تهريب المواشي.. طريق الاعتلال

تهريب المواشي.. طريق الاعتلال – جلال الشرعبي

نحاول في هذا التحقيق تتبع مسار التهريب للمواشي من القرن الأفريقي عبر اليمن، إلى دول الخليج تحديداً. إنها محاولة للسير خلف أقدام مهربين باتت حرفتهم، التي تسندها الفوضى وغياب المؤسسات الرقابية. ولأنها تجارة رابحة اتسعت رقعتها مؤخراً وأصبح لها جماعات منظمة تتحرك عبر  بحر مفتوح من الصومال إلى اليمن. وتبدو الفرصة مع مواسم العمرة والحج ذهبية مع الاستهلاك الكبير للمواشي. ومعها تزداد المخاوف من انتشار الأمراض والأوبئة.
 
الاسواق السعودية.. خسائر كبيرة
قال عدد من تجار الماشية المصدرين إلى الأسواق السعودية والخليجية إن تجارتهم تتعرض لخسائر كبيرة ومتوالية جراء تزايد عمليات التهريب لمختلف أنواع المواشي التي يتم تهريبها عبر الكثير من المناطق والمنافذ الحدودية لليمن مع السعودية وسلطنة عمان.
وحمل التجار من ذوي الجنسيات السعودية واليمنية والإماراتية، الجهات المعنية في الحكومة اليمنية مسؤولية الخسائر التي تتكبدها تجارتهم بسبب تغاضي تلك الجهات عن عمليات تهريب المواشي ودخولها إلى الأسواق الخليجية والسعودية بصورة غير نظامية وبلا رعاية وعناية صحية وفحص طبي، بعكس المواشي التي تصدر عبر شركاتهم إلى تلك الأسواق، بعد حجرها صحياً وبيطرياً وفق مواصفات المنظمة العالمية لصحة المواشي واشتراطات الدول الخليجية المستوردة للمواشي.
 وأضافوا أن خسائرهم ليست مقتصرة على عمليات التهريب للماشية القادمة من اليمن فقط، بل من شحنات الماشية القادمة من دول القرن الأفريقي (الصومال، أثيوبيا) الواصلة إلى الأراضي اليمنية والتي يستخدمها المهربون وتجار المواشي غير النظاميين كمحطة “ترانزيت” لتهريبها عبر المنافذ الحدودية البرية والبحرية لليمن مع دول الخليج التي وضعت شروطاً صحية وبيطرية وفحوصات مخبرية للسماح بدخول أي شحنات من الماشية القادمة من اليمن ودول القرن الأفريقي فضلاً عن إشتراطات حجرها صحياً من خلال المحجر الصحي الأقليمي للمواشي المقام في دولة جيبوتي، الذي يخضع لإشراف عدد من المنظمات العالمية المتخصصة بصحة المواشي.
 
محجر صحي ب20 مليون دولار
وكانت المملكة العربية السعودية، التي تعتبر أكبر سوق للمواشي في الخليج والشرق الأوسط، قد وافقت مؤخراً على رفع الحظر عن استيراد المواشي القادمة من القرن الأفريقي بعد حظر دام أكثر من ستة أعوام عبر المحجر الصحي الأقليمي في جيبوتي الذي تم إنشاؤه برأس مال يزيد عن عشرين مليون دولار في مرحلته الأولية وباستثمار سعودي – يمني؛ الأمر الذي خلق أسواقاً تنافسية لتجار المواشي في أسواق السعودية ودول الخليج وخفض أسعارها بنسبة تزيد عن 40% في تلك الأسواق علاوة على خلق حالة من الأمان والإطمئنان لدى جموع المستهلكين للحوم صحية خالية من الأوبئة والأمراض، والتزاماً بتوجيهات واشتراطات الدول الخليجية المستوردة، إنطلاقاً من حرصها على حياة وصحة مواطنيها خاصة بعد أن صنفت المنظمات الصحية العالمية دول القرن الأفريقي ذات الثروة الحيوانية الكبيرة (أثيوبيا، الصومال، كينيا). واليمن ضمن الدول التي تستوطن فيها الأوبئة والأمراض الحيوانية المعدية للإنسان كوباء «الوادي المتصدع»، الذي فتك بعدد من مواطني الدول المصدرة والمستهلكة.
وتعزو اليمن ضعف الإجراءات الرقابية والطبية البيطرية الصحية المتخصصة، إلى ضعف الإمكانيات المادية والتكاليف الكبيرة التي تستطيع اليمن من خلالها منع عمليات التهريب المختلفة، وبالذات عمليات تهريب الماشية عبر منافذها الحدودية البرية والبحرية مع دولتي السعودية وسلطنة عمان من جهة، وسواحلها الطويلة المقابلة لسواحل القرن الأفريقي من جهة ثانية، في الوقت الذي منعت فيه الجهات اليمنية المختصة ولأكثر من مرة استيراد الماشية من دول القرن الأفريقي على خلفية ظهور العديد من الأوبئة والأمراض في بعض المناطق والمواشي الأفريقية.
 
