المختفون قسرياً (7)

المختفون قسرياً (7)

كان يرسل بيانات «الثورة» عبر الأثير فأُرسل إلى المجهول

كان عمر “فرسان” 3 سنوات و9 أشهر حينما عاد والده، علي حسن الشعبي، قادماً من نيجيريا في زيارة قصيرة للوطن. وصل علي حسن الشعبي عبر ميناء عدن الجوي بتاريخ 19/4/1973 بموجب تاشيرة دخول رقم (ع/ق73) بتاريخ 17/4/1973 صادرة عن سفارة اليمن الديمقراطية الشعبية- القسم القنصلي بالقاهرة. “زيارة لمدة شهر واحد “سياحة” بموجب جواز نيجيري رقم 157952″، يؤكد ذلك في روايته لـ”لنداء” فرسان علي حسن الشعبي، وقد صار عمره الآن 37 عاما, كل ما يعرفه عن والده أنه كان مناضلاً وإعلامياً بارزاً.. وأنه “خرج ولم يعد” قبل 34 عاماً في عاصمة محافظة لحج “الحوطة”. كيف اختفى ولماذا؟ السطور التالية تكشف بعضاً من جوانب القضية المثيرة الغامضة.
 
باسم فضل الشعبي
shab30@maktoob.com
 
 
أول الطريق
وُلد علي حسن الشعبي في 15/3/1944، في نيجيريا، لأب يمني وأم نيجيرية. عاد به والده وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره، إلى أرض الوطن، وتحديداً الى منطقة “وادي شعبـ” ناحية “طور الباحة” محافظة لحج. وفي قريته الوادعة رضع الطفل الصغير مبكراً معارفه الأولى من كتاتيب القرية على أيدي فقهاء أجلاء. ويحكي عنه أهل قريته أنه كان شغوفاً منذ صغره بالقراءة فضلاً عن كونه طاقة من النشاط والحيوية, لذلك لم يكتف الطفل بما تلقاه من معارف أولية في كتاتيب القرية، شأنه شأن عدد كبير من أبناء قريته الذين انخرطوا في النضال ومارسوا السياسة من قبله ومن بعده؛ إذ سعى بجهود ذاتية الى تثقيف نفسه من خلال مطالعة بعض الكتب والمجلات التي كان ينفق عليها القدر الأكبر من مصاريفه التي كان يبعث بها والده من نيجيريا، حيث كان اغترابه عن الوطن, قبل أن يتوجه علي حسن الشعبي الى مدينة عدن ومنها الى تعز. كان قد اختار طريق النضال والكفاح المسلح كما يشير إلى ذلك عدد من كتاباته الصحفية في عدد من الصحف الصادرة في تلك المرحلة وكما يحكي عنه رفاق دربه. بعد تفكير عميق وتأمل واسع لحق بعدد كبير من ابناء قريته حيث قرر الانضمام الى الجبهة القومية و كان عمره حينها 21 عاماً ليحصل على بطاقة عضوية برقم 741 بتاريخ 5/3/1965, وجد الشاب العشريني نفسه مبكراً في مدينة تعز حيث كان المكتب المركزي للجبهة القومية. ولما كان الشاب المتوقد حماساً يمتلك قدرات بارعة في الكتابة والخطابة، رتب له وضعاً مناسباً وفق رؤية قيادية تكتيكية تتناسب مع طموحاته وتطلعاته الإعلامية التي بزغت مبكراً. وفي تعز أسهم “الشعبي” في دعم الثورة إلى جانب رفاق الدرب من خلال الإشراف والتحرير لعدد من المطبوعات الإعلامية الصادرة من هناك، فضلاً عن كتاباته المتعددة لعدد من الصحف التي كانت تصدر في تلك الفترة عن جهات نضالية متعددة في الشمال اليمني. كان مؤمناً ايماناً قوياً بأن الحرية حق، وإن الحق لا يستعاد إلا بالقوة والكفاح المستمر. “إن مطلب الحرية حق أساسي مشروع لكل شعب يريد الحياة والحرية أبداً لا توهب؛ لأنها ليست صدقة ولا نافلة من النوافل، بل تؤخذ؛ لأنها حق، والحق دائماً يؤخذ ولا يعطى”.
العبارة مقتبسة من مقدمة مقال كتبه المناضل علي حسن الشعبي لجريدة “الأخبار” اليومية الصادرة في تعز عن وزارة الاعلام والإرشاد القومي (العدد 689 بتاريخ 12/7/ 1967) بعنوان “ماذا تعني بريطانيا عندما تتحدث عن الإرهاب؟! ثورة شعبنا في الجنوب أقوى وأعتى من الإستعمار وقواته”.
 
