علي.. الذي خرج للبقالة… ولم يعد

المختفون قسرياً(3)

علي يوسف أحمد غلام، من مواليد 4/7/1968 مدينة كريتر – عدن. كان في السادسة والعشرين من عمره حين خرج من بيته لشراء شيءٍ ما… ولم يعد!!

كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصراً أو ما دون ذلك يوم 26 يونيو عام 1994م: العام المشؤوم الذي أحرق فيه الزرع والضرع وقُتل فيه الأبرياء من عامة الشعب دون أي ذنب اقترفوه، وحتى اللحظة لم يتمكنوا من فك طلاسم سر اللعبة السياسية. ناشدته أمه ألا يخرج لأن الأوضاع يلفها الغموض، ولا زال دوي مدافع الهاون يُسمع صداها من أماكن غير بعيدة، لكنه هدأ من روعها بمنتهى اللطف واستأذنها بالخروج إلى البقالة لشراء بعض الأغراض.

تقول أمه التي كانت محاولاتها تبوء بالفشل لتداري دموعها وهي تروي لي حكاية الابن الذكر الذي دعت ربها ليل نهار بأن يهبها وزوجها إياه وسط أربع بنات، فجاء بعد 8 سنوات من الانتظار: ” يومها كانت يده مجروحة (بسبب) سقوطه من سيارة أخذته مع مجموعة لحراسة مكتب المحافظ أثناء الحرب، وملفوفة بقماش أبيض. قلت له يدك مجروحة خليك هنا يابني، لا تخرج شوف الدنيا مش أمان، أترجيته رجاء لكنه، الله يرحمه، إذا كان حي أو ميت، رفض يسمعني وقال لي يا أماه البقالة بالحافة مش بعيدة، دقيقة وراجع لكم، خرج وما عادش لنا”، (أجهشت بالبكاء).

يا ترى كم شاب مثل علي خرج ولم يعد؟! وكأنما هناك أشباح متربصة للحوم البشرية ما إن تشم رائحتها حتى تقوم باختطافه بلمح البصر دون أن تترك بصمات أو آثار يمكن اقتفاؤها!!

ألقى “أبو علي” جسده النحيل المتعَب على أرض الغرفة الصغيرة ليأخذ مكاناً بجانب بناته اللائي حضرن لقائي بالأسرة في منزلها. قرأت في عينيه الناظرتين إليً سؤالاً، كأن، ينتظر مني جواباً شافياً له.. فهو الأب الذي ربى ابنه، ككل أب شرقي، ليصبح الرجل الثاني في الأسرة يحمل اسمه ويحمي أخواته الأربع استحضر ابنه: ” كان شاباً حيوياً، شجاعاً، ذكياً، محباً للحياة وللعلم، كان ينتظر الالتحاق بالجامعة بعد الثانوية العامة قسم علمي، لكنه لم يفلح، ولم يفلح كذلك في الحصول على وظيفة! “. وأضاف بنبرة حزينة: ” لم أكن موجوداً في البلاد أثناء الحرب، إذ كنت في عمل خارج الوطن.. كنت في الماضي أشغل منصباً قيادياً في اليمدا، كنت مديراً لمكاتبها في دول عدة، وقد أُحلت على المعاش عام 2000م.. “، توقف الأب عن الحديث. هكذا يتلاشى أصحاب الضمائر الحية، سيتقلص عدد هؤلاء الناس. مسكين أبو علي لم تشفع له وظيفته القيادية ولا ثقافته ولا تعليمه العالي من توظيف ابنه. ولم تشفع الوظيفة السابقة في وزارة الاتصالات للأم الثكلى التي بسبب مرضها تركتها عام 1989م وكانت تشغل حينها منصب مديرة الاتصالات الدولية… في حين يتوارث اليوم الأبناء الآباء في وظائفهم ومواقعهم المختلفة في مفاصل الدولة والحكومة دون مؤهل يحملونه أو كفاءة. آه يا قدرنا في هذا الوطن المغلوب على أمره!! ويا تعاسة المواطنين البسطاء الغرباء فيه!! وهاهم يقدمون فلذات أكبادهم قرابين له.

