احتجاجات إيران بعد مقتل الشابة الشابة مهيسا أميني
احتجاجات إيران بعد مقتل الشابة الشابة مهيسا أميني (صورة متداولة على شبكات تواصل)

ما بين خرقتين: الحجاب – صنعاء 2011 – طهران 2022.. قراءة سيميولوجية (1)

“إن عالمنا تحت حكم الملالي قد تشكّل وفقًا لمنظور العدسات عديمة اللون، لذلك الرقيب الأعمى.. ليس واقعنا فحسب؛ وإنما خيالنا أيضًا، فتزامن ابتكارنا لأنفسنا مع ابتكار شخص آخر لنا حتى صرنا نموذجًا مزيّفًا من صنع خياله.. فهذا بلد يؤول كل إيماءة تأويلًا سياسيًّا أيًّا كانت تلك الإيماءة، خاصّة أو شخصية، فهم يجدون أن ألوان إشارب رأسي وربطة عنق أبي رموز للانحلال الغربي وللنزعة الإمبريالية”، آذر نفيسي (أن تقرأ لوليتا في طهران).

(1)
مع الأحداث العاصفة التي مازالت ملتهبة في إيران، منذ مقتل الشابة “مهسا أميني”، 16 سبتمبر 2022، من قبل حراس نصوص قداسة الرقيب الأعمى، وشرطة الأخلاق والفضيلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و”اليوم الوطني للحجاب والعفة” ومسمياتها الكثيرة الآتية من حفريات الماضي الأسود للأمة الإسلامية، وما أثارته من رعب عند المواطنين، خصوصًا النساء اللواتي يتعرضن لشتى أنواع العنف والانتهاكات الجسيمة من: سجن، وجلد، وغرامات، وملاحقات، وفصل من العمل، وقطع مرتبات، وآخرها القتل تعصبًا وترصدًا، بسبب خرقة لاهوتية اسمها: الحجاب!
لم يكتفِ نظام الملالي بالضحية أميني، بل ذهب لقتل أجمل ما في إيران، زهرته: الشباب.

احتجاجات بعد قتل شابة إيرانية بسبب عدم ارتداء الحجاب
احتجاجات بعد قتل شابة إيرانية بسبب عدم ارتداء الحجاب (صورة متداولة شبكات تواصل)

تابعنا احتدامات المظاهرات في إيران بالصورة، والأفلام والكتابات، ورأينا مشهدية حرق الحجاب، في انتفاضة ذهنية متخذة مرموزيتها: التوق إلى الحرية، عبرت بالهتافات، وقص الشعر، والغناء، والرقص، والرسوم من جداريات، وتشكيل، وكاريكاتور، وليس بآخر صور الانتفاضة تمزيق ودوس وحرق صور الأصنام الإلهية الخامنئية والخمينية، وقاسم سليماني، ومعاول النظام الثيوقراطي المذهبي/ العنصري، وتناقلت ذلك كل وسائل الإعلام في العالم.
عند القراءة السيميولوجية (علم العلامات) لبعض رسومات الكاريكاتور في هذه الاحتجاجات، شدني بعضها، مثل كاريكاتور تحول الشعر إلى راية/ علم ترفرف خصلاته في سماء زرقاء بلا حدود، معنى حرية الشعر الطائر الذي لا يحده سقف ديني أو سياسي، وهو يحلق في الفضاء، وتتماوج خصلاته الكثيفة تارة، وأخرى بشعيرات تعلو وتعلو في سماوات الكون.

 

 

(2)
سأركز على صورة الكاريكاتور الشهير الذي جاب العالم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وهو لمهسا أميني وهي تخلع الملالي كوجود فيزيقي بمحمولاته الثقافية، وحجاب وشعر، ومحاولة قراءته سيمائيًا.
حمل الكاريكاتور دلالات مكثفة، تؤشر إلى أن فكر المرجعيات ولاية الفقيه الأسود يتناقض ويقطع مع فكر نساء إيران: “زن زندكَي آزادي -امرأة، حياة، حرية”.
وجهان في اتجاهين مختلفين ومتضادين بل متناقضين جملة وتفصيلًا، وجه الملالي بتقاسيمه الثخينة والفجائعية، وفرز قطرات عرق أو دموع جراء خلعه من رقبته بقبضة يد أميسا.
يرمز الأسود من عمامة وجلباب ولحية إلى ثلاثية الفاشية الدينية الظلامية في العالم الإسلامي، فالعمامة الدائرية بدهاليزها تجسد معاني: التحريم، التجريم، خنق الحريات، اللافكاك من الهيمنة العابثة بالبلاد والعباد على مر السنين وحتى اليوم. فغرست مسدلة بقوة صكوك التأثيم الإجباري ليس لتغطية الرأس والشعر، بل تعطيل العقل واغتياله، لتظل الشعوب مسجونة في قعر العمامة وحبالها، كقطيع أعمى وأهوج بمكبس زر الملالي وحرسه الثوري رجاله ونسائه.

مع “زن زندكَي آزادي -امرأة، حياة، حرية”، شعار الانتفاضة، كُسرت حلقات دائرة الفاشية الدينية المذهبية بوجه مفتوح على الحياة والهواء، متخذًا من حادثة مهسا أميني، رمزية متفردة للمجتمع الإيراني المكبل بالعبودية منذ انقلاب الخميني (1979)، جالبًا الويل للشعب الإيراني من البطالة والنزوح، والهروب من البلاد، باسم سيف القرآن، وآل البيت، وما انطوى على ذلك من تجفيف لمنابع التنوع الفسيفسائي الثقافي العرقي والديني الذي يؤثث الدولة الإيرانية.