في إذاعة تعز
واصل المناضل علي حسن الشعبي كفاحه ونضاله عبر الكلمة والقلم، حيث كانت هذه الأداة في نظره لا تقل في دورها عن المدفع والرشاش. ففي الوقت الذي كان يلجأ فيه المستعمر البريطاني إلى بث الإشاعات المغرضة في صفوف المناضلين وقواعد حركات التحرر بهدف إضعافها والتأثير على معنوياتها القتالية، كان الشاب العشريني يتصدى -إلى جانب عدد كبير من المناضلين- لهذا النوع من القتال، عبر كلمات مدوية يرسلها تارة عبر أوراق الصحافة وتارات أخرى عبر أثير “إذاعة تعز” بعد أن أصبح مذيعاً رئيسياً فيها. “إن ثورتنا المسلحة في الجنوب اليمني المحتل التي انطلقت شرارتها الأولى عشية الرابع عشر من أكتوبر عام 63م ضد الوجود الامبريالي البريطاني وعملائه الأذناب في المنطقة, هي ثورة كل فرد من أبناء هذا الشعب، هي ثورة الفلاح والعامل والتاجر والطالب. إن هؤلاء جميعاً هم الذين فجروا الثورة وقدموا أرواحهم وأموالهم وقوداً لها وزيتاً يذكي أوارها ويشعل جذوتها الثورية. سر يا شعبنا في طريقك، طريق الثورة المسلحة، حتى يتحقق النصر لأهدافك مجتمعة, والله أكبر وكلمتك هي العليا ومصلحتك فوق الجميع”. بهذه الكلمات كان علي حسن الشعبي يشعل حماس الجماهير ويوجه طاقاتهم نحو النضال وميدان المعركة عبر بيانات الثورة من أثير إذاعة تعز. وقد وجدنا بعضاً منها مكتوباً بخط يده. لقد كان دوره كبيراً في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ الجنوب اليمني المحتل. هذا الدور الذي لعبه “الشعبي” دور المذيع اللامع أحمد سعيد عبر إذاعة “صوت العربـ” من القاهرة، إذ أن إشعال جذوة القتال وتحريك طاقات الجماهير وبث الثقة بين صفوفها ورفع معنوياتها القتالية، كانت أهدافاً سامية للإعلام والاعلاميين آانذاك.
في 13 يناير من العام 1966 أعلن عن دمج الجبهة القومية ومنظمة التحرير تحت مظلة واحدة أصبح اسمها “جبهة تحرير جنوب اليمن المحتلـ”. وبحكم نشاط المناضل علي حسن الشعبي الإعلامي والصحفي، فقد وجد نفسه عضواً في الجبهة الجديدة وذلك في 14/3/1966. بحكم إيمانه الكبير حينها بدور الإعلام ومدى تأثيره، ظل “الشعبي” محتفظاً بموقعه كمذيع في إذاعة تعز حتى بداية السبعينيات. وفضلاً عن ذلك فقد عمل خلال تلك الفترة مديراً مالياً وادارياً لإعلام محافظة تعز قبل أن يقرر الهجرة إلى نيجيريا التحاقاً بأبيه الذي كان اغترب في عشرينيات القرن الماضي.
يقول ولده فرسان: “ترك والدي تعز في العام 1970 متجهاً. إلى عدن، ومنها إلى قرية شعب حيث كانت أسرته وأقاربه. وقد ظل في القرية لمدة عام وكان يتردد حينها على عدن ولحج لزيارة أقاربه وزملائه من المناضلين. بعدها قرر الرحيل إلى نيجيريا وكان ذلك في بداية العام 1971”.
 
