرين غيرها بقدر ما يخصها. منذ ذاك، لا تبارح الإحساس شديد الوقع، المتولد حينها، بأنها، بلا دراية، وهبت قَدَرا غير عادي لمجرد الرابط الحميمي بالشخص، مدار كل ذلك التبجيل. وبأنها، نظرا لأن تلامس الجسدين مؤكد، اكتسبت، بدورها، قداسة خاصة لم يفتها ملاحظتها في أعين المحيطين. وعليه يلزمها من الآن فصاعدا، أن تكون بمستوى القدر الذي انتقاها من دون فتيات القرية جميعا. بمستوى القداسة. هكذا حدث، فيما بعد، حين يئس الآخرون- فيما عداها بالطبع- من عودته، أن رفضت عروضَ زواجٍ. رضيت عن طيب خاطر بالمهمة المقدسة: انتظار الغائب. لم تعد تخرج من البيت. وإذا ما خرجت، وذلك في حكم النادر، تعود باكراً. ذلك أنها ترغب أن تكون، حين عودته، في الانتظار. لم يكن طالبو القرب فقدوا الأمل بعد. ما إن تتفوه إحدى الوسيطات بعرض زواج حتى تفزع في وجهها: “أني أتزوج، حُرِم علي أعملها قبل ما أعرف مومصيره؟ حينئذ، يصعب على من يراقب انهمار دموعها التكهن بهوية الدافع: التحسر على شبابها الضائع، أم مأساة الزوج؟ إلا أنها في كل مرة كانت تنجح في مقاومة الإغراءات والتشبث بموقف الرفض. لم تعد تتلقى طلبات زواج الآن.”أغلقتُ الباب عليهم بالمرة…”، تقول فتغمر وجهها ابتسامة مثقلة بأنوثتها. فيما تلوح على وجوه الجارات، إذ يصغين، نظرة رومانسية مشفوعة بالتنهد، كما لو كن في حضرة التجسد الكامل لمثال الحب المستحيل. بل إن نظرات البعض تذهب إلى حد التساوي بالحسرة، ربما، من فرط الإحساس بالعوز إلى نفس المصير. بالنسبة إليهن، كانت من ذلك النوع من البشر الذي يتقاصى بسهولة في الذاكرة بمجرد الابتعاد عنه، ويسهل توهم حتى الاستغناء عن صحبته. ثم، بمرور وقت، على نحو ملح، يعاود السطوع متشحا بجاذبية خاصة مستمدة مما يفتقرن: المثابرة على شيء مفرد، وبالأخص، فيما يعنيها بالذات، فرادة المصير. عندئذ يجدن أنفسهن في قبضة الحاجة الملحة إلى أن يكن في حضرتها، مستسلمات لسماع أحاديثها، علهن بذلك يعوضن ما خُسر في فترة النسيان. وهكذا تسارع سماعات هواتفهن إلى عقد الاتفاق حول موعد الزيارة. وأحيانا يداهمن منزلها دون اتفاق مسبق، معتمدات فقط على حسن المصادفة. يحطن بمكان جلوسها. يصغين، بما يلزم من انتباه، لاستخراج الوقود المعنوي الذي يعين، إذا ما اقتضت شدة، في التغلب على جور الزمن. لا يُعرف مكان يتجمع فيه أوسع من البرنامج التلفزيوني الشهير ” نوح الطيور”، الذي تبثه فضائية صنعاء عصر كل سبت. موعد بدء البث الرابعة عصرا، الساعة التي، دون استعانة بساعة، تحددها بدقة متناهية. تتابع على الشاشة تدحرج المأساة على هيئة وجوه، نسائية في الغالب، تذرف الدمع وتتوسل، عبر ميكرفون البرنامج، رأب الصدع بأقارب لم ترد عنهم أخبار منذ سنين. إذ تبحلق بملامح خبيرة في الانتظار، لا تستطيع إلا أن تتذكر مأساتها الخاصة وتسكب الدمع. لا تنوي أن توجه مناشدة مماثلة بالطبع. ليس لأن الجرأة في الوقوف أمام كاميرا البرنامج معدومة. لكن لعدم القدرة، فيما لو فعلت، على تحمل ألم أن لا ترى لمناشدتها صدى في الحلقة القادمة. أحيانا في المطبخ، إلى جوار زوجة الابن، إذ تنشغل بتقطيع الخضروات، تتجمد حدقتاها