طاهش الحرب الذي سرق الفرحة من عبدالمؤمن وأسرته

طاهش الحرب الذي سرق الفرحة من عبدالمؤمن وأسرته

نادرة عبدالقدوس

nadra

عبد المؤمن اسم يضاف إلى قائمة المفقودين الذين ابتلعتهم الأرض في غفلة من الزمن. ولد عبد المؤمن لأسرة متوسطة الحال، في قرية الأعبوس بتعز. وكان ترتيبه الخامس بين سبعة أخوة، تميز عنهم بحبه للتعليم، لذلك ترك حضن أمه والقرية ليلحق بأبيه في مدينة عدن. وقد كان الأب يعمل في مطعم صغير في شارع الزعفران بكريتر، وكان عبد المؤمن (حينها) لم يتعد سن الطفولة، لكنه أنهى التعليم الابتدائي في مدارس تعز، وأكمله في مدارس عدن.

شطحت أحلامه بعيداً، إلى التخصص في العلوم الزراعية. ولأن النظام السياسي في عدن آنذاك لا يفرق بين أبناء المناطق اليمنية، وكيف له ذلك، وهو الذي كان يرفع شعار النضال من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية وتحقيق الوحدة اليمنية!! وكان أبناء اليمن جميعهم دون تمييز، يحصلون على حق التعليم المجاني في كل مراحل التعليم داخل الوطن، وعند الابتعاث إلى الدراسات العليا في الخارج، إذ كان لا يفرق بين ابن فقير أوغني، أو ابن خادم أو وزير… وهكذا حظي عبد المؤمن بالحق بالتعليم العالي في الاتحاد السوفيتي ليلتحق بكلية الزراعة في موسكو عام 1975م.

عبد المؤمن عبده نعمان. من مواليد تعز عام 1952م، الطول: 5 بوصات و5 أقدام، لون العينين: أسود، لون الشعر: أسود.. هذه المعلومات بحذافيرها مسجلة في جواز سفره الصادر في عدن بتاريخ 2/7/1975م. وكان آخر تجديد له في 29/ 6/ 1982 م.

تخرج عام 1981م ليعمل في محافظة أبين مهندساً زراعياً في مركز الأبحاث الزراعية منطقة الكود. ولم يتبق غير أن يكمل نصف دينه بعد ما تحقق حلمه في التعليم والعمل بالتخصص الذي شب معه.

خطبت له أمه فتاة من القرية، وكان إحساس أمِّه صائباً، فقد كانت نعم الزوجة المحبة، ونعم الأم الرؤوم، ونعم الأرملة التي حافظت على ذكرى زوجها، الذي لم تعترف برحيله عن دنيانا وعدته فقيداً وحياُ يرزق.. فهو أخبرها بنيته لزيارتهم في القرية حيث كانت مع أطفالهما هناك ريثما تنقضي فترة النفاس، إذ وضعت طفلهما الرابع. “انتظرت الأسرة مقدم الأب الحنون”. هكذا وصفته ابنته الشابة ” رنا “، الكبرى بين أخوتها، التي التقيتها بعد موعد اتفقنا عليه لسرد قصة الأب، الذي انتظر حتى يهدأ ” طاهش ” الحرب ليحمل هدايا عيد الأضحى لأطفاله الأربعة، من بينهم المولود الجديد الذي طلب من زوجته أن يحمل أيضا اسمه في بدايته حرف الراء كبقية أسماء أخوته، فهناك غير رنا، ” رانية ” و ” رامي ” فليكن اسمه ” راني “.. إلا أن طاهش الحرب يبدو أنه تربص بالأب المسكين وهو في طريقه إلى مدينة تعز، ولم يمهله الفرصة لرؤية طفله المولود، وطبْع قبلة شكر على جبين زوجته، التي أنجبت ولداً جديداً إلى جانب الولد الثالث في ترتيبه بعد أختين تكبرانهما.

لم يعرف أحد سيناريو الخطف أو القتل أو… ولم تجد الأسرة أي دليل يوصلها إلى الحقيقة، التي غابت في الرمال… انتهت الحرب ولم يصل هو إلى القرية. كان يحمل بين ثنايا فؤاده حلماً صغيراً وفرحة كبيرة تجاوزت سعة الدنيا… حسدته الدنيا، كان ذلك في 27/7/1994م.

تقول ابنته: ” كل يوم نعيش في رعب الطرد من البيت الذي يأوينا في الكود، وهو البيت الذي حصل عليه أبي من مركز الأبحاث الزراعية، إذ يقولون إننا لم نأتِ بدليل يؤكد مماته، أو أنه على قيد الحياة، لذا فإنهم أيضاً لا يمنحوننا الراتب لبضعة أشهر… لقد تناسوا أن أبي حافظ طوال الحرب على أجهزة ومعدات المختبر في المركز. أبي لم ينتم إلى أي حزب أو تنظيم سياسي، كان لا يهتم إلا بعمله وبيته وأسرته “. ورنا، الفرحة الأولى لعبد المؤمن، الحاصلة على معدل جيد جداً في الثانوية العامة العام المنصرم في القسم العلمي، يؤهلها للدراسة في كلية الهندسة “برمجة حاسوبـ” بجامعة عدن (هكذا تحلم)، والحاصلة كذلك على منحة مجانية في “الأميدست” لتعلم اللغة الإنجليزية لتفوقها في هذه اللغة بالمدرسة تضيف قائلة: “إننا نعاني من مشاكل كثيرة منها أنهم في مركز الأبحاث يهددونا بقطع الراتب، لا أدري كيف سنعيش بعد ذلك!؟ وأخوتي ما زالوا في المدرسة، فأختي رانية في الثالث ثانوي، وأخي رامي في الثاني ثانوي، أما أخي نديم ففي الثامن ابتدائي..” قاطعتها: ” لماذا نديم أليس اسمه راني؟ ” ومن خلف ابتسامة حزينة جاءت كلماتها متلعثمة: ” كان من المفترض أن يكون اسمه راني، لكن أمي أسمته “نديم” تعبيراً عن ندمها على بعدها عن أبي في تلك الفترة، وعلى حزنها الشديد عليه.. “.

***