اختلاجات “جوربي” في عدن

أقدام مرتجفة

تمثلت حلقة الاتصال المشهدي الأخيرة لقيادة الحزب الاشتراكي اليمني مع دول المنظومة الاشتراكية السابقة بالزيارة التي قام بها الأمين العام الأسبق للحزب علي سالم البيض الى برلين للمشاركة في احتفالات عيد الميلاد الـ(40) والأخير لجمهورية ألمانيا الديمقراطية في 7 اكتوبر 1989.

وقف البيض ضمن كبار الضيوف من قادة الاحزاب الشيوعية واليسارية في الصف الأمامي بمنصة الاحتفالات، وهنالك كان السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي السوفيتي ميخائيل جورباتشوف وعلى يمينه كل من الرئيس البولوني ياروزلسكي ورئيس الوزراء البولوني راكوفسكي، وسمعوا من الجماهير المحتشدة بالآلاف ما جعل راكوفسكي يلتفت نحو جوباتشوف قائلا: هل تعلم ان هذه هي النهاية؟ ورد عليه: نعم افهم ما يحدث”.

في وقت لاحق ذكر جورباتشوف في كتاب مذكراته “وحيدا مع نفسي” انه في مايو 1989 اجتمع في القرم مع المستشار الألماني :” كنت انا والمستشار الألماني هلموت كول عاكفين على الاتفاق حول ان من شأن اعادة توحيد ألمانيا ان تكون إحدى قضايا القرن الواحد والعشرين، تذكرت ان جدار برلين ما لبث قائما، بعد بضعة اشهر، في تشرين الثاني/نوفمبر سقط الجدار.. لا يعني ذلك اننا كنا متواضعين في النبوءة، لا؛ بل أقدم الشعب على التعبير عن ارادته بصراحة ووضوح صارخين، مواطنو جمهورية ألمانيا الديمقراطية نزلوا إلى الشوارع للمطالبة بإعادة التوحيد”.

ويواصل: “كان هذا واضحا وضوحاً استثنائيا في مسيرة مشاعل نظمت بمناسبة الذكرى السنوية الأربعين لقيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية، والتقى ممثلو جميع اقاليم الجمهورية في برلين جنبا إلى جنب مع قادة البلد وضيوف آخرين على المنصة حيث رأيت وجوه آلاف الشباب وأحسست بمزاجهم وكان أحد الشعارات التي يهتفون بها: ابق هنا شهرا أخر يا جورباتشوف “.. كان الناس ينشدون علنا آيات التأييد لإعادة التوحيد”.

ويضيف: “ما من أحد يستطيع تجاهل هذا التصميم من جانب الشعب، نحن اعترفنا أنه إذا كنا قد عزمنا على إحداث التغيير الديمقراطي في بلدنا بالذات، فإننا لم نكن لنستطيع ان ننكر ذلك على مواطني اوروبا الوسطى. الشرقية الأخرى”.

كان صوت الاحتجاجات مرتفعا وقد اهتزت المنصة وسمع كبار الضيوف ما يحدث بما فيهم امين عام الحزب الاشتراكي اليمني والوفد المرافق له، غير انهم لم يتحدثوا عن ذلك عندما عادوا إلى عدن.

لقد عاد البيض من عدن بأقدام مرتجفة، ولكنه وغيره من القيادات الحزبية كانوا قد تمرسوا واكتسبوا القدرة على تقديم العرض المثالي للمهارة في الستر والإخفاء إلى حين، وذات يوم التقى به بعض القياديين الحزبيين الراديكاليين الذين طالبوه بإنكار ما رأت عينه مؤكدين ان ما حدث لم يكن الا سحابة صيف وأن “التوجه الاشتراكي” في اليمن الديمقراطية سوف ينتصر.. فرد عليهم مهمهاً ومتبرما: لكننا شعرنا بأن الارض كانت تهتز من تحت اقدامنا هناك”.

ذلك ما سمعته من أحد الحاضرين، وفي كل الأحوال كان ثمة إمعان في إنكار ما يجري وثمة اصرار على ان يذهب البيض إلى موسكو ليتأكد من جورباتشوف شخصيا فيما إذا كان الذي حدث قد حدث؟!!

وفي اللقاء كان جورباتشوف واضحاً وشفافاً حينما أكد على أن الامر المهم هو كسب رضا وتأييد الشعب، والعمل على اصلاح العلاقة مع الجيران، والتشاور والتنسيق مع شمال اليمن.

في كل الأحوال كانت محطة برلين فاصلة، كما كان انكشاف الغطاء الحمائي لليمن الديمقراطية واعلان السوفيت الانسحاب من أفغانستان والتخلي عن “عقيدة بريجنيف” في التدخل بشؤون الدول الأخرى، ومباشرة الانسحاب من أفغانستان في عام 1988، وكذا الانسحاب من عدن بعد مشاورات ومناقشات وزيارات لوفود رفيعة من الحزب الشيوعي السوفيتي في تلك الأثناء، وغير ذلك من التطورات التي كانت تدعو إلى التَمعن في دراسة الخيارات والسيناريوهات المستجيبة لإيقاع المتغيرات الدراماتيكية التي عصفت بالعالم كله.

