أبي.. لا مزيد!

كنت، أنا أحمد صالح، في الخامسة والنصف من عمري عندما شاهدت والدي لآخر مرة مساء 24 يونيو 1994.

كنا قد انتقلنا إلى منزل جدتي (لأمي) الكائن في المعلا. وإلى ذلك المنزل كان والدي الرائد صالح مقبل صالح المقبلي، الضابط في معسكر الجلاء في البريقة (صلاح الدين) يتردد لزيارتنا كلما سنحت له الظروف خلال الحرب.

– أحمد صالح

مساء 24 يونيو جاء والدي للاطمئنان على أسرته الصغيرة: والدتي أمل أحمد عبدالله يعقوب خان، واختي نيفين التي تكبرني بعامين، وأخي علي المولود في 15 مايو 1992. ما زلت أذكر هيئته جيداً، وما تزال انفعالات اليوم الأخير منقوشة في ذاكرتي. أتذكر والدتي وهي ترجو منه البقاء معنا. قالت له: «إجلس معنا، أني خايفة عليك»، لكنه طمنها بأنه لن يتعرض لأذى، وأبلغها بأنه لا يستطيع أن يتخلى عن واجبه الوطني. تلطف معنا، ثم غادرنا، وكان الحس بالخطر الوشيك يتحكم بوالدتي.

ذهب ولم يعد. لم نره ثانية، لم نتلق أية أخبار عنه، لم توافنا جهة، بأية بيانات عن مصيره. لم تتفضل أية منظمة حقوقية بزيارتنا يوماً، ولم يبادر أحد ما إلى التخفيف عنا، كنّا وحيدين وما نزال كذلك.

وها إن اليأس يكاد يجهز على آخر بارقة أمل في قلوبنا بعد انقضاء 13 عاماً على غيابه.

انتزعت حرب 1994 أبي من بيننا، ومعه انتزعت السلام من أسرتنا الصغيرة.

أذكر والدي جيداً: دفئه الذي لم أذقه منذ اختفائه قسرياً، وصرامته التي كانت تظهر ساعة يشعر بالقلق علينا، كما في ظهيرة أحد أيام ما قبل كارثة الحرب. خارج منزلنا المتواضع في البريقة، كنت أقود دراجتي ذات الثلاث عجلات، فمرقت سيارة مسرعة كادت تدهسني، فهرع أبي إلى المكان لينهرني من معاودة اللعب بدراجتي في وسط الشارع.

حرمتني الحرب من صرامة الأب!

خلال إحدى زيارات والدي مطلع أيام الحرب، كان دوي يملأ المكان، مثيراً الذعر في نفوسنا، سألت أبي: أبا أيش دي القوارح؟، رد باسماً: لا تخفش هذي طماش! لم تكن طماش، فصباح اليوم الأول للحرب دوَّى انفجار جوار بيتنا في البريقة. لم أصمد أمام فضولي الجارف، أنا الأبن الذي يحمل سر أبيه وجيناته، أبي الضابط الشاب المتخصص في القيادة التكنيكية لفصيلة مدفعية. سارعت إلى الخروج من البيت وكنت أول من شاهد قذيفة صاروخية (غير محملة بمتفجرات) في الشارع. وقيل لي إن الصاروخ الذي لم يترتب عليه أية أضرار مادية أو بشرية، أطلق من معسكر الجلاء لأغراض تجريبية. لكنها الحرب تودي بحياة الأبرياء. فظهيرة اليوم نفسه قدمت جدتي إلى بيتنا لتأخذنا إلى بيتها الآمن في المعلا. وافقت والدتي، وغادرنا جميعاً رفقة الجدة الطيبة.

ولد أبي في قرية «زُبيد» بمحافظة الضالع عام 1963. بعد إنهائه المرحلة الثانوية، التحق بالكلية العسكرية عام 1982، وتخرج بعد عامين ضابطاً متخصصاً في القيادة التكنيكية لفصيلة مدفعية. وقتها كان الضابط الشاب قد تزوج قبل عام من أمل أحمد عبدالله يعقوب خان. وطبق العقد، فقد تم الزواج في 25 رمضان 1403 الموافق 6 يوليو 1983.

علمتني محنة أسرتي أن أحفظ التواريخ جيداً. سكن والداي منزلاً متواضعاً في البريقة -مديرية الشعب، عدن. اختار أبي أن يقيم قريباً من معسكر الجلاء حيث يعمل. في 19 يونيو 1986 انجبت أمي «نيفين»، شقيقتي التي أكملت الثانوية العامة لكنها اضطرت الآن إلى العمل لمساعدتنا.

