ضحايا الاختفاء القسري.. جراح لم تندمل بعد!!

تعاقبت الانظمة ولم يعترف أو يعتذر احد لذوي الضحايا. لم يفكروا برد اعتبار هؤلاء وتعويضهم. المنظمات المعنية بحقوق الانسان في بلدنا لم تطالب السلطات يوماً برد اعتبار المختفين، وتعويض ذويهم، ومعرفة مصيرهم قبل كل شيء. فعلت المفوضية السامية التابعة للامم المتحدة ذلك لمرة وصمتت. (يجب الاشارة إلى جهد بذل من قبل المنظمة اليمنية للدفاع عن حقوق الانسان والحريات الديمقراطية التي كان يرأسها د/أحمد الكازمي بعدن التي بذلت جهوداً لجمع معلومات عن ضحايا الاختفاء القسري في اليمن، ولكن المنظمة الآن تعيش حالة موت سريري!!).

من حق أسرته أن تعرف مصيره

علوي عبدالقادر العراشة. كثيرون ممن يعرفون الرجل يذكرونه بالثناء عليه: شهامة, وكرماً، ودماثة خلق.

مساء يوم ال23/2/1972م، ليس تاريخ ميلاده؛ إنه يوم وتاريخ اختفاءه، تقريباً اليوم الأخير الذي شوهد فيه.

قبل قرابة عامين شاهد عيان على اختفائه روى لي ما شاهده حينها. ظلت روايته في تلافيف الذاكرة. شراكها حاضرة في ذاكرتي. ومضيت لألتقي شقيقه الأكبر: سقاف عبدالقادر العراشة، لأسمع منه ما يعرفه عن ملابسات اختفاء شقيقه. بدأ حديثه معي قائلاً: «كنت في جعار في السجن (اعتُقل لانتمائه للتنظيم الشعبي لجبهة التحرير وهو كان من العناصر القيادية الناشطة فيها) جلب معه لي وجبة غداء وسجائر وأتى لزيارتي، (كان يحدثني وعيناه مثبتتان للأفق مستعيداً تلك الأحداث وكأنها حدثت للتو كفلم سينما تمر أحداثه أمام عينيه). سألته عمن أتى معه، سمى لي خمسة أشخاص أعرفهم بعضهم يسكن جوار مزرعتنا في قرية مجاورة للمزرعة، وستة من قرية الديو، كنت طلبت منه قبل ذلك اليوم عندما زارني قبل زيارته الأخيرة أن يأخذ الوالدة ويغادر إلى عدن، سألته: لماذا أتيت لزيارتي؟ ألم أطلب منك أن تأخذ الوالدة وتذهب إلى عدن؟! تجادلنا في هذا الأمر. هو لا يريد أن يترك المنزل والمزرعة ولا يرى سبباً موجباً لذلك. وأنا من سجني أرى اضطراب الأوضاع السياسية و الفوضى التي كانت سائدة آنذاك.

وعدني: غداً سنذهب أنا والوالدة إلى عدن. طلبت منه توخي الحذر. مضى ومن كانوا معه، تناولوا الغداء وخزنوا. عصراً سألهم إن كانوا مروحين، أجابوه بأنهم سيتأخرون. واحد منهم رافقه في طريق عودته إلى البيت، لم تمر سوى دقائق. الساعة تقترب من الخامسة مساء… (سألته مقاطعاً: كيف عرفت هذه التفاصيل وأنت في السجن؟) عرفت ذلك بعد سنوات طويلة عرفته من شهود عيان شاهدوه يومذاك وكذلك واحد ممن كانوا معه يومها روى لي ما حدث بأثر رجعي كان ذلك في عام 199٠م عقب عودتي من منفاي الاختياري: دولة الامارات العربية. (وواصل رواية صحبه الذين قالوا له بأنهم سيتأخرون).. لحقوا به في سيارة تابعة للصحة وأدركوه قبل أن يصل منزله، لحقوا به في الوادي، أبلغوه بأنه مطلوب وعليه مرافقتهم.

