رحلة قسرية إلى سقطرى!

عبدالسلام عمر حسن، مهندس طيران، برتبة ملازم خريج الاتحاد السوفييتي (سابقاً)، شاب طموح علقت أسرته عليه آمال كبيرة مضافة إلى أحلامه وآماله الخاصة عليه السعي لتحقيقها.

لكن، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، إذ لم تتح له فرصة، لتحقيق شيء مما يصبو إليه وما تصبو إليه أسرته؛ كان هناك من فتح أبواب الجحيم لتتطاير حمماً وشظايا وأزيز رصاص في ال13 من يناير 1986.

كان في عمله عندما بدأ الاقتتال. لم يكن يحمل سلاحاً، وذلك شيء عادي حينذاك في معظم وحدات القوات المسلحة في عدن، تجد ضباط وأفراد تلك الوحدات دون سلاح إلا المناط بهم أداء بعض الواجبات والمهام كالحراسة، فقط بعض كبار الضباط لديهم مسدسات.

غادر رفقة 4 من زملائه في العمل. حالما سنحت لهم فرصة غادروا معسكرهم عائدين لمنازلهم وأسرهم مدركين أن لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحدث من قتال إذ لم يوزع عليهم أي من الفرقاء سلاح ليشاركوهم جنونهم الذي تلبسهم قبيل عدة أشهر ولم يسع أحد ممن كان يفترض فيهم أنهم مسؤولون لكبح جماح هذا الجنون الذي ترك ليتفاقم.

كان جل همهم أن يصلوا إلى منازلهم بسلام. مضوا في طريقهم حتى بلغوا جولة كالتكس، كانت كل جولات عدن وتقاطع طرقها نقاط تفتيش استخدمت منذ الطلقة الأولى.

أوقفوا، طُلب إليهم إبراز بطائق هوياتهم إذ كان الاعتقال حينها حسب الهوية. إذ لا يهم إن شاركت في القتال الدائر حينها من عدمه، المهم من أين أنت جغرافياً يُحدد مصيرك.

وهذا ما حدث لعبدالسلام وغيره كثر، كانوا خمسة -بحسب شاهد عيان اتصل بأسرة عبدالسلام- اقتادهم شخص يدعى «عبدالحميد» من جولة كالتكس إلى سجن المنصورة ليلبثوا فيه يوم أو بعض يوم، ويرحلوا إلى معتقل «مدرسة النجمة الحمراء» هناك اكتشف أحد السجانين أن من بين نزلاء المعتقل من يمت بصلة قرابة للمعتقل القادم «عبدالسلام».

وهكذا كان على عبدالسلام مواصلة رحلته القسرية ليصل إلى سجن الضالع (قصر الأمير شعفل).

مطلع فبراير 1986م وصل إلى منزل عبدالسلام شخص قادم من الضالع (أحد عناصر الأمن) ليبلغ والده بأنه رأى إبنه في سجن الضالع. طلب الأب من «فاعل الخير» أن يصطحبه معه ليزور إبنه ويطمئن عليه. رفض عرض والد عبدالسلام بحجة خوفه عليه من ان يُزج به في السجن إلى جوار إبنه، مقترحاً بأن تذهب الأم عوضاً عنه لسجن الضالع علّها تتمكن من زيارة ابنها، لأنها امرأة واحتمال زجها في السجن مستبعد جداً. رفض الأب المقترح خوفاً مما قد ينالها من عنت وإذلال.

لاحقاً أبلغ شخص متعاطف مع الأسرة، أم عبد السلام، بأن إبنها ومعتقلين آخرين واصلوا رحلتهم الاجبارية من الضالع إلى سجن المشاريع بعدن. ذهبت هي لزيارة قريب لها معتقل في سجن الفتح دقائق سُمح لها. وقبل نهاية الزيارة يتلقى قريبها ضربة بعقب بندقية حارسه على ظهره ليدخله زنزنته مرة اخرى، هناك عرفت أنه يمضي «عبدالسلام» في رحيله الاجباري إلى سجن الفتح الشهير قادماً إليه من سجن المشاريع. ويفيد شاهد عيان أسرة عبدالسلام بانه تم ترحيل مهندسي الطيران الارضيين والجويين وأيضاً الطيارين المعتقلين على متن زورق إلى جزيرة سقطرى. رحلة قسرية صوب المجهول حتى اللحظة: متى ينتهي هذا العبث بمصير انسان هذه البلاد. من حق هذه الأم معرفة مصير فلذة كبدها. إن كان على قيد الحياة أين هو؟! وإنْ كان صُفي جسدياً فمن يدل أمه على قبره؟

أسرة عبدالسلام تتسلم، بعد متابعات مضنية، من الدولة راتباً هو أقل من راتب جندي وهو الذي اختفى قسرياً برتبة ملازم أول.

***