نافذون وسماسرة
وقال مسؤول في وزارة الزراعة (فضل عدم ذكر اسمه) لـ”النداء”: “إن عمليات سمسرة تجري بين تجار ماشية يمنيين وصوماليين وخليجيين، وجهات نافذة في اليمن ودول القرن الأفريقي لتهريب الماشية الأفريقية عبر اليمن إلى كل من الأراضي السعودية وسلطنة عمان وإلى دبي”.
وتابع المصدر: “إن عمليات تهريب الماشية اليمنية والماشية القادمة من القرن الأفريقي تتم عبر العديد من المنافذ البرية والبحرية لليمن، حيث يتم تهريبها إلى سلطنة عمان ودبي واستخراج شهادات منشأ من تلك الدول والتي يتم على إثرها السماح لشحنات المواشي بالدخول إلى الأسواق السعودية والإماراتية والخليجية”.
ولم تستبعد المصادر أن تكون (الحالات) المرضية التي اكتشفتها السلطات الصحية المختصة في السعودية خلال الأيام الأخيرة في بعض المواشي المتواجدة في أسواق المناطق الجنوبية للمملكة من ضمن المواشي اليمنية والأفريقية التي تم إدخالها من المنافذ الشمالية لليمن وبالذات من منفذ حرض الحدودي، والمناطق المحيطة به والتي عرفت بنشاط عمليات وتجارة التهريب فيها منذ فترة طويلة، رغم المحاولات السعودية واليمنية للحد منها.
من جانبه قال المهندس حسام محمد قائد الوائلي، نائب المدير العام لمؤسسة «أبو ياسر» الدولية التي تدير المحجر الصحي الإقليمي في جيبوتي: ” إن المحجر الصحي استطاع، بفضل الله، إيجاد بيئة مناسبة ومتميزة في المجال البيطري والصحي والمخبري والفني فيما يخص صحة المواشي، بمواصفات علمية عالمية، ووفق أعلى المستويات الصحية المعمول بها عالمياً كالمنظمة العالمية لصحة المواشي، والمنظمة الأفريقية لصحة المواشي.
 واضاف أن تهريب المواشي ما زال مستمراً رغم هذا، وأن هناك شبكات تهريب مستفيدة تمتد من القرن الأفريقي إلى الخليج العربي.
وكانت السلطات السعودية قد أصدرت مرسوماً يقضي برفع الحظر عن استيراد المواشي الأفريقية بعد أكثر من ستة أعوام من الحظر، خشية إصابتها بالأمراض والأوبئة والتي من أبرزها «حمى الوادي المتصدع».
 