العودة إلى المجهول
مكث في نيجيريا عامين، ثم قرر بعدها العودة الى الوطن. ويضيف الولد الوحيد للمناضل علي حسن الشعبي، إذ أن الأكبر منه كانت فتاة هي الآن متزوجة ولديها عدد من الأبناء وتسكن قرية”شعبـ”، قائلاً: “وصل والدي الى أرض الوطن في 19 ابريل العام 1973 عبر ميناء عدن الجوي، ومنه توجه مباشرة إلى القرية لزيارتنا، حيث مكث عندنا ما يقارب أسبوعاً ثم أخبر الأسرة أنه ينوي أخذها معه إلى نيجيريا للاستقرار هناك وإنه سوف يسافر إلى الحوطة لإتمام معاملات السفر”.
صبيحة اليوم التالي ودع “الشعبي” أسرته وأقاربه صوب مديرية طور الباحة. وفي ظهيرة اليوم نفسه كان قد وصل إلى الحوطة متوجهاً إلى منزل قريبه الذي يدعى أيضاً علي حسن الشعبي، والأخير كان مناضلاً بارزاً في صفوف الجبهة القومية أيضاً. وكان الإثنان قد عاشا طفولتهما معاً في القرية ثم في مدينة الحوطة التي شهدت بعد يوم واحد من وصول والد “فرسان” إليها قصة اختفائه المريرة والمثيرة منذ ذلك اليوم المشؤوم وحتى الآن.
 
في مقر التنظيم
لم يكن المناضل والسياسي “الشعبي” يعلم حينما ودع أسرته وأبناء قريته ذات صباح مشمس، أن ذلك الوداع سيكون الأخير. لم يكن يدرك أن الليلة الساهرة التي قضاها مع عدد من أبناء قريته في “الحوطة” متحدثاً اليهم فيها عن الإستعمار البريطاني وعن النضال والكفاح الذي نال من خلاله شعب الجنوب حريته إلى الأبد، ستكون الليلة الأخيرة وبعدها يختفي من دون أية مقدمات. لم يكن يتصور بالمطلق أن الرجل الذي طالما قض مضاجع المستعمر بخطاباته وبياناته الرنانة عبر أثير إذاعة تعز، وألهب حماس الجماهير. سيختفي عن أعين أهله ومحبيه بمجرد وصوله إلى عاصمة لحج وذهابه لزيارة من كان يعتقد أنهم رفاق الدرب.
في المساء وبينما كان في منزل قريبه المناضل والذي يحمل نفس اسمه (علي حسن الشعبي) تحدث أبو فرسان أنه في الغد سيقوم بزيارة إلى مكتب تنظيم الجبهة القومية في لحج لزيارة من كانت تربطه بهم علاقة صداقة ومسيرة نضال وكفاح مشترك لتحرير الجنوب، ومن ثم سيتوجه إلى معسكر “عباس” لاستكمال إجراءات معاملة نقل أسرته للعيش معه في نيجيريا، ولم يكن يعلم أن تلك الزيارة ستنقله من لحظة العيش مع من كان قد ألفهم من حوله إلى لحظة العيش في المجهول, المجهول الذي ما يزال يطوي حياة مناضل بارز نذر حياته لوطنه وشعبه مقابل ثمن غال ونفيس هو “الحرية” دون غيرها. “ثورتنا المسلحة في الجنوب ليس لها نهاية إلا بنهاية الاستعمار والعملاء، فكلما ازدادت وحشية الاستعمار ازداد غليان مرجل الثورة”، هكذا سطر الفتى العشريني في 7/9/1965 على صدر الصفحة الاولى من صحيفة “الاخبار” اليومية الصادرة من تعز حين ذاك ثم ولَّى يستلهم أفكاراً جديدة لعمل نضالي جديد غير مكترث لبطش الاستعمار ودسائس عملائه.
 