فجأة على نضارة الأشكال الخضراء والحمراء بين يديها، تستغرب بينها وبين نفسها، فحسب، كيف الأرض التي أنبتت كل هذه النضارة بوسعها أن تنبت في نفس الوقت بشرا بقلوب تقوى على حرمان الحبيب من الحبيب! كان ذلك إلى ما قبل الزيارة المشؤومة للجنة وزارة حقوق الإنسان، عندما رست على إبقاء خاطر كهذا رهينة كرب عالمها الداخلي. لم تعد تبوح حتى لزوجة الابن. في الحقيقة، لم تعد تبوح لأي كان. تعلمت أن تتلقى الهبوب البارد لمثل هذه الخواطر وحدها. يتراءى عليها ما يشبه العثور على الترجمة الدقيقة لشعورها -بأن مأساة الواحد لا يمكنها أن تكون سوى مأساته بالذات- في ترداد: “من يده في الماء مش مثل اللي يده في النار”. الآخرون، مهما تفننت وجوههم في تشكيل الخطوط التي تعني التعاطف، يبقون على مسافة من قياس عمق الحفرة التي تتدلى، هي، من خيط رفيع فوقها. لكن ما بدر عن اللجنة يدفع الواحد إلى الكف عن حصر وجعه بالعالم الداخلي. يجعله أضعف من أن لا يصرخ بمأساته على مسامع جميع الناس. يركض بلا توقف داخل رأسه. متفقدا مدخراته من الذكريات. راصداً هكذا جماع أعصابه وطاقته في مواجهة غطرسة المحو. تأتي لحظات تحس نفسها مرهقة. تفكر أن تكف عن الجهد الذي بلا طائل. أن ترفع الراية البيضاء وخلاص. حينئذ، من باب التعاطف، كائنات فوق بشرية، رسل سماويون على الأرجح، ستجهد في تخيلهم، يقبلون عبر ضبابية الفرجة التي تفصل بين النوم واليقظة، بالهمس، أو حتى ستكتفي بأن يلمحوا تلميحا –فيما تستند إلى جذع قيلولة ما- الخبر وترتاح. لكن الراحة لا تأتي. الرسل لا يصلون. تستيقظ متكدرة. تشعر بالذنب. ترى سادة غلاظ”، مجللين بالسواد يحدقون بها. يدفعونها أمامهم باتجاه حبل المشنقة. “أعوذ بالله من النفس الأمارة بالسوء”، تتمتم. “كيف طاوعتك نفسك!”، تخاطب أخرى غير مرئية إلى جوارها. وربما، إذ تفتح عينيها، أنقذها من الأفكار الكئيبة مثول حفيدها، بالشقاوة في عينيه، فوق الرأس. يوشك أن يشد شعرها. تقبض على يده الغضة. تخصه بابتسامة، الابتسامة الوحيدة التي نجت من الشنق. يغافلها ويخلص يده في نزق، قبل أن يركض بضحكته العريضة بعيدا عنها. تستنفر حركته حنانها. تروح تركض وراءه. عند نقطة ما في الصالة تتناهى إلى مسامعهما طرقة على الباب الخارجي. يشنفان آذانهما معا بنفس القدر. يحرف الحفيد مساره إلى تلك الناحية قبلها. رؤيته يفعل ذلك تضخ البهجة في وجهها. تنتشي إذ ترى، على الوجه الغض، الطاقات الضئيلة مستنفرة إلى حدها الأقصى. تواصل وراءه. تحاذيه. تبقى بمحاذاته لبعض المسافة، متظاهرة بأنها معنية بالسباق، ثم، طوعيا، تتخلى له عن متعة الفوز بأداء المهمة. إنها تتسلى فعلا. متصورة، في الظاهر فحسب، أن المسألة تتوقف عند هذا الحد. أما في الأعماق، أعماقها بالذات، ليست بعيدة البتة عن تهجي السر الذي يرقد في قلب الشغف الذي يبديه الحفيد بفتح الباب. غير بعيدة عن المكان حيث الطمأنينة المستمدة من الإدراك أنه بوجود الحفيد، وقبله الابن، لن تكون الأرض مهددة بالجفاف من السلالة الموسومة بقدر الانتظار. لا، ما من مبرر للخشية أن لا يكون الزوج، في حال التمادى في الغياب – بعد ذهابها من