تساءل: ماذا فعلت؟! نحن معاً دائماً معاً ونعرف بعضنا من سنوات طويلة بحكم الجيرة و…إلخ! كانوا ضيوفه على الغداء وشاركوه ذات المقيل قبيل دقائق كانوا مخزنين معاً، سألهم عما إذا كانت لديهم توجيهات من جهة رسمية باحتجازه، اعتقاله. أجابوه بأن لا حاجة بهم لذلك وأن عليه أن ينفذ ما طُلب منه وينصاع لهم ويركب السيارة، رفض وتشاجر معهم، مزقوا قميصه تمكن من الهرب منهم، هو أعزل مدني مسالم! أشجار الوادي الكثيفة مكنته من التخفي والهرب، عاد أدراجه صوب منطقة المخزن، طرق باب عامل يعمل لديه في المزرعة، طلب منه إبلاغ اسرته بما حدث معه في الوادي والاشخاص الذين حاولوا خطفه وذهب بعدها مباشرة إلى مقر اللجنة الشعبية بالمخزن (الميليشيا) الكائن في مقر تعاونية المخزن ليبلغ بما حدث معه، هو واثق من أنه بريء، تصرف بفائض براءة، لم يدر أنه كان المستجير من الرمضاء بالنار، زُج به في السجن، تساءل: لماذا تسجنوني؟ ردوا عليه: نحميك منهم. مساء نفس الليلة اقتيد من مقر اللجنة الشعبية بالمخزن صوب المجهول!!».

لم يعرف عنه شيء. خاطبت والدته وأخوته شقيقه الأكبر سقاف الذي أُفرج عنه بعيد اختطاف أخيه لمدة 12 يوماً فقط وُزج به بعدها في السجن لسبع سنوات عجاف. ردود الجهات المسؤولة يومها: لا ندري! أبحثوا عنه ربما يكون عند بعض أقاربه في لحج. وبعد ذلك كان ردهم: حرب الشمال؟!

من حق أسرته أن تعرف مصيره. هو ليس الوحيد؛ كثير كان مصيرهم مماثل وإن أختلفت التفاصيل:

الهارب إلى الشمال

حسين عمر عبدالله السقاف متزوج وأب لتسعة، 4 ذكور و5 اناث. مدني. في تمام الثالثة و النصف عصراً يوم 26/6/1973م كان الرجل مقيل في منزله بقرية الخاملة م/ أبين بين أفراد اسرته وأولاده. ثلاثة مدنيون يوقفون سيارتهم في الوادي القريب من القرية يطرقون باب منزله، يفتح لهم ، يطلبون منه مرافقتهم لساعات لسواله عن اشياء تعلمها الجهة التي ارسلتهم له!!

قسمات وجوههم تشي بالخطر حال رفض ذلك. اطفاله الصغار حوله. خاف ان يحدث مكروه لعائلته إن أبى الذهاب معهم، رافقهم. شهود عيان، أفادوا حينها بأنهم رأوه وهم يدخلون به بوابة جهاز أمن الدولة حينها في أبين.

إقتيد أيضاً نحو المجهول. نجله الأكبر عمر حسين عند سماعي له روى كيف صادروا سيارة والده. لم يكتفوا بذلك بل طالت المصادرة آليات زراعية لجده وتبعها مصادرة أراضيهم الزراعية. كذلك كان الأمر مع علوي عبدالقادر العراشة، إحتلوا منزله الطيني المكون من دورين في قرية الديو، وصادروا أراضيهم الزراعية وما عليها حتى الماشية طالتها المصادرة. ذات الردود من السلطة تلقاها عمر عند السؤال عن أبيه: لا علم لنا! ربما يكون عند بعض أقاربه ذهب لزيارتهم اسألوا عنه عندهم. وبعد فترة: هرب الشمال! وحتى اللحظة لم تعرف اسرته عن مصيره شيئاً.

العزيبي في إجازة صيف

منصر محسن عبدالله العزيبي، مصيره لم يختلف عن سابقيه إلا في بعض التفاصيل. متزوج وله 4 أولاد وبنتان. ليلاً طرقوا باب منزله (صبر م/لحج)، أربعة مدنيون (لباسهم مدني)، وطلبوا منه مرافقتهم. هو أحد العناصر القيادية في التنظيم الشعبي، أصيب في إحدى المعارك مع الاحتلال البريطاني، نقل للعلاج في جراء إصابته ومنها إلى جمهورية مصر العربية، اعتقل مرتين: مرة في سجن الفتح الشهير وأخرى في سجن مدينة الشعب. وأفرج عنه في مساء يوم 18/4/1971م. أقتاده زواره القسريون إلى المجهول. كان يعمل في الهيئة العامة للمياه، بئر ناصر – عدن. صودرت مستحقاته، راتبه لم يصرف لأولاده، وتصل الصفاقة بالنظام أن يصدر توجيه لكبير المحاسبين بتصفية اجازاته لتصفير راتبه للفترة من 20 ابريل إلى13/6/72م.