اللحظات الأخيرة
في صباح اليوم التالي من وجوده في الحوطة، توجه إلى مكتب تنظيم الجبهة القومية لزيارة الرفاق..فكانت تلك الزيارة كما ستعرف لاحقاً سبباً في انقطاع أخباره عن أهله وأقاربه والى هنا انقطعت اخبار علي حسن الشعبي ففي الوقت الذي يتحدث فيه البعض انه اختفى في مكتب التنظيم اي انه دخل اليه ولم يعد ذات صباح مشؤوم يروي البعض عن أن من كانوا في مقر التنظيم أخبروهم أنه ذهب الى معسكر “عباس” لإنجاز معاملة سفر أسرته إلى نيجيريا, لكن “فرسان” أكد لـ”النداء”: أن والده اختفى في مكتب تنظيم الجبهة القومية أثناء ذهابه لزيارة الرفاق”. وأضاف: “كانت الطامة الكبرى أثناء ذهاب أهل والدي للبحث والسؤال عنه لدى الأجهزة الامنية، وفي مقدمتها ووزارة الداخلية، كجهات اختصاص مناط بها الأمن والأمان والسهر على تحقيقه للمواطنين؛ حيث كانت ردودهم على أسئلة أهل والدي هي: إن هذا الشخص غير موجود في سجلاتنا. وتارات أخرى يردون بأنه غادر خارج البلاد وهي ردود لا تمت للحقيقة بصلة، لأن والدي قد دخل بموجب تأشيرة سياحية لمدة شهر، صادرة عن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية القسم القنصلي القاهرة”.
وتابع فرسان حديثه مع النداء: “لقد كانت المفارقة في احاديث المسؤولين حينها: خرج ولم يعد, دخل ولم يعد, لكن الحقيقة اصبحت وتجسدت في انقطاع أخباره عن أهله وذويه. وظل السؤال الاكثر إلحاحاً لدى أهله: هل هو حي أم ميت؟ إن كان حياً أين هو؟ وإن كان ميتاً من المسؤول عن موته؟ وكيف مات؟ وأين هي جثته؟”.
ويقول فرسان أنه في إحدى المرات وفي فترة الثمانينات وبعد الإلحاح المستمر لمعرفة مصير والده من قبل أهله وأقاربه في قرية شعب، حدث تحول مفاجئ في حديث أحد المسؤولين وهو وزير الداخلية صالح مصلح حينما أوصى باعتماد إعانة شهرية لأسرة المختفي، وأشار بعد سؤال وجه إليه عن سبب اعتماد الإعانة والرجل ما يزال مجهول المصير إلى أن “خطأ ما قد حدث”. “حينها شعر أهل والدي بأن عملية “اللحس” قد تمت وأن عملية الإنكار والمماطلة ما هي إلا محاولة لإيصالنا إلى هذه القناعة. مع ذلك نحن لم نقتنع. صحيح أننا مؤمنون بالقضاء والقدر، لكن ما زلنا نتطلع إلى معرفة مصير والدي المناضل علي حسن الشعبي حتى اليوم”.
والى اليوم ما تزال الإعانة المقررة لأسرة علي حسن الشعبي متوقفة منذ ما يقارب أربع سنوات، والسبب هو “شهادة الوفاة”، إذ أن الجهات المسؤولة حالياً تطالب بإحضارها لاستكمال إجراءات صرف الإعانة بينما أسرة “الشعبي” وأقاربه عاجزون عن ذلك، لأن مصيره ما يزال مجهولاً منذ 34 عاماً..!
 
 
 
 
***
 
 
 

مصيرهم الشاق انتظار «عبدالعزيز» والامن الوطني كالمخرز في قلوبهم
أحزان آل  «عون»
* محمد خميس لوالده: عاندفنك في حفرة لو مابطلت تدور على ابنك عندنا
 
 
موجع هو الانتظار حين لا ثاني له  و الأوجع تلك الذكريات الحميمة التي يحملها المنتظرون عن أعزاء ينتظرونهم.
لكن الانتظار مصير الحالمين الشاق ولا من فرار.
فيما سيبدو صراخهم على أمل الشفاء بمثابة أوجاع تتفاقم خصوصا إذا ما شعروا بان المساحة من حولهم قد صارت لا متناهية بالصمت وفسيحة باللاجدوى!.
البحة المغصوصة في صوت الدكتور جميل عون كانت تشير إلى ذلك وهو يحكي للنداء مأساة أخيه المختطف والمغيب منذ 30 عاما إضافة إلى أحزان العائلة التي ما زالت تنتظر.
 