الدنيا – في مأمن من التردي في وحشة أن لا ينتظره أحد. في أحايين أخرى، خصوصا تلك حيث احتمال قدوم زائر معدومة، إذ تترامى من جهة الباب، طرقة، حقيقية أو متوهمة، تجد نفسها عاجزة عن تمالك لهفتها. بقلب أعمى تماما عن الحفيد، يركض إلى جوارها، تصل إلى الباب قبله. حينئذ، ما من مفر من التعامل بقدر من الحكمة مع البرطمة الاستنكارية التي ستعلو ملامحه. لم يعد في مزاج مناسب لتبادل الكلام مع أحد. وسيناسبها، في الواقع سيناسب بقية أفراد العائلة، تركه يحتفظ بما يكفي من الغضب لكي يتجول، لبعض الوقت، متبرما، مسقطا القلافد المنظومة هنا أو هناك، على الطاولات والرفوف الخفيضة. “والله إنه أخذ طبع جده”، تقسم: “أني متأكدة لو ما كنش جده أكه عنيد وشكس ما حصله اللي حصلـ”. ليس بدافع التشفي بالطبع، إنما نكاية بالاحتمال الذي، دون سواه، حاز ميزة التجسد واقعيا، وأكثر من ذلك، يمارس عليها وطأة تفوق وطأة الواقع. في كل حال، الانطباع حول الزوج ليس مستخلصا من خبرة عملية. مدة المعاشرة كانت أضيق من أن تسمح بتفتح كامل لطباعه أمامها. فيما لم تتعد معرفتها به قبل الزواج الثلاث المرات. في الأثناء، رأته من بعيد، يسير مجتازا مخاليف قريتها، التي تبعد بضعة فراسخ عن قريته. كان يتردد على أخيها الذي لن تنسى، ما حييت، تربيته، صباح العرس، على كتفها. وبشكل أخص كلماته: “شوفي زوجتك شاب غير الشباب كلهم.. ضعيه في حدقات عيونكـ”. بقي المغزى محجوبا لبعض الوقت، بالتحديد إلى أن وصل خبر اعتقالهما. حينئذ، ستعرف أنهما، الأخ والزوج، كانا نديمي الأحلام والاهتمامات السرية ذاتها. لم تعوز الوسائل لإكمال الصورة. إلى أحاديث الأم والأب والإخوة، آخرون، فيما مضى، سردوا عنه الحكايات. حسب شاهد عيان على اعتقاله: سار وسط رجال الأمن في هيئة من يستعرض أمجادا شخصية. وفي عشية يوم الاعتقال جيء به لبعض الوقت إلى زنزانة يقبع فيها معتقل آخر من أبناء قرية مجاورة. كانت الدماء تسيل من رأسه وتغطي ملابسه، مع ذلك أبدى من رباطة الجأش ما رفع معنويات الرفاق. دون أن يكف فمه عن رشهم -أي جلاديه- بالسباب. حدث ذلك في صيف العام 1978 حين اقتضت سادية بعض رموز النظام الزج بمئات الأبرياء، معارضين وغير معارضين، في المعتقلات وإرغام بعضهم على عدم مغادرتها إلى الأبد، بمبرر وضع حد لتقلقل كرسي الرئاسة الذي في صنعاء، حيث تقيم منذ خمس سنوات، ليس عن رغبة. لكن لأن، في اللحظة الأخيرة، قبل أن ترد بالرفض على عرض الابن لها بالانتقال إلى العيش بجواره، السلك الخفي الذي هجست وجوده بينها وبين الزوج بدا قابلا للتحقق نظراً لقرب المسافة. لم يتحقق السلك. سوى أنها حين تتذكر مثل تلك الحكايات، تتوزعها مشاعر متضاربة تتراوح بين الفخر والتألم لأجله. تتألم لدرجة تتمنى لو، عوضا عنه، تقاضت، هي، القسط المقدر من العذاب. لا تعرف بالضبط في الميل إلى جوار أيِّا من هذه المشاعر تجد راحتها أكثر. لا تعرف من، على وجه التقريب، يتخبط في المحنة أكثر، هي أم الزوج؟ إمعانها في محنته يخلّيها بمنأى عن أن تعرف. محنتها لا تبدو أكثر من غبش خفيف سرعان ما ينقشع في مهب النور الساطع المنبعث من محنة المختفي.

***