كنت الثاني في الترتيب، فقد ولدت في 22 نوفمبر 1988. ثم انضم أخي علي إلى عالمنا في 15 مايو 1992. كان أسوأنا حظاً، لم ينعم قط بالكبر في كنف أب فبعد أقل من عامين اندلعت الحرب، غيبت أبي، ودفعت بنا إلى العراء.

انتهت الحرب، وبدأت رحلة البحث عن أبي. انتظرت أمي لأسابيع عودته، دون جدوى. كنا ما نزال نقيم في منزل جدتي. إذ أن البيت الذي كنا نسكنه في البريقة، لم يُعد لنا، بعد اختفاء أبي. وقد أبلغتني أمي بأن البيت تابع للجيش، ولم يعد من حقنا الإقامة فيه ما دام أبي لم يعد يشغل عمله في المعسكر!

في 16 نوفمبر 1994، أي بعد نحو 3 أشهر من انتهاء الحرب، غادرت أمي مدينتها عدن إلى صنعاء، لمتابعة صرف مصدر معيشتنا الوحيد: راتب الأب المختفي قسرياً. كانت وزارة الدفاع تقوم حينها بدمج القوات الجنوبية بالجيش، لكن اسم أبي لم يظهر في قائمة الضباط المدموجين في قوة اللواء 11 صواريخ -الحرس الجمهوري. وكان معنى هذا أن نفقد مصدر رزقنا الوحيد.

استغرقت أسرتي وقتاً لإدراج إسم والدي في قوائم المرتبات في الدائرة المالية بوزارة الدفاع. وقد توجب على أمي أن تنصاع للأنظمة الظالمة، وتستخرج شهادة وفاة، ليس باستلام راتب أبي في عدن.

الراتب الذي نتحصل عليه يبلغ 18 الف ريال، يذهب 15 الف ريال منه لسداد إيجار سكننا المتواضع في شعب العيدروس بعدن!

أدرس في ثانوية لطفي جعفر أمان، وأستعد الآن لامتحانات الثانوية. ويدرس علي الصف التاسع في مدرسة شمسان. ولم تتمكن نيفين من مواصلة دراستها الجامعية، وهي تعمل لمساعدة أمي على تغطية ما أمكن من احتياجاتنا الضرورية. ونحن جميعاً نعرف معنى الحرب التي أودت بالأبرياء، وشردت أسرهم، وضيعت ممتلكاتهم. ومع الوقت كبرت معاناتنا، وفقدنا سنة بعد سنة كل سند. أذكر جدي لأمي أحمد عبدالله خان، الذي كرَّس وقته وجهده للبحث عن صهره الرائد صالح مقبل صالح المقبلي. بعد عامين من الاختفاء القسري لأبي، تنقل جدي بين المحافظات بحثاً عنه. ثم غادر إلى الخليج لاحقاً. أملاً في الحصول على أية بيانات من زملاء والدي المنفيين هناك وفي نهاية 2000، وكنت حينها أدرس الصف السادس، سافرنا جميعاً، أمي وشقيقاي وأنا، رفقة جدي إلى أبو ظبي، بحثاً عن خيط يوصلنا إلى مصير أبي. والآن فإننا وحيدون نكدح لنحيا، بعدما توفي جدي، رحمه الله، قبل عام ونصف. وكانت جدتي قد سبقته إلى الدار الآخرة قبل عامين.

لم أعرف جداي لأبي قط. مات جدي عندما كان والدي في ال12 من العمر، أما جدتي فقد ماتت بعيد ميلاد نيفين. لا أعرف بدقة تواريخ وفاة أجدادي، ولكنني تخصصت، كما والدتي ونيفين وعلي، في التنقيب وراء سيرة أبي الرائد صالح المقبلي الذي حُررت بإسمه شهادة وفاة صادرة من الأحوال المدنية بمديرية صيرة -عدن في 9 يونيو 1997 تفيد بأنه توفى 24 يونيو 1994 في مدينة صلاح الدين بمديرية الشعب -محافظة عدن.

في الوثائق الرسمية تحول تاريخ مغادرة والدي لمنزل جدتي في المعلا إلى تاريخ وفاة، لكننا، أمي ونيفين وعلي وأنا، ما زلنا بعد مضي 13 عاماً على الحرب، نتطلع لمعرفة ماذا حصل بالضبط بعد مساء 24 يونيو 1994، ذلك اليوم الذي صار تاريخ وفاته في وثائق وزارة الدفاع ومصلحة الأحوال المدنية.

وإذا كان حقاً مات فإن على الجهات المختصة في الدولة أن تتكرم علينا بالكشف عن قبره ليتسنى لنا زيارته وقراءة الفاتحة على روحه.

***