فتحي أبو النصر
fathi_nasr@hotmail.com

إن اليأس يمتزج بالأمل لدى آل  “عون” وهم بانتظار عبد العزيز ولا يعرفون مصيره بعدما راح ضحية لجهاز الأمن الوطني الذي صار كالمخرز في قلوبهم.
في 6 فبراير 77م اعتقل النقيب عبد العزيز عون من جانب سور الجامعة القديمة بصنعاء “كلية الآداب حاليا ” عبر سيارة فلوكسويجين زرقاء جيب تتبع الجهاز سيئ الصيت.
طبق شهود فان العملية تمت بقيادة نائب رئيس الجهاز حينها.
كان عبد العزيز منذ صغره  مأخوذا بالمسألة السياسية وأمنيته أن يصير ضابطا لذا التحق بالبعث ولاحقاً بحزب الطليعة، الذي صار جناحه اليساري وقد عرف كعضو ناشط ومؤثر فيهما كما عد واحدا من انبغ الذين دخلوا الكلية الحربية حيث تخرج فيها  بتفوق.
في العام 53م ولد بقرية المذاحج – تعز وتشكلت لبنات وعيه الأولى ما بينها وعدن بعد انتقال العائلة إليها مؤقتا قبل استقرارها النهائي في تعز.
باختصار: انه ابن المناخ الستيني العاصف الذي حرك في المنتمين إليه تطلعاتهم من اجل يمن جديد.
في العام 68م قرر  وأخيه منصور أن يلتحقا بالكلية الحربية فكانت مغادرتهما إلى صنعاء لكن والدهما تفاجأ باختيارهما الدراسي إذ كان يريد لهما دراسة الطب أو الهندسة فاستدعاهما للحيلولة دون الحربية لكأنه يحدس ما سيواجهانه من مصائب بسببها.
غير أن منصور هو الذي عاد إلى تعز  وتراجع.
لم يعد عبد العزيز إذ كان عشقه الكبير للدراسة العسكرية هو مشتهاه الذي صر على عدم الاحادة عنه.
تم التحاقه  بالدفعة التاسعة التي تميزت باحتوائها لنبهاء مبرزين اجتماعيا وسياسيا وثقافيا.
تفرد بتحصيله الدراسي نظريا وميدانيا وظل ترتيبه الأول في جميع المراحل والمتعارف عليه أن الأول في حفل التخرج هو من يسلم العلم للدفعة التالية كما ويبقى ضمن سلك أعضاء هيئة التدريس فيها لكن عبد العزيز حرم من الأمرين معا!
السبب حد إحالة جميل ممارسته للعمل الحزبي ونشاطه الاستقطابي الناجع وسط العسكريين.
بعد التخرج تم تصدير عبد العزيز إلى لواء العروبة في تعز ويتذكر جميل كيف انه كان ملفتا بحيويته العسكرية حتى أن مشيته كانت كذلك في أفعاله المدنية أيضا!.
خلال تلك الفترة وقعت حادثة تعزز من المعطى النبيل لدى هذا الفتى وهي بحسب جميل كالتالي: تم القبض على احد الجنود التابعين لكتيبة كانت ترابط في منطقة الراهدة عند الحدود الشمالية الجنوبية ويشرف عليها اللواء وذلك عقب عودة هذا الجندي إليها بعد فراره لأيام مدعيا انه تاه بين الحدود لكن محاكمة عسكرية تمت له في مقر اللواء بمنطقة الحوبان أقرت اعدامه بتهمة التعامل مع الجنوب وقد أوقع القاضي أمر تنفيذ الحكم على عبد العزيز الذي رفضه بشدة باعتبار المحاكمة غير عادلة أولا وثانيا بان ليس من شانه تنفيذ مثل هذه الأحكام حتى ولو جاءته عبر أوامر عسكرية!
“مازلت اعتقد أن الجندي كان رفيقا لعبد العزيز وتحديدا كان يؤدي مهمة حزبية أثناء غيابه عن كتيبته”، يقول جميل ويضيف: “كأن الأمر الذي أعطي  لعبد العزيز لتنفيذ الإعدام بالجندي قصد إظهاره بموقف النذل مع رفقائه”.
قضى عبدالعزيز ثلاث سنوات في تعز قبل انتقاله إلى عمران مع انتقال لواء العروبة  وتحول اسمه إلى اللواء الأول مشاة.