بعد شهر من هزة المنصة وتحديدا في 9 نوفمبر انهالت الجماهير في ألمانيا الديمقراطية بالهراوات والفؤوس والمجارف على جدار برلين، وبعد 20 يوما من ذلك وتحديدا في 30 نوفمبر 1989 كانت الهرولة في عدن لإبرام صفقة الوحدة الاندماجية التي حملت اسباب انهيارها في داخلها من اول وهلة حين انطوت على شطب وإلغاء الجنوب، ثم ذبحت من الوريد إلى الوريد في غزوة “التعميد بالدم” واستباحة الجنوب واحتلاله والتنكيل بالجنوبيين بما في ذلك القيادات التي وقعت على صفقة الوحدة.

… في مذكراته تحدث جورباتشوف عن المشاورات الطويلة والمضنية التي كانت تدور حول ألمانيا، وعن الوثائق الضرورية التي كان ينبغي ان تنجز بوصفها “وثائق تاريخية” متعلقة بتوحيد ألمانيا، وعن الصعوبات والاعتراضات القوية على إعادة توحيد ألمانيا فهي كانت موحدة بجد وحق حتى من قبل زعماء اوربيين كبار ومنهم الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان الذي شاعت عنه نكتة أنه بالغ في حب ألمانيا حتى فضل أن تكون ألمانيتين اثنتين، واستغرب جورباتشوف انفعال مارجريت تاتشر وحساسيتها تجاه “الوحدة الألمانية” مشيرا إلى أن المفاوضات كانت بالغة الصعوبة، وكان ثمة سجالات حامية، وأراء متصادمة، واحتمال تعرض كل شيء للانهيار، ومع ذلك فإن نجاحا قد تحقق أخيرا، كان الاتفاق مصلحة موضوعية لأوروبا والعالم.

***

ميركل :هذا الرجل غير حياتي

…. في ديسمبر 1991 تنحى جورباتشوف عن السلطة في موسكو دون ان يعني ذلك تنحيه عن دوره كشخصية عالميه غيرت مجرى التاريخ، وشخصية أيقونية في ألمانيا بصورة خاصة، وقد خيمت مناخات الحزن والعزاء في 30 اغسطس الماضي والايام التالية لإعلان خبر وفاته في كافة ارجاء ألمانيا، وعبرت ألمانيا بمختلف اطيافها السياسية عن عميق الحزن والالم على هذا الرجل الذي يعتبره الالمان “عراب الوحدة، ويعتبره الالمان والعالم هادم جدار برلين إلى جانب جدران واسوار كثيرة في بقاع شتى من العالم.

المستشارة الألمانية السابقة انجيلا ميركل اوردت في صفحتها: “غير ميخائيل جورباتشوف حياتي بشكل جذري، لن أنسى ذلك ابدا”،   وعبرت عن اعتقادها أن “الثورة السلمية في ألمانيا الديمقراطية لم تكن ممكنة دون شجاعة جورباتشوف”.

في زياراته اللاحقة لألمانيا مع رفيقة دربة وشريكة حياته رايسا كانت السلطات في بعض الولايات تضطر إلى نقله بالحوامة لأن طوفان الامواج البشرية كان يحيطه من كل الجهات بمشاعر المودة والصداقة والعرفان، وكانت الآلاف تحاول الوصول اليه بالأزهار والرايات والوشاحات التي كتب عليها اسمه، وبالأغاني والاناشيد والهتافات التي تملأ السماء: “جوربي… جوربي”…!!!

لقد كان جورباتشوف من العقول الإستراتيجية اللامعة التي يفتقد لها عالم اليوم فهو من بادر إلى وضع نهاية للحرب الباردة، وازاح شبح الحرب النووية باتفاق مع الامريكيين على نزع وتدمير معظم الترسانة الصاروخية والنووية في أوروبا والعالم َوكان يشدد حتى النفس الاخير على ضرورة تصفير العالم من السلاح النووي، ويعرف تماما ما يعنيه ان يقيم المرء في برميل بارود نووي.

المؤسف ان المناخات السامة التي عمل جورباتشوف على تبديدها قد عادت لتهيمن على العالم، ومعها برزت إلى السطح عقليات مؤدلجة لا تتقن قراءة التاريخ والسياسة والجغرافي اكان في روسيا أو في اوكرانيا في أمريكا -رأس البلية- حيث ظهر من يتحدث بكل خفة عن “هرمجدون” أو ساعة القيامة العالمية الوشيكة (بايدن) المترنح على رأس أكبر دولة نووية في الكوكب.

الرحمة والسلام على جورباتشوف الذي لاحظ ذات يوم عدم التقاط رفاقه من قادة الحزب في ألمانيا الديمقراطية لصوت احتجاج الجماهير من بداياته وقال لهم: “ان التاريخ لا يرحم المتأخرين” ولو كان علم بصرعة رفاقه الاشتراكيين اليمنيين لقال لهم: إن التاريخ لا يرحم المهرولين.