هي حقًا ثورة الشَّعر، فقد تجاوزت الخرقة/ الحجاب إلى الفكر المُفصّل للخرقة وحاميها: إسقاط نظام الملالي بمرجعياته المستبدة، بهتافات “الموت لولي الفقيه”، “الموت للديكتاتور”، “الموت لخامنئي”، “رجال الدين يرحلون”، “عارنا عارنا مرشدنا الجاهل”، “لا لنظام الجمهورية الإسلامية”، “لست مرشدي، أنا البوصلة”، ليطلق عليها ثورة النساء، وأيدها الرجال الذين يتعرضون بدورهم للظلم والقهر الكهنوتي.

كاريكاتير عماد حجاج حول مهيسا أميني
كاريكاتير عماد حجاج حول مهسا أميني (العربي الجديد)

وجه مهسا أميني في الصورة، وهو وجه كل نساء إيران، اختار الفنان رسمه في طرف لا يلتقي مع وجه الملالي في الطرف الآخر من الرسمة، طرفان لا يلتقيان: (وجه الحياة ونقيضه: الموت/ القيامة).
لعبت الألوان في الصورة، دورها في بعث الحياة بألوان زاهية، على الضد من لون الموت: اللون الأسود، فوجه أميني وجسدها باللون الوردي، وهو مزيج بين اللونين الأبيض والأحمر، يرمز الأبيض إلى السلامة والهدوء والحب، والأحمر للقوة والحرية.
اللون الوردي، به تستعيد المرأة حياتها ورومانسيتها وإشعاعها الذي طالما عملت أكفان المرجعيات السوداء على مصادرته، إلى أن جاءت هبة نساء إيران الورديات لاستعادة حياتهن وطفولتهن الطبيعية بقلع الملالي ومحمولاتهم وأرديتهم الظلامية.
أما اللون الرمادي في الضفائر فيحمل دلالة نابعة من سياقات تاريخية، أن التمرد على ولاية الفقيه كان سابقًا على حادثة أميني، فقد سارت على دربها النساء المتمردات، وهن الأمهات منذ صدور المراسيم القانونية، للهيئات الأخلاقية، كفرض الحجاب والشادور (الشرشف الأسود التقليدي) على كل النساء حتى اللواتي ينتمين إلى ديانات مختلفة، ومنع التجمل، حتى الحذاء المفصل على مقاس الخميني، بأن يكون مقفصًا، فلا تظهر الأصابع، ومنع ارتداء الجينز… الخ.

من تفاهات الحالة السيلانية للفراغ الفكري الهاذي لنظام ملالي الفقيه، نذكر على سبيل المثال، انتفاضات النساء، عام 1980، أمام مبنى رئاسة الوزراء، وبالمثل عام 1983، والألفية الثالثة، حيث كانت الاحتجاجات الغاضبة تجتاح العاصمة طهران، رافضات القوانين حتى وإن كانت نصوصًا دستورية، تلك الضفائر الرمادية التي قالت لا، وواصلت ذلك المسار “شابات الشعر الأسود”، جيل مهسا أميني، جيل “اللاءات” لكل تمظهرات فاشية الإسلام السياسي. فظهرت الأظافر مطلية باللون الأحمر وحمرة الشفاه أيضًا، كلها تنطق بـ: “زن زندكَي آزادي -امرأة، حياة، حرية”.
حتى اليوم لم يستطع النظام أن يوقف ثورة النساء، رغم استخدامه كل وسائل العنف والتنكيل والقتل، لكبح الاعتصامات والمظاهرات التي اشتعلت في طهران والمدن الإيرانية، بل أتى التضامن العالمي من خلال المظاهرات في كثير من دول العالم، شاركت فيها شخصيات عالمية من نجوم الفن، وفي الأثناء عبر العديد من الفنانين والفنانات عن احتجاجهم بقص شعرهم تضامنًا مع نساء إيران، ليزددن قوة ورفضًا لما تسكبه سلطات الحكم من خطابات، تصف المحتجات/ين بأنهم “أهانوا القرآن الكريم، والنبي”، أنهم “يحرقون المساجد وعلم الجمهورية الإسلامية المقدس”، دنسوا حجاب النساء، “الدعوة إلى إلغاء الحجاب تنفيذ لسياسة الأمريكيين”.
لقد كان الخطاب البصري محملًا بأكثر من رسالة يتقاطع فيها المحلي مع العالمي، نعم نساء إيران يكسرن أساطير التفاهة للنظام ومرجعياتها القرآنية، وأن استعمار الداخل برجالات القيامة لولاية الفقيه أخطر من الموت الفاتك باسم الفضيلة والدين.
أخيرًا:
ما يثير الإعجاب أن بعض معاقل النظام كجامعة الزهراء الدينية للبنات، رفضت زيارة الرئيس لهن، وصرخن: “الموت للديكتاتور”، فلا خرقة الديكتاتور، ولا مهدي منتظر فيما روته ثورة الشَّعر مهسا أميني، بل “زن زندكَي آزادي -امرأة، حياة، حرية”، هو الحاضر والمستقبل.