هذا اللواء اعتبر واحدا من أهم المواقع الميدانية  الحساسة التابعة للقوات المسلحة فيما لم يخفت النشاط السياسي لعبد العزيز. “كان لا يخشى شيئا”…: “كنا نخاف عليه فهو مراقب وعيون البصاصين لا ترحم”، لكن جرعة العقاب تزايدت تدريجياً؛ إذ تمت إحالته إلى  التوجيه المعنوي “لكأنه أحيل إلى معتقل أنيق” بحسب تعليق جميل.
آنذاك كان قد أصبح عبدالعزيز منتسبا بكلية التجارة جامعة صنعاء قسم الاقتصاد وكالعادة كان نبوغه هو المتجلي إذ ظل يحصل على المركز الأول بتقديرات عالية لكن قدره مع حق التعيين كمعيد تكرر في هذه الكلية أيضا إذ تم اعتقاله وهو في سنته الرابعة.!
حد شهود فان سيارة الفلوكسويجين الجيب الزرقاء التي نفذت مهمة اعتقاله توقفت لفترة أمام المنزل المشترك الذي كان لأخويه عبد القادر ومنصور والكائن في منطقة غرقة الصين.
عبد القادر ومنصور كانا في العمل حينها وهناك نسخة من مفتاح المنزل عند المؤجرة التي حكت لهما بان عبد العزيز جاء برفقة شخوص وطلب المفتاح منها فأعطته.
المفقودات التي حصرها الأخوان  تستدعي الغرابة كما تعمد غباء الأمنيين “عدسة مكبرة للحروف ومجموعة نظارات تتبع عبد القادر المصاب بضعف في بصره إضافة إلى جواز سفر لأخيهما  الثالث ياسين  وبعض الكتب التي تتبعهما “وكانت دراسية متخصصة وليست سياسية أو ثقافية كما يؤكد جميل مشيرا إلى أن “ما لا يعرفه  الخاطفون الامنيون هو أن عبد العزيز كان يسكن بيتا سريا آخر وفيه يجتمع مع رفاقه كما يحوي أية وثائق مهمة له. وقد كانوا فائقي  الحرص والتنظيم ”
لوالد عبد العزيز مكابدات شتى مع الأمن الوطني إذ ظل مداوما على التردد عليه  لمعرفة مصير ابنه حتى وصل الأمر بمحمد خميس أن يقول له “عاندفنك في حفرة لو ما بطلت تدور على ابنك عندنا”.  لكنه جاهد لمعرفة مصير ولده من خلال التقائه شخصيات اجتماعية مؤثرة وحثهم على المساعدة.
مرة قابل الدكتور عبدالعزيز المقالح في فعالية تأبينية وحين تصافحا قال له بصوت مكلوم “متى ستكفون عن الأموات وتبحثون عن الأحياء؟!”.
اثر ذلك تقدم مجموعة مثقفين من بينهم الدكتور المقالح والدكتور أبوبكر السقاف بطلب للآمن الوطني للإفراج عن معتقلين من بينهم عبد العزيز لكن قادة الأمن لا يبالون عموما وعلى نحو خاص ظلوا ينكرون وجود عبد العزيز لديهم ”
بيد أن  معتقلين سابقين تم الإفراج عنهم اجمعوا على  مشاهدتهم له في الأمن الوطني.
الحق أن  النداء التقت بمعارف لعبد العزيز شهدوا إحداثيات تلك الفترة جلهم تحسروا عليه واعتبروه “ملحوسا” وفقا للتعبير السائد وقتها أي أن تصفيته قد تمت كما اجمعوا على عدم ذكر أسمائهم هنا والاسباب مختلفة.
لكن  الدلائل  تظل غير مؤكدة ولذا فان تخميناتهم هي المحصلة الوحيدة كنتاج للرعب الذي انتشر أيامهم وماشاع من أجواء  شائكة ومشحونة بمختلف تداعيات سياسية-لازالت تلقي بظلالها إلى اليوم – نتج عنها قتلا مجانيا وافرا لناشطين ومناهضين ما أدى إلى إرباك التوقعات في الوعي العام وبالتالي الخاص ولذا كان لقضايا المعتقلين والمختفين أن يتم ترحيلها باعتبارها شديدة الحساسية بينما كان يحدث أن ترتفع الإشارة إليها بشكل نادر على عكس نسيانها القسري التام  في محطات أخرى.. وهكذا .