كان الرجل بإرادته المحصنة يقضي اجازة صيف طالت بعض الشيء لزم معها تصفية اجازاته، ليدفع راتبها.

وبعد ان تنقضي ولم يأت، يوقف الراتب، اسرته لم تعلم عنه شيئاً، صودرت مستحقاته وأوقف راتبه. وذات الردود من السلطة تلقاها أولاده: هرب الشمال!

36 عاماً من الإنتظار

مصير عبده سعد محمد لم يختلف كثيراً عن مصير من سبقوه. صباح يوم 17/4/1971م ذهب باكراً عمله كعادته دائماً (يعمل في المؤسسة العامة للحفر م/ لحج)، منذ ذلك اليوم وأسرته قيد الانتظار. ستة وثلاثون عاماً ولم يعد بعد. طرقت أسرته أبواب السلطات المختصة، بحثاً عنه. لا جواب خارج الاجابات المعتادة: ابحثوا عنه لدى أقاربه! بعدها: هرب الشمال! عبده سعيد محمد متزوج وأب ل5 ذكور و3 اناث، ينتمي سياسياً للتنظيم الشعبي. راتبه مصدر دخل الأسرة الوحيد اختفى مثله، أي أوقف. وعلى اسرته البحث عن مصدر رزق بديل!!

المخطوف من داخل غرفة العمليات

< النقيب / علي الدهبلي، كنت أنا شاهد عيان على اختفائه. عاينه الطبيب الجراح بمستشفى الصداقة اليمنية المجرية («صلاح الدين» العسكري) وأمر بترقيده في قسم الجراحة الخاص بالضباط ليكمل فحوصاته، وبعدها أجرى له عملية جراحية.

سأكتفي بإيراد الإسم الأول لارتباطه المباشر بعملية اختفاء النقيب الدهبلي.

ملازم إسمه «سيف» قبيل أحداث يناير 1986م بأسبوع تقريباً رقد في المستشفى هو والدهبلي، لكن الأول في قسم الجراحة والثاني في قسم الباطنية، انفجر الصراع الدامي صبيحة ال13 من يناير، الملازم سيف مرعوب مذعور كفأر يقضم اظافره بالتناوب يميناً ويساراً يصعد إلى قسم الباطنية تارة، وتارة ينزل ليبول أسفل الدرج. بدأ الطرف المنتصر بالسيطرة على المعسكرات في منطقة صلاح الدين. اختفى سيف لساعات، وعاد لابساً الزي المبرقع الخاص بقوات الصاعقة بدلاً من زي المرضى.

صباحاً ادخل الدهبلي غرفة العمليات واجريت له العملية. مساءً يعلن سيف -ومعه جنديان- حظر الحركة في المستشفى. يأمر الجنديين بدخول غرفة الدهبلي واقتياده لأنه خطر ومطلوب «زمرة».. مع أنه مريض في المستشفى ولم يحمل سلاحاً ولم يشارك في المعارك التي حدثت. أكتب ذلك والمشهد يمر أمام ناظري. أحاط الجنديان بالدهبلي، ذات اليمين وذات الشمال وسيف مصوباً سلاحه الآلي من الخلف إلى مؤخرة رأس النقيب الدهبلي الذي يمشي بصعوبة جراء العملية التي اجريت له. كان ذلك تقريباً في 17/1/1986م. وهكذا اختفى الدهبلي ولم تعرف اسرته عن مصيره شيئاً حتى اللحظة.

أسر وذوو المختفين قسرياً، يريدون -وهذا حقهم- معرفة مصيرهم، إن كانوا احياء فأينهم؟ وإذا كانوا موتى فأين قبورهم لقراءة الفاتحة وما تيسر من الذكر على أرواح أحبتهم؟

الزعيم الفيتنامي العظيم/ هو شي منه، اعتذر علناً لابناء شعبه ممن تضرروا اثناء الثورة معترفاً بأن اخطاء حدثت، فزادت مكانته لدى ابناء شعبه.

***