***

الأستاذة ليلى أحمد غلام، وهي مربية فاضلة أحيلت إلى التقاعد بعد 35 عاماً في سلك التدريس وإدارة عديد من المدارس في محافظة عدن (كانت معلمتي في المرحلة الإعدادية، وقد فوجئت حين زرت عائلة “علي” بأنها عمته) تمسك بطرف الخيط، الذي ربما يمسك طرفه الآخر من يملك الإجابة على سؤال أسرة علي عن مصير ابنها. روت لي الأستاذة ليلى تفاصيل بحثها عن ابن أخيها الذي بدأته بعد هدوء لعلعة الرصاص وجنون مدافع الهاون التي كانت تُقذف هنا وهناك في عدن وضواحيها من قبل أناس خُدعوا بفتوى تكفر أخوتهم في الدين والملة والأرض والتاريخ واللغة والدم والعرق و.. و..: “. بعد الحرب بدأنا بالسؤال عن علي الذي خرج ولم يعد. شهود عيان أكدوا لنا أنه أُخذ بالقوة مع مجموعة فوق سيارة كبيرة إلى جهة غير معروفة، ثم علمنا أنه أُخذ مع المجموعة إلى معسكر هواري بومدين في منطقة صبر (إحدى ضواحي عدن).. وذهبنا إلى هناك، ولكنهم في المعسكر أخبرونا أنهم لا يعرفوا شيئاً عنه وأنه خرج مع كل المحتجزين ولم يعد في المعسكر أي منهم. ولكن شهود عيان كانوا من ضمن المعتقلين هناك أفادوا بأنه في فجر أحد الأيام قامت مجموعة من الملتحين بأخذ علي مع خمسة آخرين كانوا في المعتقل بعد أن عصبوا عيونهم وربطوا أياديهم إلى الخلف، ولم يظهر بعدها هو والمجموعة!!! “. عمة علي قائلة: ” علمنا أن واحداً اسمه عبد الولي الشميري كان المسؤول عن معسكر صبر هاديك الأيام.. رحنا له بعد أن سألنا عن بيته، لكنه قال لنا إن كل المجاميع اللي كانت عنده في المعسكر أُطلقوا.. وعدنا إلى عدن بعدها عرفنا أن الإصلاحيين هم اللي أخذوه. رحنا لأمين عام الإصلاح اليدومي، ولكنه أنكر معرفته بعلي وبمصير علي، وأكد أن كل المعتقلين اللي كانوا عند حزب الإصلاح أُفرج عنهم… طيب فين ابن أخي؟؟ إذا الكل يقول بأنهم أطلقوا سراح المعتقلين!! وفين البقية اللي كانوا مع ابن أخي؟؟ هم كمان مختفيين!! “. هكذا سألت عمة علي المختفي قسراً. أين هو؟ وطالبت بأن يتم الكشف عن المتواطئين في جريمة اختطاف ابن أخيها والكشف فوراً عن مصيره.

سؤال يردده اليوم كثير من الثكالى والمكلومين واليتامى والأرامل… ولا يسمع غير صداه في زواياك ياوطني، الذي باسمك يُستباح فيه القتل نهاراً جهاراً على ترابك الطاهر… وباسمك تُلقى الأحكام جزافاً على الضعفاء، ويحق أيضاً أن تُرمى لحومهم للكلاب الضالة.. وباسمك يموت هابيل كل يوم.. وباسمك يعيش قارون على أشلائك حتى اليوم. لكلٍ طقوسه في التعبير عن حبه لك حتى تاهت مقاييس الحب، وتبعثرت مشاعرنا في زحمة الاقتتال من أجل تقبيلك، فماتت رعشتنا في مفترق الطريق.

 

***