غير أن الجمرات تظل متأججة وهي تحت الرماد في حين تحمل عائلة عون الأمن الوطني مصير ابنها الملتبس .
ففي ابريل 77م شوهد  عبد العزيز في مستشفى “الثورة” تحت حراسة احد ضباط الجهاز الكبار ” تولى بعد الوحدة منصب محافظ لإحدى المحافظات الجنوبية”.
بعد أشهر قليلة من ذات العام شوهد  مرة أخرى في المستشفى العسكري ووضعه  الصحي أكثر من سيئ  والثابت انه تعرض لتعذيب فادح بسبب نشاطه السياسي حيث الحزبية تتوجب التجريم كما ولإفشاء معلومات عن رفاقه.
لقد غافلني الدكتور جميل بالقول- وكانت نظراته مشتتة لكأنما حنجرته تتمزق -أنا على معرفة بعدة أسماء كانت أخي في مسار  واحد وهي اليوم تتبوأ مواقع قيادية هامة في الدولة عسكريا ومدنيا”!
تأثرت العائلة لما حصل للحالم ذي الخمسة والعشرين ربيعا  وهي تتكئ منذ ثلاثة عقود على بسمة تركها دونما فائدة وفي العام 2003م مات والده كمدا وحسرة عليه رغم امتلائه  بيقين انه حي وحتى الآن مازالت والدته تنتظره على نفس اليقين بل أنها حثت واشرفت على بناء طابق باسمه فوق بيت العائلة ومن راتبه ممنية نفسها أن يعود ويسكنه ولقد شعرت بالدمعة الحرى لهذه المفجوعة بينما كان جميل يحثها هاتفيا على أن يرسل أخاه الأصغر «وجدي» صور عبدالعزيز إلى ايميلي للنشر. وكانت أدعيتها تتصاعد من السماعة على هيئة متصدعة.
يحكي جميل انه وأخاه ياسين حين سافرا للدراسة هو إلى روسيا وياسين إلى القاهرة اضطرا إلى إسقاط  لقب “عون” من اسميهما واستبداله بالمذحجي خشية المضايقات فحيث كان لا يتم منح جواز سفر إلا بعد موافقة الأمن الوطني الذي يمنح حسن السيرة والسلوك أيضا كان عبد العزيز مغضوب عليه  الأمر الذي  انجر على بقية أفراد العائلة حتى أن أخاهم  منصور الذي كان ناشطا سياسيا حينها ظل مختفيا عن الأنظار  لسنوات  بسبب المطاردة قبل أن تعرف العائلة انه سافر للدراسة إلى الخارج.
لم يكن عبد العزيز متزوجا حين تم اعتقاله بل كان يتهيأ لذلك  وبين أوراقه الشخصية ترك جملة قصائد. “كان يكتب الشعر ولا ينشر” كما مسودات لمقالات “كانت نشرت له جريدة “الجمهورية” خلال ذلك الزمن عدة مقالات بشكل متفاوت “إضافة إلى الرسومات “حيث كان  الرسم   هوايته المفضلة”.
بين عبدالعزيز وجميل  أربع سنوات لصالح الأول وعنه يتذكر الثاني ما يلي: “كان نشيطا وأنيق الملبس ويهوى أغاني فيروز.. كان كريما ومتفاعلا مع مشاكل الناس..كان قارئا جيدا وبالذات للروايات العالمية.. كان جادا ومحاورا مقنعا والصفة التي لازمته كظله هي قدرته على الاستقطاب الحزبي”.
وظيفيا استمر عبد العزيز في التوجيه المعنوي حتى اعتقاله في 6 فبراير اليوم المشئوم في ذاكرة عائلة “عون”.
لم ينقطع راتبه من التوجيه وإنما يذهب إلى والدته ليس لأنه مفقود أو معتقل أو ميت بل كمتقاعد وبرتبة عقيد!
الدكتور جميل عون أستاذ الفلسفة في جامعة صنعاء يطالب عبر”النداء” الحكومة الحالية بكشف مصير أخيه عبد العزيز  وهو يشدد  على أن “الاختفاء لا تمحي مسؤوليته بمجرد انه تم في عهد الجمهورية العربية اليمنية بل العكس يتوجب أن تتعاظم المسؤولية اليوم في ظل الهامش الديمقراطي وبما يحقق ولو نزرا يسيرا لذوي المختفين كما أن ذلك ما  تستدعيه مقتضيات الشفافية وحقوق الإنسان من  الأنصاف وجبر الضرر.