***
 
اليمن منفذ التهريب الوحيد
يقول أحد تجار المواشي اليمنيين الذي التقتهم “النداء” في ميناء “بربرة” الصومالي، وطلب عدم ذكر اسمه، نظراً لحساسية الموضوع، إن اليمن هي المنفذ الوحيد لتهريب المواشي إلى كل من السعودية وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة، خاصة المواشي القادمة من دول القرن الأفريقي (الصومال، أثيوبيا).
 حيث تصل إلى مينائي المخا على البحر الأحمر، والمكلا على بحر العرب، ومن هناك يقوم مندوبون يمنيون بشراء تلك المواشي من المخاء والمكلا بالتنسيق مع تجار آخرين من السعودية وعمان والإمارات، حيث يتم نقل المواشي بالسيارات (وغالباً ما تكون تلك السيارات غير مخصصة لنقل المواشي ولفترة تتراوح ما بين يوم وثلاثة أيام داخل الأراضي اليمنية، وصولاً إلى المنافذ الحدودية التي يتم عبرها تهريب المواشي) إلى دول الجوار.
 وأضاف أن تجاراً سعوديين يشجعون عمليات التهريب نظراً لعوائدها الكبيرة، خاصة وأن الدول الخليجية وبالذات السعودية لديها شروط حجر صحية حتى تسمح بدخول المواشي إلى أسواقها، في حين يقوم هؤلاء التجار ببيع المواشي المهربة في الأسواق السعودية بشكل غير نظامي، أو يقومون باستخراج شهادات منشأ للمواشي اليمنية والأفريقية من بلد خليجي ثالث وبيعها على أنها ماشية عمانية أو إماراتية وليست يمنية أو أفريقية، وهذه الوسائل معروفة للجميع أكانوا تجاراً صوماليين أم يمنيين أم خليجيين، وحتى الجهات الرسمية في الموانئ والمنافذ اليمنية تعرف طرق ووسائل التهريب خاصة في المنافذ؛ فهناك تنسيق غير معلن بين كل أطراف التهريب.
 وأشار إلى أن آلاف المواشي، بمختلف أنواعها (جمال، عجول، أبقار، أغنام) يتم تهريبها شهرياً إلى داخل الأراضي والأسواق السعودية، والتي بلا شك لا تخلو من الأمراض والأوبئة وخاصة الماشية ذات الأعمار الصغيرة؛ نظراً لكبر حجم السوق الاستهلاكية في السعودية التي تعتبر أكبر أسواق استيراد الماشية، حتى أن الماشية المصابة بأمراض ظاهرة يتم تهريبها وبيعها في تلك الأسواق إلى جهات معينة ومحلات ومراكز اللحوم المذبوحة والمسالخ والقرى والمناطق الريفية.
ولفت إلى أن هناك معرفة من الجهات الجمركية وإدارات المنافذ الحدودية اليمنية بالمخاطر الصحية التي قد تكون الماشية المهربة مصابة بها، إلا أن ذلك يتم التغاضي عنه من قبل تلك الجهات خاصة وأن سيارات الشحن التابعة لتجار سعوديين متواجدة في الجانب الآخر من المنفذ الحدودي. مشيراً إلى سهولة الحصول على أي تصريح من الجهات المعنية.
ونفى تاجر الماشية أن يكون تجار الماشية اليمنيون هم من يقومون باستخراج شهادات منشأ للماشية اليمنية والأفريقية المهربة إلى دول الخليج والسعودية، وأن من يقومون بهذه المهمة هم التجار السعوديون المستفيدون الأكبر من عمليات التهريب، في حين تقتصر مهمة التجار اليمنيين والصوماليين على إيصال شحنات الماشية وتهريبها إلى المنافذ الحدودية والحصول على تصريح بالسماح لها بالمرور من تلك المنافذ لأن اليمن ليس لها اشتراطات صحية وبيطرية للماشية الواصلة إليها من القرن الأفريقي. ويتم فحص عينات من الماشية في مينائي المخاء والمكلا بطريقة سطحية وعادية وبشكل ظاهري وعشوائي؛ نظراً لأن المحاجر الموجودة في المكلا ليس فيها أي تجهيزات طبية أو مخبرية تقوم بهذا العمل، وليس فيها أي مقومات استقبال الماشية، بل إنها عبارة عن أماكن لإنزال الماشية من البواخر وتحميلها إلى السيارات، علاوة على أن الحظائر غير مجهزة بأبسط الإمكانيات، الأمر الذي يسهل عمليات التهريب لتجار الماشية اليمنيين والصوماليين أيضاً، كما أن الماشية التي يتم نقلها إلى المنافذ الحدودية تظل لفترة طويلة تصل إلى ثلاثة أيام دون رعاية ولا اهتمام؛ فتتعرض لكل المتغيرات وتعاني من نقص الغذاء والماء. واشار إلى أن تجار التهريب معروفون للجميع وهم الذين يقومون بشراء الماشية من مينائي المخاء والمكلا وإيصالها إلى المنافذ الحدودية مقابل  100 ريال سعودي على الرأس من الأغنام، ويرتفع السعر إذا كانت الماشية المهربة من الجمال والعجول والأبقار وتتراوح المبالغ مقابل كل رأس يتم تهريبه منها بين  200  ريال سعودي إلى  500 ريال سعودي. وهؤلاء السماسرة مهمتهم شراء الماشية من التجار اليمنيين والصوماليين المستوردين من القرن الأفريقي، وإيصالها إلى التجار الخليجيين والسعوديين.
sanaapress@gmail.com