تعامل السلطة هكذا يزيد اشتعالاً.. إضطرابات الجنوب تحرير حق مراق

تعامل السلطة هكذا يزيد اشتعالاً.. إضطرابات الجنوب تحرير حق مراق – فضل علي مبارك

من يسترجع توالي الاحداث التي شهدها عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية، وتداعياتها منذ شهر، يستذكر ألم حرب يوليو 1994 وما تركته من ندوب في جسد الوحدة ما تزال، ولا يبدو إنها ستندمل في ضوء ما يتراكم من إرهاصات للأحداث الساخنة التي ينحصر فعلها في المحافظات الجنوبية، وتتكدس ويلات اثرها على أبناء تلك المحافظات. الأمر الذي يوسع وينمي ذاك الشرخ الذي غدا اليوم عمره ثلاثة عشر عاماً، وأخذ يتغذى على كثير من التصرفات والسلوكيات العبثية لبعض القيادات المتنفذة من المحافظات الشمالية، والتي أوكلت إليها مهمات في الجنوب تحت دعاوىَ مشروعية الوظيفة. فيما هي في حقيقة الأمر لعبة سياسية خطيرة أبجدياتها غدت واضحة. إذ لو أن الأمر يتم في اطار مشروعية الكفاءة، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب على قاعدة القانون، وفي حق كل مواطن يمني يعتلي هذا المنصب أو ذاك. ترىَ لماذا كفاءات الجنوب المعروفة والمشهود لها ولماذا هي ضيف دائم على بيوتها؟.. ولماذا كثير من المناصب حرام على ابناء الجنوب…? وحلال زلال على ابناء الشمال وتحديداً في المحافظات الجنوبية، مثل مدراء عموم الأمن بشقيه العام والسياسي، والمالية والضرائب والجهاز المركزي للرقابة ورؤساء المحاكم… وأنظروا كمثال لمحافظة عدن التي لا يمكن لأحد ليس على اليمن بل والشرق الاوسط والعالم أجمع تجاهل ونكران مستوى وعي وتعلم ابنائها ومدى كفاءة كوادرها.. والقياس على ذلك على شقيقاتها، لكن لم يحصل قط ان اسندت مهمة لاحد منهم في ذاك الاطار رغم التغييرات لكنها تغييرات تتم في اطار تبادل الادوار لمراكز قوى الشمال لإتاحة الفرصة أمام اتباعهم لتحسين اوضاعهم ليصبحوا «رجالاً» بلغة السوق باعتبار أن الجنوب مازال بكراً في كل شيء، بعكس الشمال الذي استنفد كل شجرة والحجر.
و نضيف من جملة ممارسات الاستهداف ظاهرة التقاعد القسري التي لحقت ولازالت تلحق بآلاف من الكوادر والقيادات العسكرية والمدنية والموظفين والجنود، فيما هم ما زالوا في قمة عطائهم ودون بلوغ القانون بأحد أجلية، وبخلاف اذا ما قورنوا بآجال اخوانهم من الشمال الذين عاصر الكثير منهم مرحلة الامام يحيى، ونبتت لهم اسنان جديدة، او ركبوا طواقم اسنان، ومازالوا يتربعون على كرسي الوظيفة من على فراش العجز والشيخوخة.
قال لي العقيد جمال ناصر عوزر الذي أرغم على التقاعد لمشاركته في احدى الفعاليات السياسية، وقد كان يشغل منصب مدير جهاز الأمن السياسي بمديرية ميفعة بمحافظة شبوة مفسراً جملة الاحداث التي افضت خلال الشهر الى اندلاع اشتباكات مسلحة بين رجال قبائل وموظفين من جهة وبين قوات حكومية ( الجيش والأمن بمختلف تشكيلاته ومسمياته).. قال ان الاشتباكات في حقيقتها هي مواجهات بين الشمال والجنوب وفند:« أنظر الى ما يسمى بالقوات الحكومية من الجيش والأمن هم في الاساس من المحافظات الشمالية.. ويواجهون وعلى اراضي المحافظات الجنوبية ، أبناء جنوبيين سواء رجال قبائل او مواطنين واكثرهم كانوا قيادات عسكرية وامنية وجنوداً بعد ان تم تسريحهم قسراً، ما تولد عن هذا التسريح اختلال المعادلة وافراغ اجهزة الجيش والأمن من مضمونها الوطني».
وزاد ان ضرب أحمد عمر القبيلي – الموظف بوزارة الزراعة والقاعد في منزله منذ 1994- مثلاً، بجنود نقاط التفتيش المنتشرة في طول وعرض الطرقات ومداخل ومخارج المدن الجنوبية، جميعهم من «هناك» وصارت «هناك» مفهومة.. متساءلاً: «ليش عندهم ما فيش نقاط بكثرة؟!.
إذن وبحسب مايلتاك من حديث شعبي: لو ان المسألة وحدة ومخاواة، يعني ذلك انها مساواة.. و المساواة بالظلم عدالة كما تقول الحكمة.. وفي ضوء نصوص القانون لكن لماذا لا نجد ذات الفرص يتهيأ للكوادر من أبناء الجنوب؟ وكيف لا نراهم في ظل هذه الوحدة يتبوأون مناصب قيادية في المحافظات الشمالية، بذات القدر للطرف المقابل ولا نريد العروج على قانون الحكم المحلي، لأنه مثل غيره صدرت لمجرد الاستهلاك الاعلامي وتبييض وجه النظام، من حيث احقية ابناء كل محافظة بتولي زمام أمورها».
ولذلك ينبغي الانتباه بأن اعتصامات ومسيرات المتقاعدين العسكريين والمدنيين في عموم المحافظات الجنوبية ، والمسيرات الشعبية في عدد من المناطق، والاشتباكات المسلحة بين قوات الحكومة والقبائل والمواطنين في أبين ومودية والمحفد وشبوة، وما أسفرت عنه من خسائر في الجانبين، وحالات التقطع، والملتقيات الجماهيرية ومايبرز في الصحف من كتابات حول القضية الجنوبية وبالضرورة ان لاتمر مرور الكرام او ان تعمل السلطة حيالها أُذن من طين والاخر من عجين، لإن تلك الاحداث من خلال نظرة موضوعية لها تبين بجلاء انها لم تكن فعلاً عابراً أو حدثاً عفوياً وان محاولة افراغه من مضامينه والتعامل معه بنفس ضيق من خلال كيل الاتهامات المتسترة وراء الهدف السياسي لهو ضرب من المستحيل ولا يزيد النار إلا اشتعالاً.